أسئلةُ -جوجان- الصعبة

فاطمة ناعوت
2018 / 8 / 14



من أين جئنا. من نكون. إلى أين نحن ذاهبون.
أسئلةٌ بسيطة. طفوليةٌ جدًّا. غُفْلٌ حتى من علامة الاستفهام: (؟).هكذا أراد لها من أطلقها في وجه العالم! هو ليس طفلا. لكنه فنانٌ. والفنانُ طفلٌ لا يهرُم. لكنّ الأطفالَ حين يسألون كلَّ يوم أسئلةً كتلك، ونحارُ في الإجابة، يضعون علامةَ الاستفهام في صوتهم وفي عيونهم.
الزمان: آخر ليلة في القرن 19. المكان: جزيرة "تاهيتي" الساحرة في جنوب المحيط الهادي. الحدث: قرّر رجلٌ فرنسي في منتصف العمر اسمه بول جوجان Paul Gauguin أن ينتحر. لماذا؟ الحياةُ لم تعد تروقُ له بشروطها التي يرفضها! وخطَّطَ، قبل موته، أن يرسمَ لوحتَه الأخيرة ليعلنَ رفضَه للعالم المتحضر الذي هجر الطبيعة والفطرة الأولى. أرادَ أن تمثّل لوحته تلك حالَ عناق أبديّ بينه وبين الحياة الفاتنة البسيطة التي تطوّقها التقاليد والطقوس والفطرة الطبيعية البكر في جنوب المحيط الهادي. كان جوجان قد هجر أوروبا الصاخبة وجاء إلى الجزيرة تحدوه رغبة التعلّم من مواطنيها الفطريين لعبة مصالحة الطبيعة ومعانقتها والقدرة على الاستغناء عن الرفاه وخصام المدنية والحضارة. ثم صارت تلك الأسئلة توقيعَه الخاص على لوحاته القادمة، بعدما أخفق عن الانتحار. وبهذه الكُنية التي وضعها لنفسه عبر أسئلته الثلاثة، عرّف جوجان نفسه بوصفه الإنسان الذي فقد مكانه وزمانه في هذا العالم. قال إن الحداثة شوّهتِ الطبيعةَ الإنسانية وحرمتها من هُويتها. هجرَ الباريسيات الساحرات ذوات الكعوب الرفيعة العالية، إلى فتياتٍ يتكلمن بلغة الزهور. يشبكن زهرةً خلف الأذن اليسرى؛ حين يبحثن عن حبيب، فإذا وجدنه انتقلتِ الزهرةُ إلى وراء الأذن اليمنى. ترك مدينةَ النور والبارات والمتاحف والحضارة والفنون، إلى حيث جبالٍٍ، قممُها حممُ براكين ونار.
كان غاضبًا من فرنسا، وطنه؛ لأنها هجرت الفطرة وخاصمت الطبيعة وأسلمت نفسها للمدنية والتحضّر والصخب. ولمّا أيقن أن محبوبته باريس لم تُنصت إلى لوحاته الكثيرة التي كان يدعوها من خلالها إلى العودة للماضي بعفويته ونقائه، بل راحت توغل أكثر فأكثر في الحداثة والتمدّن، قرر أن يُلقي في وجهها رسالته الأخيرة شديدةَ اللهجة. ويمضي بغير عودة ويغادر هذا العالم في رحلة دون إياب. صحيحٌ أن محاولة انتحاره أخفقت، لكن لوحته لم تخفق في إلهام الفلاسفة، وأسئلته الثلاثة خالدة لم يمحها التاريخ. تقفُ لوحته الآن في متحف بوسطن للفنون الجميلة بوصفها الأشهر بين أعماله.
تُصور اللوحةُ، المرسومة بالزيت على التوال، مشهدًا من جزيرة تاهيتي الساحرة، بنسائها الخُلاسيات، منخرطات في أعمالهن البدائية بملابس بسيطة وجدائل لم تلوثها أبخرة الماكينات. وفي أعلى يسار اللوحة حفر ثلاثَ عباراتٍ عصيّة:
D OU VENONS NOUS
QUE SOMMES NOUS
OU ALLONS NOUS
وقتها، لم يُلتفت إلى تلك الكلمات إلا كجزء من عمل فنيٍّ شهير، وليس كوصيةٍ أخيرة من فنان مجنون، وفيلسوف، جاء إلى الحياة عام 1848. أما في الركن العلوي الأيمن، فوضع توقيعه وتاريخ اليوم الذي أنهى فيه اللوحة: P. Gauguin 1897. وبعدما أخفق في إنهاء حياته في ذلك اليوم، غادر العالم بعد ستة أعوام في 1903.
في رواية "الشحاذ" لنجيب محفوظ يقول عمر الحمزاوي: "كان الأقدمون يتساءلون أين تذهب الشمس؟ ولم نعد نتساءل." فتجيبه زوجتُه: "بديعٌ أن نتخلص من سؤال!".
لا شك أن معرفة إجابات الأسئلة شيءٌ جميل ومريح في كثير من الأحيان. ولكن ثمة أسئلةً لو عرفنا إجاباتها فقدتِ الحياةُ دهشتَها، وكفَّ الشعراءُ عن الغناء، وتوقف الفلاسفةُ عن النظر إلى السماء، وامتنع الأطفالُ عن الركض وراء الفراشات. أسئلة جوجان تقفُ على رأس تلك الأسئلةِ التي يجب أن تظلَّ أسئلةً. مبهمةً ومُلغزةً وبكماء. هي أسئلةُ الأطفال التي تُعجِز الكبار. وكلُّنا، حالَ الكلام عن الكون، أطفالٌ. وتلك إجابتي عن السؤال الأوسط: (من نكون)، ولستُ أعرف إجابةَ السؤالين الآخرين، ولا أنا شغوفةٌ بمعرفتها. أعرفُ فقط أنه يلزمُ أن نظلَّ أطفالا نسألُ ونرجو ألا نعرفَ. حتى نعيشَ ونُدهشَ ونبدعَ ونحبّ. ولئن كانت مقولة علي ابن أبي طالب: "الإنسانُ عدوُّ ما يجهل" صحيحةً في مستوى، ففي مستوى آخر، نحن نُشغف بما نجهل. ولا نكفُّ عن السعي إليه ومحاولة فك شفرته. فأنتَ إن عرفتَ شيئا مججته. لذا يلزم أن تظلّ الحياةُ لغزًا كي نحبّها. لكيلا نفقدَ شغفَنا بها.