المتحف الكبير … هديةُ مصرَ للعالم

فاطمة ناعوت
2018 / 8 / 11


شيءٌ يُشبه الحُلمَ القدسيَّ؛ أن تقفَ في حضرة جلال جثامين أجدادك المصريين القدامى الذين حفروا بعقولهم الاستثنائية، حضارةَ الإنسان في فجر ميلاد المنظومة البشرية. وشيء يُشبه جرعةً من كأس الرجاء؛ أن تقف في حضرة أشقائك المصريين الراهنين، يُشيّدون تحت وهج الشمس، صرحًا عملاقًا يضمُّ آثارَ أولئك الأجداد الذين صنعوا مجدَ مصرَ، الأرض السوداء الطيبة.
دعوةٌ كريمة من الدكتور خالد العناني، أستاذ علم المصريات واللغة المصرية القديمة، ووزير الآثار المصري، لزيارة "كواليس" تشييد "المتحف المصري الكبير" The Grand Egyptian Museum الذي سيقفُ هرمًا رابعًا حديثًا، إلى جوار الأهرامات المصرية الثلاثة بهضبة الأهرامات بالجيزة. وحتى يكون الكرمُ كاملاً غير منقوص، قرّر الوزيرُ مشكورًا أن يكون رفيقَ تلك الزيارة ومرشدَها، أستاذٌ في الآثار وعلم المصريات هو الدكتور طارق توفيق، مدير المشروع. فكانت الرحلةُ بالنسبة لي، ولفريق عملي المصاحب، جرعةً هائلة من المعرفة والمتعة والفخر بهويتنا المصرية الفريدة.
عملٌ جادٌّ بالداخل، حيث مركز الترميم في قاعات معزولة عن الأشعة فوق البنفسجية المُضرّة بالآثار العضوية من جثامين السلف وملابسهم ومومياوت طيورهم المقدسة، يقابله عمل جادًّ بالخارج، تحت نير الشمس وهجيرها، في تشييد الواجهات والأبنية والدَّرج العظيم، الذي سيحمل الزوّارَ نحو العُلا، فيما يتأملون أولَ صفحة في كتاب التاريخ التي تحكي حكاية أعظم حضارات الأرض. فيما يصافحهم على جانبي الدرج، الخالدون من ملوك مصر: رمسيس الثاني ومنكاورع، وخفرع، وأمنحتب الثالث وسوناسرت وإخناتون والمعبود حورس والمعبودة سخمت وغيرهم من بُناة مجدنا المصريّ.
أقفُ في فرح وفخر أمام أكبر متحف للآثار المصرية في العالم، وضع حجر أساسه الرئيسُ مبارك عام 2002، وسوف يقصُّ شريطَ افتتاحه الرئيس السيسي عام 2020، بإذن الله، بين ملوك العالم ورؤسائه، لتُقدّم مصرُ للدنيا تاريخَها الذي أبهر العلماءَ والمؤرخين والشعراء. خمسون ألف قطعة أثرية في المعرض الدائم، وخمسون ألفًا أخرى في مخازن المتحف للدراسة والمعارض المتغيرة. عشرون ألف أثرٍ منها تُعرض للمرة الأولى. كلّ زائر سيُمنح كتيبٌ للإرشادات باللغات الثلاث: العربية والإنجليزية والهيروغليفية، فيكون كأنما نسخة حداثية مصغرة من حجر رشيد حتى يتعلّم الزوارُ لغتنا المصرية القديمة بمقارنة الكلمات في اللغات الثلاث، كما قارن شامبليون بين الإغريقية والديموطيقية والهيروغليفية، فنجح في فك رموز الأبجدية المصرية القديمة؛ فانفتح أمام عيوننا أحدُ أعظم علوم الأرض: "علم المصريات" Egyptology، وعرفنا ماذا أراد أن يقول لنا، وللبشرية، الجدُّ المصريُّ القديم.
أنا الآن في القاعة الهائلة التي ستضمُّ جميعَ آثار الملك توت عنخ آمون في مكان واحد لأول مرة في التاريخ. خمسةُ آلاف قطعة نادرة من مقتنيات توت، كلُّ قطعة منها تساوي كنوز الأرض. أقفُ في إجلال أمام معجزة علمية وحضارية صارخة تجعلني أشاهد ثوبًا أنيقًا من الكتّان المُطرّز بالخيوط الملونة، ارتداه الملك توت عنخ آمون، اجتاز على سُلَّم السنوات 3500 درجة؛ حتى يعبر إلينا في كامل الأبهاء والدقّة، تُطلُّ من بين ثناياه خيوطٌ نحيلةٌ قهرت عشرات القرون لتقول لي: "انظري كيف كان أجدادك العظماء!" وأفتح فمُ الدهشة أمام سلّة مجدولة من الخوص حملت له الفاكهة قبل خمسة وثلاثين قرنًا. وأنحني في احترام أمام ألقِ عجلاته الحربية المُذهّبة والأسِرّة الجنائزية المطعّمة بالذهب، تلك التي رقد عليها الملك أمام المحكمة الأزوروية، ليعترف باثنين وأربعين اعترافًا إنكاريًّا: لم أقتل، لم أكذب، لم أستغلّ وظيفتي، لم أتسبب في دموع إنسان، لم أعذّب حيوانًا ولا نباتًا بأن نسيت أن أسقيه، لم ألوّث مياه النهر.... ثم اثنين وأربعين اعترافًا: كنتُ عينًا للأعمى، وساقًا للكسيح، ويدًا للمشلول، وأبًا لليتيم…. فتزنُ "ماعت" ربّةُ العدالة، قلبَه أمام ريشتها، ريشة الضمير، لتشهد على صدقه، فيدخلُ الأبديةَ ويُبعَثُ للحياة الأخرى. وأقفُ في تبجيل أمام برديات أصلية من كتاب "الخروج إلى النهار"، الشهير بكتاب الموتى، تحكي قصة الحساب الإلهي لملكة من جدّاتي المصريات العظيمات.
هذا مقال لا ينتهي وتمتدُّ كلماتُه في مجلدات لأحكي ما شاهدتُه من أبهاء وعظمة في خمس ساعات مضيئة من نهار الأحد الماضي، فإلامَ تمتدُّ كلماتٌ تحكي حكايةَ مصر التي سنقرأها ويقرأها العالمُ في هذا الصرح العملاق الذي هو بمثابة هدية مصر للدنيا؟! أشكرُ د. خالد العناني على يومٍ من عمري لا يُنسى، وأشكر د. طارق توفيق على ما منحني من ثراء علمه ووقته، كما أشكره لأنه وعدني بأن يكون "ضيف الشرف" في صالوني الشهري ليحكي لنا عن هذا المتحف العظيم. والشكر موصول لكل يدٍ مصرية شريفة وضعت حجرًا لتُشيّد الآن ذلك الصرح الخالد.
***