بمناسبة الذكرى الستين لثورة 14 تموز : من جدليات الثورة الثرية وأهدافها(2-3)**

عقيل الناصري
2018 / 8 / 10

بمناسبة الذكرى الستون لثورة 14 تموز :
من جدليات الثورة الثرية وأهدافها(2-3)**
{ أعلم أن كمال الوجود وجود النقص فيه، إذ لو لم يكن لكان كمال الوجود ناقصاً بعدم النقص فيه }
أبن عربي

وتأسيسا على ذلك يحاول محسن الحبيب عضو اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار:
أولاً: الإيحاء بأن هذه الأهداف كانت من بنات أفكار اللجنة العليا, ولو افترضنا ذلك، فأن حكومات الجمهورية الأولى (14 تموز 1958- 9 شباط 1963) برئاسة الزعيم قاسم قد نفذت أغلبها المطلق وبما يقارب من 85% من مجموع الأهداف المذكورة ؛
ثانيا: أو أن محسن الحبيب, وبصورةٍ لا شعورية, أراد بذكرها بهذا الشكل, إدانة لكل الذين خرجوا على قاسم من الضباط الأحرار وغيرهم, وهو من أولهم, وإستلموا السلطة من بعده ولم يستكملوا بقية الأهداف غير المنجزة والتي مثلت منطلق عدائهم للثورة والمتمثلة في: عدم إستكمال المشوار بالنسبة لحل القضية القومية ( الوحدة العربية الفورية) ؛ عدم تشكيل مجلس قيادة الثورة ؛ عدم تحديد نهاية فترة الإنتقال وتشريع الدستور الدائم .
ثالثاً: يلاحظ على هذه الأهداف, أنها تتعارض مع معتقدات أغلب أعضاء اللجنة العليا، وكذلك ضباط بعض الكتل ذات التوجه القومي أو/و تلك ذات الولاءات الدنيا (المحلية كالكتلة الموصلية)، الذين لم يستطعوا الخروج من محيطهم الضيق وولائتهم الحالمة والساكنة, ولم يملكوا الرؤية الكلية، ولا الترابط الجدلي بين الأهداف الداخلية والعربية والدولية. إني أميل، وبقوة الموضوعية، إلى أن ما سطره الحبيب من أهداف غائية جميعها، كما قلنا، مستقاة مما نفذته حكومات الثورة والزعيم قاسم من برامج عملية على كافة الأصعدة الداخلية والخارجية، وفي المناحي الاجتصادية والسياسية والتربوية الفكرية.. وما أعلنت عنه من مشاريع مستقبلية ونادت به من مبادئ يسترشد بها, ليس كأبعاد نظرية مجردة، قدر كونها برامج عملية نفذت فعلاً وأحدثت إنعطافاً في بنية وتركيبة الواقع الاجتصادي والسياسي والفكري بحيث بمجملها وضعت العراق على سكة الحداثة والتطور.
رابعاً: ومما له علاقة بأهداف حركة الضباط الاحرار، فيوضح النشاط السياسي لقاسم، وهو في اجواء التحضير للثورة من أنه قد طلب المشورة السياسية والاقتصادية والبرنامجية من الحزبين: الوطني الديمقراطي والشيوعي العراقي. إذا اتصل الزعيم قاسم بالحزب الوطني الديمقراطي منذ عام 1956 وطلب منه المشورة، الاقتصادية والسياسية والأكثر من ذلك أخبر الزعيم قاسم، من خلال رشيد مطلك، رسول الثورة، كما اطلقها عليه عامر عبد الله، بأن عدم موافقة الحزب الوطني يعني أنه سوف يكف عن تحقيق التغيير الجذري. بمعنى أشترط موافقة الحزب على القيام بالثورة وتحشيد التأييد الجماهيري لها .
أما الحزب الشيوعي فقد أتصل به في صيف 1956 من خلال رشيد مطلك وحاول التعرف على رأي الحزب بالثورة المنتظرة وأهدافها وبرنامجيتها المستقبلية. يسرد عامر عبد الله القيادي السابق في الحزب الشيوعي ذلك بالقول: "... بعد اختتام اجتماعات الكونفرنس الثاني مباشرة، عقدت اللجنة المركزية اجتماعاً... وفي هذا الاجتماع قدم سلام عادل لأول مرة تقريراً موجزاً عن الشوط الذي قطعته حركة الضباط الأحرار وموقف الحزب من هذه الحركة وتطور صلاته بها، والدور الذي يجب أن يلعبه في توحيد صفوفها وتقويم وجهتها وأهمية مساندتها ومساعدتها على الانتصار... وتقرر بالنتيجة تحرير رسالة إلى قاسم تتضمن طائفة من الأفكار والاقتراحات الاضافية وبعض التدابير العملية ...اوصلنا نسخة من الرسالة إلى قاسم بواسطة رشيد ... كانت من بين مطالبنا ومقترحاتنا التي تضمنتها هذه الرسالة : ضرورة إعلام الحزب مسبقاً بموعد البدء بالحركة والاتفاق على توقيتها ؛ الاستمرار بالاتصالات والمشاورات لاختيار الفرصة المناسبة ؛ ضمان وجود عبد الإله ونوري السعيد والملك فيصل في العراق لدى البدء في الحركة... ". ويضيف: "...كانت المقترحات التي قدمناها لقاسم برنامجاً متكاملاً تقريباً لسائر أهداف الحركة الوطنية ... ولم أعد استذكر نصوصها الآن . ولكن كان بضمنها: الخروج من حلف بغداد ؛ إجلاء القوات البريطانية ؛ إلغاء اتفاقية الأمن المتلادل مع الولايات المتحدة ؛ وبالتالي تصفية جميع الارتباطات والمواقع الاستعمارية ؛ كما تضمنت ضرورة استئناف العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي ؛ وتوثيق التضامن مع مصر وسورية ودعم القضية الفلسطينية وثورة الجزائر..الخ. وبالطبع جرى التأكيد في المطاليب على إطلاق سراح السجناء ؛ وطائفة من المطاليب المتعلقة بتوزيع الأراضي على الفلاحين ؛ وتلبية حقوق العمال ومكافحة البطالة ؛ وحل مجلس الاعمار؛ وانتهاج سياسة وطنية مستقلة معادية للاستعمار... كنا نؤكد على حق التنظيم السياسي والنقابي وعلى شرعية الحزب الشيوعي والاحزاب الوطنية الأخرى ".
وتأسيساً على ما طرح من الأهداف فإن المنجز منها قد تجاوز هذه الاهداف، بمساحة زمنية طويلة وبسعة اجتماعية شملت الكثير من الفئات والمناطق الجغرافية. ونستطيع، القول بكل موضوعية، إن التغيير الجذري في 14 تموز 1958 قد اعاد انتاج ذاته في سياق تحقيق غائياته وأهدافه وتحول من إنقلاب عسكري إلى ثورة بكل معنى هذا المفهوم. ومن المفروض أن تختلف أية ثورة عن الانقلاب الفوقي في سمات أرأسية هي: المشاركة النشطة للجماهير ومنظماتها بدلاً من سلبيتها ؛ استمرارية التغيير مقابل الحدث الواحد ؛ تغير في البنية الاجتصادية والسياسية والفكرية ؛ وبالنتيجة وضع المجتمع على سكة التغيير المستدام كي يسجل تأريخياً جديداً، حسب المفهوم الهيغلي. وعلى وفق هذه السمات يمكننا إعتبار ثورة 14 تموز كانت تدشيناً لثورة عملاقة. لكن لا يمكن مقارنتها، طبعاً، بالثورة الفرنسية أو الروسية أو الكوبية .. التي كان لكل منها سماتها الخاصة، فالثورة الفرنسية هزمت الاقطاع وفتحت الأبواب نحو اوربا الرأسمالية، والروسية نقلت العالم إلى التشكيلة الاشتراكية وإلغاء الطبقات والملكية العامة لوسيلة الانتاج، أما الكوبية فسمتها الأرأسية اعتمادها على حرب الأنصار( كطريق جديداً) وصولا إلى السلطة وتحقيق ذاتها الاشتراكية. أفي حين أن الثورة العراقية فكانت متوائمة مع درجة تطور القوى المنتجة آنذاك، وكانت نقلة نوعية نسبية لماهيات العلاقات الاجتماعية، بحيث طردت طبقات أجتماعية من سلطة التأثير على القرار المركزي للدولة، كطبقة الإقطاع وفئة الكمبرادور والأقلية الحاكمة من ضباط المؤسسة العثمانية، وأعادت تشكيل البنية الهيكلية للإقتصاد الوطني والمقترن بالتوزيع العادل النسبي للثروة.
وعلى ضوء ذلك بأمكاننا تبني رؤية علمية مفادها، سبق وأن طرحها الشهيد كامل شياع، التي تمحورت في أن التغيير الجذري في تموز 1958 قد "... دشن سياقا تاريخيا يختلف جذرياً عما سبقه من حيث: نواحي القضايا التي تبنتها ؛ القوى المحركة لها ؛ والافق التاريخي لمشروعها التحرري... ". بمعنى آخر، تختلف ثورة تموز عن المرحلة السابقة لها واللاحقة أيضا، إذ تكمن في كل من: ماهياتها وغائيتها الاجتصادية والسياسية ؛ القاعدة الاجتماعية المستفيدة ؛ نزعتها التحررية ؛ برنامجيتها وغائياته ؛ وفي طبيعة الطبقة التي قادتها ؛ واخيرا في الافق التاريخي لها. انعكست في مضامين برنامجيته العملية الطموحة التي طالت العراق: كجغرافية سياسية ؛ وطبقات اجتماعية ؛ وتكوينات قومية وأثنية. وكان للمنجز من الأهداف، عناوين أرأسية ، تحلت بهما سلطة 14 تموز وهو : التوزيع العادل النسبي للثروة الوطنية من خلال الاهتمام بذوي الدخول المحدودة والفئات الاجتماعية الفقيرة ؛ الهوية الوطنية العراقية ؛ النظام الجمهوري ؛ تكافؤ الفرص للمكونات الاجتماعية والقضاء على المذهبية السياسية.
وفي اعتقادنا أن قيادة التغيير الجذري في 14 تموز التي سبق وأن رسمت وخططت لأهداف التغيير قد استوعبت تطابق الضرورة التاريخية مع ظروفها للعراق الملكي، ولهذا كان منطلق ماهياتها السياسية والهوية الجماعية للبلد، على اساس الوطنية العراقوية ، كأحد مستلزمات الضرورة، وكي تصبح اداة لصيرورة تحقق افقها التاريخي والقضايا التي تبنتها، وتنطلق من هذه الأولوية في انفتاحها على الانتماء مع الارحب/ الأمة العربية، بغية بناء مجتمع عصري تعددي يجمع وسطيا بين الوطنية والقومية، وإمكانية بناء الدولة على اسس المشاركة التضامنية لأغلب المكونات الاجتماعية العراقية، أي دولة عابرة للطائفية السياسية. وقد انعكست هذه الرؤية في الكثير من منجزاتها، التي سأعرضها بصورة مكثفة، في كل من:
الاستقلال السياسي ؛ سياسة تحرير الاقتصاد العراقي من الهيمنة البريطانية ؛ الخروج من الكتلة الاسترلينية ؛ تحديث الانماط الاقتصادية الملائمة للتطور والتوجه نحو النظام الرأسمالي الموجه ؛ السياسة النفطية والإشراف عليها من خلال: الهيئة العامة لشؤون النفط ( تشريع قانون رقم 80 ؛ تأسيس شركة النفط الوطنية العراقية ) ؛ اعتماد التصنيع قاعدة للتطور الاقتصادي وشموليته لجغرافية العراق ؛ محاربة الأحتكار السياسي لنخبة الحكم ؛ محاربة الاحتكار الاقتصادي لعوائل الحكم الملكي وذلك بتوسيع المشاركة في العمليات المنتجة والاستيراد ؛ تعديل قانون السلطة التنفيذية ليكن أكثر ملائمة لصيرورة التطور ؛ قانون الاصلاح الزراعي ؛ توحيد القوانين والانظمة العامة للمجتمع العراقي من خلال إلغاء قانون دعاوى العشائر ؛ التوسع في حقول تقديم الخدمات التعليمية والصحية والخدمية ؛ محاولات التخفيف من قانون التطور المتفاوت بين المدينة والريف ؛ التوسع في البنى التحتية من مستشفيات وسكك الحديدية وطرق وجسور ومطارات وميناء؛ قانون الأحوال المدنية وتعزيز حقوق المرأة والطفل ؛ سن قانون الجمعيات والاحزاب السياسية ؛ محاولات إلغاء الطائفية السياسية والانفراد بالحكم من خلال مكون واحد ؛ تشريع قانوني العمل والضمان الاجتماعي لصالح العملية الانتاجية وإحقاق حقوق العمال ؛ السياسة الضريبة المتصاعدة وقانون التركات بغية الحد من التفوت في الدخول ؛ الثورة التعليمية وتعميمها لتشمل الطبقات الفقيرة والقرى الفلاحية النائية ؛ التوسع الكمي والنوعي بالتعليم بصورة عامة، وبخاصة العاليمنه وإزدياد البعثات الدراسية للخارج وبناء جامعة بغداد ؛ سياسة الإسكان وشموليتها لذوي الدخل المحدود والطبقات الفقيرة والهامشيون في المدن ؛ التوسع في استحداث مؤسسات خدمية للمواطنين من مستشفيات ومدارس ؛ الثورة الثقافية والسياسة التعليمية ونشرها إلى اقصى المناطق النائية ؛ الإقرار الدستوري للقضية الكردية والحقوق الثقافية للمكونات الأخرى ؛ حرية ممارسة الطقوس الدينية والاعتراف لغير المسلمين بمناسباتهم ؛ الافتقار النسبي للعنف السياسي الذي ترعاه الدولة ؛ الانطلاق من أولوية العراق دون التخندق فيه ؛ التضامن العربي ودعم حركات التحرر بخاصة في فلسطين والجزائر وفي الجنوب العربي المحتل ؛ نبذ الاحلاف العسكرية ؛ تبني سياسة الحياد الايجابي والانفتاح على دول العالم بغض النظر عن ماهية نظامها ؛ الانطلاق من مصالح العراق في العلاقات الدولية ؛ أنجاز مسودتي الدستور الدائم وانتخاب مجلس النواب .
الهوامش:
** نشرت الدراسة في العدد المزدوج رقم( 398-399) من الثقافة الجديدة لعام 2018، بإختصار مكثف. بمناسبة الذكرى الستون لثورة 14 تموز 1958 المجيدة.
9 - حسن العلوي, عبد الكريم قاسم, رؤية بعد العشرين, صص.125-148, دار الزوراء, لندن 1983.
10- راجع للمزيدمحمد حديد،مذكراتي، الصراع من أجل الديمقراطية في العراق، دار الساقي بيروت 2006.
11 - عامر عبد الله، خواطر وذكريات، بمناسبة الذكرى 25 لثورة تموز المجيدة، الثقافة الجديدة، العدد 144، ص. 18، تموز 1983.
12- للمزيد راجع: اليعازر بعيري،ضباط الجيش والسياسة ، ص.175، مصدر سابق.
13- كامل شياع، هل طوت ثورة 14 تموز فصلها الأخير ، الثقافة الجديدة، العدد310، ص, 55، بغداد 2003.
14 - وقع الزعيم قاسم على قانون تأسيس شركة النفط الوطنية يوم 8 شباط.
15 - نرى بأن المؤسسة الدينية وبخاصة الشيعية، قد أضطربت اضطرابا شديدا بفعل هذا القانون الذي ساوى بالارث بين الذكر والأنثى.. وهذا الموضوع قد سبق وأن سنته الدولة الملكية في عام 1953 بالنسبة للأراضي الزراعية، لكن قاسم حاول ان يعممه إلى كل ما له علاقة بالأرث تماشيا مع منطق العصر والمساواة والعدالة النسبية. وعبر عن هذا الموقف أحد مؤسسي حزب الدعوة طالب الرفاعي، يقول رغم أعترافه بخطأه : "... لم يكن عبد الكريم قاسم طائفياً إنما كان ميله إلى الشيعة، إلا إننا كرجال دين لم نعرف استثمار هذا الميل، وأنا كنت من أشد المحاربين لعبد الكريم قاسم، لكن اشعر الآن بخطأ توجهي آنذاك، كان يمكن لهذا الرجل أن ينقل العراق إلى عصر آخر. لقد ساقنا البعثيون والقوميون إلى معاداة عبد الكريم قاسم ، ساقونا ببغض الشيوعيين والقضايا الشخصية كانت داخلة بقوة في عواطفنا وتوجهاتنا...". د. رشيد الخيون، آمالي السيد طالب الرفاعي، ط. 2، صص. 143، 145، 183، دار مدارك ، دبي، 2012. وأعتقد أن هذا الموقف للمؤسسة الشيعية وبعض رجالها قد تفجر تعبيرا مصلحيا عن رفضهم لاصدار لقانون الاصلاح الزراعي، حيث تضررت المؤسسة الدينية نتيجة فقدان المصالح التي كان يغدقها الاقطاعيين وملاك الأراضي والتجار الكبار، وليس كرد فعل لقانون الأحوال الشخصية، اي أن السبب هو مصلحي اقتصادي ذو رائحة طبقية ، كما هو سياسي نتيجة تأثيرات اليسار الرديكالي في الرأي العام. وليس سببا فقهياً .