كتاب الزمن 6

حسين عجيب
2018 / 8 / 10

كتاب الزمن 6 _ موقف الانكار

مصطلح الانكار ، يمثل حجر الزاوية في التحليل النفسي .
ويتصل مع بقية المصطلحات الرئيسية في التحليل مثل ... اللاشعور ، والكبت ، والمقاومة ، والتحويل ، والتصعيد ، والاسقاط ، والتمثل وغيرها .
قبل تكملة الفكرة ، تذكير سريع بخلاصة كتاب الزمن ...
( ما نعرفه إلى يومنا الحاضر .... 8 / 8 / 2018 بشكل علمي وتجريبي عن الزمن ، ما يزال في البدايات ، وبعد تصحيح التصور الخاطئ _ الموروث والمشترك _ عن اتجاه وحركة الزمن من الماضي إلى المستقبل ، إلى العكس الصحيح ، بعدها ، يسهل معرفة السرعة الثابتة التي يبتعد بها الأمس _ هي نفسها السرعة الثابتة التي يقترب بها الغد _ ، ويبقى سؤال الحاضر والأهم عبر ( الآن _ هنا ) حيث تتحقق الحياة والوجود بتناغم يفوق الخيال ـ ربما !
أيضا نعرف الزمن بوصفه متحولا في علاقة السرعة والمسافة ، أو أنه ضلع في مثلث السرعة والمسافة والزمن ، ونعرفه أكثر بوساطة آثاره وليس بشكل مباشر وملموس . وربما يكون مجرد فكرة عقلية ، تشبه النفس أو الجن أو الروح وغيرها من المفاهيم الميتافيزيقية .
جانب ثالث لبحثي في كتاب الزمن ، فرضية أن الزمن والكهرباء يتشابهان أكثر من الزمن والسرعة والمسافة ، وأنهما شكلان من الطاقة نعرفهما من خلال آثارهما فقط _ حتى اليوم ، بالطبع المعرفة الكهربائية متقدمة كثيرا عن معرفة الزمن ، وقد يتغير الوضع مستقبلا !؟ .
أعتقد ، أن هذه الأسئلة وما يشبهها ، مع أنها ، ما تزال معلقة منذ عدة آلاف من السنين ، اقتربت إمكانية التوصل إلى أجوبة وحلول علمية _ تجريبية....توقعي ورغبتي أن أشهد خلال حياتي من يكمل فكرتي ( اعتقد أنها حقيقة ) حول حركة الزمن ...من الغد والمستقبل ... ، إلى اليوم ، .... باتجاه الأمس والماضي )
يتصل مصطلح الانكار ، أكثر مع المفاهيم الثقافية _ المعرفية ، السلبية في جوهرها ( مثل اللاوعي واللاشعور مع الحركات والأفعال اللاارادية ) ، والتي تمثل جانب العطالة في العقل والفكر ....وفي معرفتنا الحالية بالعموم ، وهو يعبر أيضا ، عن الموقف الانتقادي وتحوله المتطرف ، كبديل أو تعويض عن النقد الموضوعي والمتوازن .
اللاوعي مفهوم ثقافي قديم ، تحول مع التنوير الروحي إلى مصطلح محدد ، يشير عادة إلى الشخص غير الناضج ( الجاهل ) ، وإلى السلوك المرتبط بالشخصية قبل الوعي والاستنارة .
اللاوعي ظاهرة اجتماعية ، وفردية تاليا ، يرتبط بالفكر واللغة والثقافة بصورة عامة .
اللاشعور مفهوم فلسفي قديم أيضا ، حوله التحليل النفسي إلى مصطلح محدد ، وقد شغل مكانا هاما ومحوريا في الثقافة العالمية طوال القرن العشرين ، وما يزال على غموضه الموروث .
اللاشعور يختلف عن اللاوعي ، من خلال علاقته المباشرة بالانتباه والتركيز كما انه أكثر تحديدا وأقرب إلى المصطلح منه في الاستخدام الثقافي الحالي ، وهو يمثل الجانب المقابل له ، حيث اللاشعور ظاهرة فردية أولا ، وتاليا اجتماعية وثقافية على عكس اللاوعي .
المبادرة الفردية والإرادة الحرة ، تعبيرات متجددة أكثر من كونها حديثة ، وتمثل نوعا من الاستمرار للجدل القديم حول الحتمية والحرية والمسؤولية ؟!
أما الفوارق بين الحركات _ والأفكار أيضا _ اللاارادية وبين ما يقابلها من الجانب اللاشعوري وغير الواعي ، فهي بحاجة إلى بحث مستقل وأكثر تفصيلا .... لا أشعر أنني أمتلك الإمكانيات والأدوات المناسبة للبدء فيه حاليا _ الآن أو قريبا , ربما أكمل البحث يوما !!
....
من الخبرات المبكرة للتحليل النفسي ، اكتشاف الازدواج العاطفي وازدواج النية عند الفرد ( امرأة أو رجل ) أيضا ، وانفصالها عن السلوك والشعور بصورة عامة . وهو ما شكل صدمة إيجابية _ وكانت بمثابة التغيير الثوري في البداية ، للموقف السائد والموروث من المرضى ( النفسيين ) خصوصا ، حيث كان المريض النفسي يعامل كمجرم فعلي ، ويخضع للعقوبات الجنائية نفسها ، بينما يعامل صاحب السلطة _ و خصوصا الحاكم _ كبطل ورجل خارق ( فوق القانون هو وعائلته وحاشيته أيضا ) متميز ومنفصل عن الشخص العادي والطبيعي .
( وما تزال تلك الممارسات الخاطئة ، وغير الأخلاقية ، شائعة في العالم كله ، وخصوصا في البلاد والثقافات العتيقة للأسف ) .
والأهم في عمل التحليل النفسي ، كان _ وما يزال ، اكتشاف الجانب اللاعقلاني في حياة الفرد ( امرأة أو رجل ) وتفكيره وعواطفه وفي سلوكه معا ، وتعذر الفصل بين الأصحاء والمرضى بشكل ثابت وواضح .
قضية الصدق والكذب ، تمثل المساهمة الأخلاقية المركزية للتحليل النفسي في الثقافة العالمية ، والطريف في الأمر أنها حدثت بالمصادفة أو بشكل عرضي ، يشبه حكاية الحبة الزرقاء ( فياغرا ) ، لم يكن الموضوع الأخلاقي مهما في التحليل النفسي ، وهو الخطأ المشترك مع الماركسية والذي تسبب لهما معا بسوء الفهم ، والموقف العدائي الشعبي وليس الشعبوي فقط .
وهو الجانب الذي أحاول تفكيكه في موقف الانكار ، حيث يوجد سوء فهم كبير حوله ، وهو بالفعل خارج ثنائية الصدق والكذب ، وخارج رغبة فاعله _ ت و خارج مسؤوليته أولا .
خارج المسؤولية المباشرة على الأقل ؟
_ من كان ليختار الشقاء !
....
قبل مناقشة العلاقة بين المصطلحات الثلاثة اللاوعي واللاشعور واللاارادة ، أتوقف مع موقف الفرد المعاصر من الزمن ، الذي تشكل خلال القرن 20 ، وتعمم على بقية أطراف العالم من خلال الاعلام وعبر ثقافة وفكر هوليود على وجه الخصوص .
يمكن تصنيف الموقف من الزمن بشكل ثنائي بالفعل ، الموقف التقليدي يعتبر اليوم الحالي هو الحياة كلها ، وبعبارة ثانية ...الحياة هي مجموع الأيام لا أكثر ولا أقل ( كل يوم ينفصل ، ويبتعد مباشرة عن أمسه ، وعن الغد وما يليه أيضا ) , والموقف المقابل هو النقيض تماما ، حيث لا وجود للحاضر المباشر والمحسوس عبر الآن _ هنا ، بل تيار دائم من الفوضى الفكرية والعقلية المختلطة وغير المحددة ، ( ترقب الغد مع الهم والقلق وتذكر الأمس مع الحسرة والندم ) مع حالة ثابتة من التشتت الذهني وانشغال البال المستمر . وهو ما عبرت عنه أدبيات التنوير الروحي واختصرته بعبارة " فجوة الألم " ، أنت هنا وعقلك وأفكارك في مكان آخر _ هناك ...مكان آخر، ومن جانب مقابل أنت ، في هذه اللحظة وعقلك وافكارك في الماضي أو في المستقبل _ هناك أيضا...زمان آخر .
الثنائية نفسها تتضح أكثر ، في عملية دمج اليوم الحاضر ( الآن _ هنا ) اللاشعورية وغير الواعية غالبا ، مع الأمس الذي يبتعد بالفعل في كل لحظة ، أيضا مع الغد الذي يقترب بالفعل في كل لحظة أيضا . الواقعي مزدوج ، يوجد اتجاهان وخياران متناقضان : الاتجاه إلى الخبرة والتكرار وتفضيل الأمس ( الأمان ) أو النقيض ... اختيار المجهول والمغامرة ( الاثارة ) !ّ؟
للثنائية جانب ثالث ، الحق والمكسب لا يمكن دمجهما بشكل فعلي ، هما عنصران اثنان ، منفصلان ومختلفان في الماهية وفي الاتجاه أيضا : الحق نقيض الربح .
الموقف العصابي النمطي ، الموروث والمكرر بصرف النظر عن الفرد ، يتمثل من خلال الرغبة العارمة في دمج الربح مع الحق بشكل ثابت , ودائم . ذلك يجري كله على المستوى اللاشعوري وغير الواعي في معظم الحالات .
.....
هامش 1
كل الأشياء تحدث مرتين على الأقل .
مرة في وضع التعاقب التسلسلي وثانية بوضع التزامن الدائري ، بالإضافة إلى مسارها الزمني _ الدينامي عبر 3 خطوات في الحد الأدنى : 1_ وجود بالقوة والغد 2 _ وجود بالفعل في الحاضر الآن _ هنا 3 _ وجود في الزمن على مستوى الأمس والماضي السحيق معا .
يمكن التعبير عن الفكرة بطريقة ثانية ، قد تكون اكثر وضوحا ، الصورة الثابتة لحركة أو وضع أو شخصية ،... بمساعدة الأدوات الحديثة ، صار بمستوى الفهم العام والمشترك ، أنها مجرد دلالة على وضع ، أو شريحة وجزء من احتمالات لانهائية ، عبرت وصارت في الماضي ، ويتعذر استعادتها ثانية ، إلا كصورة وشكل _ وذلك بفضل التكنولوجيا الحديثة وبمساعدتها . لقد صار المجهول وما هو خارج الوعي ، شريكا في الوجود الحاضر دوما .
هامش 2
بعد معرفة ، أن ، سرعة ابتعاد الأمس والماضي ، هي نفسها ، سرعة اقتراب الغد والمستقبل كله ... يمكن تفسير حالة عدم الكفاية المزمن ، أيضا انشغال البال المزمن ، وغيرها من أعراض التشتت ونقص الانتباه وبقية الحالات اللاشعورية وغير الواعية مع الحركات والأفعال اللاارادية التي تشغل الحيز الأكبر من حياة الانسان المعاصر ( الفرد أو الشركة ) .
عدم تقبل الخسارة الحتمية ، التي ترافق عمر الانسان ، أو موقف الانكار والمقاومة مصدر الألم النفسي الثابت .
المعرفة العاطفية والتجريبية ، تختلف بشكل نوعي عن المعرفة الفكرية والعقلية فقط .
تلك إحدى أهم الخبرات _ والأفكار _ التي اكتشفها التحليل النفسي ، وساهم في تعميمها .
هامش 3
تعذر الموقف الأبوي !؟
كل علاقة ثنائية ، يمكن مقاربتها من خلال الموقف المثالي في التحليل النفسي _ النمطي .
ما يحدث خلال المقابلة النفسية بين المريض _ة والطبيب – ة ، ولا حقا تغيرت التسميات ...بين المحلل _ة والمحلل _ة ، وأخيرا بين الزبون وبين المساعد ( أو الشاري _ة والبائع _ ة ) ، ما يحدث خلال المقابلة النفسية يتضمن ما يحدث في العلاقة الثنائية على وجه العموم .
وكما يحدث مع _ وبعد _ كل علاقة ، تتراوح النتيجة بين 3 مستويات محددة :
_ العلاقة الناجحة ، يربح الطرفان .
_ العلاقة الفاشلة ، يخسر الطرفان .
_ العلاقة الثالثة ، التأجيل ، ثم التأجيل والاعتماد على الزمن .
الموقف الأبوي مأساوي بطبيعته .
ويكفي للإشارة إلى ما ارغب في التعبير عنه ومناقشته لاحقا بشكل تفصيلي أكبر ، الموقف النبوي _ كل نبي فصامي بالفعل .
فهو يقوم بحركة مزدوجة ، وينكرها على كل من بعده !
( كل أب أو نبي أو زعيم ومعلم .... يبدأ ثوريا وينتهي تقليديا ) .
1 _ يخرج على عادات الأب والجماعة في البداية ، وفي النهاية يتماهي مع رسالته الجديدة ، ويعتبرها خاتمة التطور الإنساني وسقفه المكتمل والنهائي .
2 _ يريد من أتباعه ، تقليده وعدم تقليده بشكل متزامن ، وثابت .
يطالب بطاعة الأب ، حيث هو نفسه أول من تمرد عليها .
بعبارة ثانية وأوضح ، حركة النبي مزدوجة ودورية بشكل متكرر ، بين المطلق والنسبي ( بين الله والانسان ) ، وهو الموقف العصابي النموذجي ....( افعل _ لا تفعل ) .
كي لا يتشتت الموضوع أكثر ، اكتفي بالمناقشة السابقة للتدليل على تعذر الموقف الأبوي .
....
العلاقة بين الأم وابنها _ ت أكثر تعقيدا وصعوبة ، على الطرفين بالتزامن !؟
1 _ تبدأ العلاقة ، كتنفيذ آلي لبرنامج جيني موروث ، ومشترك بين الطرفين .
2 _ مع تشكل الهوية الأولية للرضيع ، يتغير الوضع والشروط بشكل دراماتيكي ... .
3 _ قبل المراهقة ، تنجح اغلب العلاقات بين الأم وطفلها _ت .
4 _ خلال المراهقة ، تنعكس النتيجة ، حيث يتصاعد التبادل الدوري بالنفور والكراهية الصريحة ، اعتياديا ، ويتزايد مع مرور الأيام ( أو التسامي الذي يقوم به أحد الطرفين ) .
5 _ بعد النضج ، تتناقض المصلحة الشخصية بين الأم وابنها _ ت ، بشكل حتمي .
يبرز ذلك مع اختيار الشريك _ة ، الذي يحل محل الأم بشكل فعلي .
يمكن اعتبار العلاقة : أم _ ابن ة ، نموذج العلاقة الجدلية ، حيث ثلاث اتجاهات فقط :
1 _ طغيان أحدها ( علاقة استغلال ) .
2 _ تكافؤ الضدين ( علاقة عصابية ) .
3 _ حرب باردة ومستترة ( ...نموذجية وعامة ) .
....
هامش أخير وخاتمة
الوعي والإرادة والشعور !؟
بعد تفكير طويل ، ومزمن ،
أعتقد أنني توصلت إلى معرفة العلاقة بينهما ، واختبارها بشكل تجربة ذاتية ، مرات ...
1 _ الوعي ، ظاهرة إنسانية ، اتجاهه من الانسان إلى الفرد . وهو الوجه الخارجي للفكر .
2 _ الشعور، ظاهرة فردية ، اتجاهه من الفرد إلى الانسان . وهو بطانة الفكر والوعي .
3 _ الإرادة ، مهارة فردية وقيمة إنسانية عليا ، في مختلف الثقافات والمجتمعات .
ثلاث دوائر مركزها واحد .
_ حرية الإرادة غاية كل فرد ( امرأة أو رجل ) ، بشكل لاشعوري وغير واعي بداية .
وهو الموقف النرجسي المشترك ....
الرغبة المطلقة والمعرفة المطلقة والقوة المطلقة ، بالتزامن ودفعة واحدة .
وهي تجسد الحلقة المشتركة بين ، صغار الأطفال ، وجنون العظمة ، والانسان البدائي .
_ الشعور قاعدة حرية الإرادة ، اتجاههما ثنائي وموحد ، نمو واتساع أو ضمور وانحسار .
يشترك الشعور مع الانتباه ، ويتبعه كظله . يمكن _ك اختبار هذه الفكرة كل لحظة ؟
عبر التأمل الذاتي ، والاستبصار المتأني ، يمكن التمييز بين الإرادة الحرة وبين الشعور ...
يمكن بسهولة أكبر ، التمييز بينهما عبر ملاحظة حياة المدمنين ومقارنتها مع غيرهم ، وخصوصا من اكتسبوا مهارات التفكير النقدي ، وتشكيل العادات الإيجابية وغيرها .
_ الوعي يمثل الاطار العام للمعرفة .
يعبر عن الوعي المثل الشهير : العين بصيرة واليد قصيرة .
بسهولة يمكنك ( الآن ) اختبار العلاقة بينها...
اصبع قدمك اليسرى ، أنت تعي وجوده ، ولا يمكنك الشعور به ؟
نفس الشيء بالنسبة للشعر وأغلب مساحات الجلد ، ... يتعذر الشعور بها .
المثال الأهم للتمييز بين الوعي والشعور هو التخدير الموضعي ، تخدير الشعور المؤلم مع بقاء الوعي بالحالة الطبيعية ، كما كان عليه الوضع السابق واللاحق أيضا .
الإرادة تتميز أكثر من الشعور والوعي ، بسبب صعوبتها وضيق مجالاتها .
مثال الإرادة الحرة الأهم ، العادات والادمان .
أتصور أن العلاقة بينها دينامية ، بمعنى أن نمو ( أو ضمور ) أحدها يليه بشكل مباشر نمو الشخصية بشكل متكامل أو بالعكس ، اتجاه الضمور والتعصب والجهل .
....
قد توجد علاقات ناجحة وسعيدة !؟
لكن بصدق ، لم أصادفها بعد ، لا في الحياة الاجتماعية ولا الثقافية أيضا .
....
أتمنى لك الحب