هل تعرفون المصريين الأرمن؟

فاطمة ناعوت
2018 / 8 / 14



هل تذكرون "ألكسندر صاروخان" مبتكر شخصيات من الكاريكاتور السياسي عاشت معنا واحتلّت عقولنا وثقافتنا مثل: “المصري أفندي"، "مخضوض باشا الفزعنجي"، "إشاعة هانم"، وغيرها، وصاحب كتاب النقد السياسي "هذه الحرب"؟ فنان كاريكاتور عظيم، أرمني مصري من أصول روسية، يُعدُّ من أقوى 100 رسام كاريكاتير في العالم، وفق تصنيف مجلة ستوديو الإيطالية، وهو الشرارةُ الأولى لفن الكاريكاتير في مصر والعالم العربي. ولد صاروخان عام 1898 في القوقاز، ثم هاجر إلى مصر في شبابه، واستقر بها ومنحه الرئيسُ جمال عبد الناصر الجنسية المصرية، إلى أن رحل عنّا يناير 1977، بعدما أثرى الوعي العام بآلاف القطع النفيسة من فن الكاريكاتور التي انتقد فيها، بريشة لاذعة، متناقضات السياسة والمجتمع في مصر والعالم. كانت وحاتُه تُزيّن مجلات وجرائد مصرية وأرمينية وفرنسية وازنة مثل "روزاليوسف، أخبار اليوم، المستقبل، لابورس إيجيبسين، إيماج، كاردوش، وغيرها. وفي الصالون الذي أقيم على شرفي الشهر الماضي بنادي الشرق الأدنى للأرمن، أهدوني موسوعة ملوّنة ضخمة، من إعداد وتقديم الناقد الأرمني"هرانت كشيشيان"، تضمُّ مئات من لوحات ألكسندر صاروخان، يقول كلٌّ خطٍّ فيها مئات الكلمات، دون قول.
وهل تذكرون "ڤان ليو"؟ لا شكّ أن كثيرًا منكم يحتفظ في بيته أو مكتبته الإلكترونية بصور فوتوغرافية عديدية تحمل توقيعَه الفنيَّ الشهير، ربما دون أن يدري من هو صاحب العدسة الاستثنائية الفريدة التي التقطتها. شخصيًّا، تحتلُّ جدرانَ بيتي لوحاتٌ ثمينةٌ، بالأبيض والأسود، تُصوّر أمي وأبي في يوم زفافهما، بعدسة ذلك الفنان الأرمني ذائع الصيت في نهايات القرن الماضي، الذي برع في اللعب بالضوء والظلال، وكان المصوّر الخاص لمشاهير مصر في العصر الذهبي، مثل الدكتور طه حسين، فاتن حمامة، عمر الشريف، سعاد حسني، نيللي، أحمد مظهر، مريم فخر الدين، رشدي أباظة، زبيدة ثروت، صباح، فريد الأطرش، وغيرهم من نجوم الفن وحسناوات السينما.
وهل تعرفون الأرمن المصريين؟ ذلك العِرق الوطنيّ الُمسالم النبيل، الذي اختارَ مصرَ وطنًا حاضنًا له، بعد المذابح والمحارق الجماعية الوحشية التي تعرض لها على يد الدولة العثمانية الفاشية، أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى، فأحبوا مصرَ وأثروها بعلومهم وآدابهم وفنونهم وثقافتهم، ووطنيتهم. ربما كلُّ من يقرأ هذا المقال وله صديقٌ أرمنيٌّ، يُؤمِّن على وطنيتهم وثرائهم المعرفي والفنيّ. الأرمنُ المصريون الراهنون، مولودون في مصر التي لا يعرفون غيرها وطنًا، وربما ينظرون إلى أرمينيا كوطن فولكلوريّ قديم، يحملون جيناته الثقافية ويُغنون بها أرضَنا السمراء الحانية. منهم الجميلات نيلي ولبلبة وفيروز الطفلة وأنوشكا وليز ساركسيان الشهيرة بـ"إيمان"، كذلك نوبار باشا أول رئيس لوزراء مصر والذي يعود له الفضل في إنشاء أول خطوط للسكك الحديدية في مصر، ومُوقّع عقد مقاولة حفر قناة السويس مع الفرنسي فرديناند ديليسيبس عام 1863. وللأرمن تاريخٌ طويلٌ في مصر، يعود إلى الدولة الفاطمية، لكنّ هجرتهم الكبرى إلى بلادنا كانت بعد عمليات الإبادة الممنهجة الرخيصة التي قام بها الاحتلال العثماني في تركيا عام 1915، حتى أنقذت البحريةُ الفرنسية مَن تبقّى منهم ونقلتهم إلى ميناء بورسعيد في واحدة من كبريات عمليات الإنقاذ التي أنجزها عسكريون للمدنيين في التاريخ الحديث. وظلّ الناجون من الأرمن في مخيّمات في مدينة بور سعيد سنواتٍ أربعًا قبل أن يتّجهوا إلى الإسكندرية والقاهرة لينصهروا في النسيج المصري، يؤدون الخدمة العسكرية في جيشنا العظيم ويبنون المصانع والمدارس والمستشفيات ويؤسسون الصحف والمجلات ويشعّون في سمائنا ثراءً وفنًّا وحبًّا وسلاما. ورغم انخراطهم في نسيج مصر، إلا أن اعتزازهم النبيل بهُويتهم جعلهم يحافظون على أصولهم وعِرقهم ويُدرّسون لغتَهم الأمَّ في مدارسهم حتى لا تنقرض، ويُعلّمون أولادها التاريخ الأرمني حتى لا تنقطع جذورهم من أرض ميلاد أسلافهم. وحين برز نجمهم في مصر في مجال الثقافة والفنون والصناعة أوائل القرن الماضي، حاول الإنجليز الوقيعة بينهم وبين المصريين، فأشاعوا أن الأرمن حاولوا اغتيال سعد زغلول، لكن المسعى باء بالخيبة حين كذّبَ سعد باشا نفسُه تلك الشائعة. وبعد تأميم مصانعهم وممتلكاتهم مع ثورة 52، غادر الكثيرون منهم أرضنا، وأصرَّ على البقاء فيها كثيرون آخرون استأنفوا حياتهم من الصفر، هم آباء وأجداد من يعيشون بيننا اليوم من شرفاء المصريين الأرمن.
تحية احترام ومحبة لأبناء وطني النبلاء من الأرمن المثقفين الذين أثروا مصرَ وأحبّوها كما لم يحبّها أحدٌ.
***