استفحال ظاهرة هجرة الكفاءات

خالد خالص
2018 / 8 / 10

من أخطر المشاكل التي تعاني منها المجتمعات المعاصرة لدول العالم الثالث مشكل هجرة الكفاءات أو "الادمغة" أو "العقول" كما يسميها البعض نحو الدول المتقدمة بسب عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ودينية. ومن الكفاءات التي تقوم بالهجرة الأساتذة الجامعيين والأطباء والمهندسين ورجال القانون والمقاولين والفنانين والرياضيين وغيرهم وكذا الطلبة المتميزين الذين أنهوا دراستهم الجامعية والتحقوا ببلاد المهجر لان هذه البلاد توفر لهم بيئة مناسبة للتميز والابداع وتحقيق ذواتهم أو الذين حصلوا على بعض الشواهد ويرغبون في متابعة دراستهم بنية الرجوع لأوطانهم بعد تخرجهم.
ولهجرة الكفاءات أسباب متعددة كما أن لها انعكاسات على نمو بلد الهجرة.
الفقرة الاولى - أسباب هجرة الكفاءات
تعزي الكفاءات هجرتها لأسباب متعددة ومختلفة ينظر اليها كل واحد من زاويته وتجربته. ويمكن تلخيصها وتعدادها مع التركيز على عدم التعميم كالتالي :
- اهمال الرأسمال البشري إن لم نقل احتقاره مقابل الماديات والمظاهر؛
- إفلاس التعليم العمومي،
- عدم امكانية ولوج المعاهد العليا ؛
- انعدام البحث العلمي وغياب التشجيع عليه ؛
- البطالة وتهميش الكفاءات والحاق البعض منها في مراكز لا تتلاءم وتخصصاتها ؛
- غياب التكوين المستمر الذي يسمح بمواكبة التطورات العلمية لصقل المعارف ؛
- انتهاك حقوق الانسان ؛
- غلاء المعيشة وهزالة الأجور؛
- الوضعية المزرية للمستشفيات العمومية ؛
- البيروقراطية المبالغ فيها وفرملة العقول المقاولة ( بكسر الواو ) والمبادرات الاستثمارية؛
- الفساد السياسي والاقتصادي والإداري والقضائي بسبب الرشوة والريع والفوضى وعدم ربط المسؤولية بالمحاسبة ؛
- التطرف الديني،
- عدم الشعور بالأمن والطمأنينة بسبب الطاقة السلبية التي تطفو على المناخ العام.
ومما يساعد على هجرة الكفاءات أيضا وجود بعثات ثقافية أجنبية متعددة في البلاد توفر تعليما متميزا مقارنة مع التعليم العمومي لبلاد الهجرة مثل البعثة الفرنسية والاسبانية والأمريكية والبلجيكية والإيطالية وغيرها بحيث يجد التلاميذ انفسهم ممزقين بين ثقافتين ويواجهون صعوبات لمزاوجة ثقافة بلد البعثة الاجنبية مع ثقافة بلدهم الى درجة عدم الشعور بالانتماء الحقيقي لهذا البلد أو ذاك. وأمام شبه استحالة خريجي هذه البعثات إتمام دراستهم بالمعاهد والجامعات المحلية وباعتبار أن هذه البعثات الثقافية تهيء لخرجيها فرص إتمام مسارهم الدراسي بالخارج وتمدهم بمنح دراسية فانهم يغادرون بلدهم من أجل الدراسة ولكن أغلبهم لا يرجعون إليها بعد تخرجهم الا لزيارة أسرهم.
ويعيش طلبة التعليم الخصوصي وبعض طلبة التعليم العمومي الذين حالفهم حظ إتمام دراستهم خارج أوطانهم نفس الوضع إذ يجد معظمهم فرص شغل محترمة ويستقرون ببلاد المهجر التي توفر لهم بيئة مناسبة للتميز والابداع وتحقيق ذواتهم حيث تحول هجرتهم المؤقتة الى هجرة دائمة.
والى جانب طلاب العلم أصبحت الدول النامية تستقطب عددا هائلا من مهندسي وأطباء وعلماء وأطر ومقاولي ورياضي وفناني دول العالم الثالث بسبب شيخوخة الساكنة من جهة ولأن الدول المتقدمة وجدت ضالتها في الامر. وتعمل هذه الدول على الاستقطاب من خلال إغراء الادمغة ليس فقط بالمراكز والأجور المحترمة التي تسمح لهم بالعيش الكريم رفقة أسرهم ولكن من خلال توفريها لهم مناخا عاما تطفو عليه طاقة إيجابية نابعة من نظام اجتماعي وسياسي واقتصادي وثقافي وحقوقي يشعر فيه الإنسان بالتوازن كما يشعر فيه بأنه فعلا انسان يتمتع بكرامة لتبقى دول العالم الثالث غير قادرة حاليا على الحفاظ على كفاءاتها ومن تم على الإقلاع والنمو رغم المساحيق والواجهات لأنها أصبحت مجرد مقاولة فرعية لتصدير الأدمغة بالمجان نحو الدول النامية .
الفقرة الثانية - آثار هجرة الكفاءات
حينما تستقطب الدول النامية كفاءات الدول المتخلفة فإن الأولى تزداد نماء بينما تزداد الثانية فقرا وتخلفا. ولنأخذ كمثال على ذلك حالة طبيب مختص أو مهندس دولة هاجر بلاده للعمل في بلد آخر لم ينجبه ولم يسهر على تربيته ولم يعمل على تدريسه ولم يصرف عليه ولو مليما واحدا ليأخذه في النهاية بكل برودة بالمجان بينما بلده يعيش خصاصا لأطباء أو مهندسين مثله.
فكم كلف هذا الطبيب أو هذا المهندس أسرته وبلده وهل يمكن منطقيا وماديا لهذا البلد الاستغناء عنه أم أن الدول النامية تستغل ضعف وعدم استقرار الدول الفقيرة لتستنزف خيراتها البشرية وتهدد من تم سلامتها وتنميتها الاجتماعية والاقتصادية ؟. وللإشارة فإن عشرات الالاف من الأطر العليا تهاجر سنويا بلدانها نحو دول المهجر وأن دول الهجرة تتوفر على الإحصائيات الدقيقة ولا تظهرها للعلن بل ولا تكلف نفسها حتى عناء الانكباب على هذا المشكل الخطير لإيجاد حلول للنزيف الحاد باستثناء استقبال البعض منهم في بعض البلدان "بالطبل والغيطة" عند قدومهم لقضاء عطلهم.
ولن نتطرق لمشاكل العنصرية وصعوبة التأقلم التي يجدهما المهاجر في بلاد المهجر والتي يجدهما أيضا في البلد الام عند قدومه اليها مجددا او كمجرد سائح نظرا لأنه ممزق بين مجتمعين ذو ثقافتين مختلفين فلا هو مؤمن بانتمائه كلية لهذا البلد ولا هو مؤمن بانتمائه للأخر. ولن ندخل في الحديث عن مشاكل الأزواج والأبناء لان ذلك موضوع آخر يمكن للباحثين والمتخصصين الاجتماعيين أن يحدثونا بخصوصه بطريقة أكثر عمق.
ويطبق نفس الطرح على الشباب المتميز الذي يهاجر بلاده بعد حصوله على شهادة البكالوريا أو ما فوق من أجل إتمام دراسته في البلدان النامية حيث يوفر له البلد المضيف جميع المغريات لكي يستقر بصفة نهائية وينسى الرجوع الى وطنه بعد حصوله على الشهادات العلمية العليا.
وإذا كان القانون الدولي لا يمنع الدول النامية من استنزاف الرأسمال البشري للدول الفقيرة، فإن ذلك يشكل كارثة حقيقية على الاقتصاد الوطني إضافة إلى طرحه مشكلا أخلاقيا يكمن في شرعية الاستيلاء على كفاءات الغير بدون مقابل واستغلالها الى أبعد الحدود ليبقى بلد الهجرة هو البلد الدائم الخاسرة بينما يظل بلد المهجر هو البلد الرابح على جميع المستويات.
و لابد من تصحيح بعض المصطلحات بعد هذه الشروح حيث يتعلق الامر في الواقع بتهجير الكفاءات وليس بهجرة الكفاءات حيث يعاد انتاج تخلف العالم الثالث الذي يتم حرمانه من قبل الدول المتقدمة من الاستفادة من نخبه العلمية والفكرية - وغيرها -القادرة على تطويره.
ولا شيء في الأفق ينبئ اليوم بجد على أن هنالك محاولات أو مجرد محاولة لإيقاف نزيف تهجير الكفاءات حيث ستظل الرداءة هي الطاغية على مراكز المسؤولية والقرار وطاغية على مناخ بلدان العالم الثالث باعتبار أن الطبقة المثقفة رحلت ( بضم الراء وكسر الحاء ) وترحل (بضم الراء) خارج هذه البلدان التي تضيع عليها فرص الانطلاق في معركة التقدم الحضاري المبني على الرأسمال البشري.
ورب سائل بعد هذا التشخيص المختصر ان يسأل عن الحلول لوقف النزيف او الحد منه نسبيا لأجيب بأن الامر رهين بالارادة السياسية والشعبية الحقيقة التي بامكانها استنباط الحلول من الاسباب التي تعزى لها هجرة الكفاءات والمسطرة على شكل رؤوس أقلام أعلاه انطلاقا من التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي الى آخر اللائحة وأنه لا يمكن للدول المهجرة ( بضم الميم ) كفاءاتها أن تنتظر المعجزات في غياب هذه الإرادة.