من الفلسفة الدينية إلى فلسفة الدين

وليد مسكور
2018 / 8 / 10

لا مِرْيَةَ أن تفصيل القول، في مسألتي الفلسفة و الدين، لن تَتَّسِعَ له صفحاتُ مقالٍ بسيطٍ، بقدر ما يتطلب الأمر مُؤلفاتٍ و أبحاثاً أكاديميةً، بُغْيَةَ التعمق في مضمونه و مقاربة إشكالياته. و بالجملة، سنحاول ما أمكن أن نعرض دونما إسهابٍ، أهم ما كتِبَ عن الفلسفة الدينية و صلة فلسفة الدين بها، بشكل عام و بمنأى عن تفاصيل التفاصيلِ.
على أن الفرضية التي منها سأنطلق لاستخلاصِ مُخْرَجاتِ المقالِ، مُؤَدَاها أن الفكر الفلسفي بما هو خطابٌ عقلانيٌّ، لمْ يُخْرِجِ النَّظَرَ في موضوع الدين من دائرة انشغالاتهِ، و ذلك بحسبِ اعتقادِ معظم الفلاسفة، أَنَّ لا فكاكَ للإنسانِ من إرواءِ ظمأ رغباتهِ الروحيةِ، من حيث هو كائنٌ متديِّنٌ بالطبع. و الحال أن لهمومه الأنطولوجيةِ ما يُبَرِّرُهاَ ميتافيزيقياً، و من ثَمَّةَ، بدأ الحديث عن منشأ بواعثِ التديُّنِ عند الإنسان، و أسبابِ تسليمِ جوارحهِ للقوى الغيبيَّةِ.
فَبَيِّنٌ، إذن، أنَّ الفلسفة منذ بدأتْ و هي تسْنِدُ لنفسها مهمة فحص المعتقدات الدينية، بشيء من النقدِ، و كان النقاش الدائر حول موقف الفلسفة من الدين، قديما قِدَمَ الفكر البشريِ. فَمِمَّا ليس منه بُدٌ، أن اختلاف الفلسفة عن الدين، في المنطلقاتِ و المناهجِ و المقوماتِ، خلق في علاقتهما بعضاً من التوترِ، بين من ضحىَّ بعقله من أجل التقوى و الإيمانِ، و بين من تنازل عن معتقدهِ إرضاءً لعقلهِ، و بين هؤلاء و أولئِكَ فريق ارتأى تأسيسَ فلسفةٍ دينيةٍ، يكون فيها للدينِ نفس مقامِ الفلسفةِ، فما المقصود بالفلسفة الدينية؟
يُقْصَدُ بالفلسفة الدينيةِ مُجْمَلَ ما وصل إلينا، عبر تاريخ الفلسفة من تصوراتٍ و مذاهب لاهوتية، كان شغْلُهاَ الشاغِلُ، إقامةُ علاقة وِديةٍ، قوامها التوفيق بين جوهر الإيمانِ و منطقِ الفلسفةِ. و لَئِنْ كان العقل يحذو في حذوِهِ منهجاً مخالفا لما يسلكهُ الدينُ، إلا أن السَّبيلَيْنِ يَنْشُدَانِ معاً ذاتَ الغايةِ، باعتبارهاَ حقًّا، كما يؤكد ذلك ابن رشد، رداًّ على من يُنْسِبُ إلى الفلسفةِ سماتِ الضلال و الكفرِ، شأنُ أبي حامد الغَزَّالي. و غيرَ بعيدينَ عن اللَّحظة الرُّشديةِ الإسلاميةِ، تجذر الإشارة كذلك، إلى الحقبة الأوغستينيةِ المسيحيةِ، التي كانت شاهدةً على فشوِّ المناخِ الدينيِّ، إلى حدٍّ يصعب فيه التمييز بين ما هو دينيٌّ و ما ما هو فلسفيٌّ في فكرِ القديسِ أوغستين. و البادي، أنَّ تأثُّرَ الأخيرِ بالتراثِ الفلسفيِّ الإغريقيِّ، إنما مَرَدُّهُ إلى التقارب النسبيِّ بين كلٍّ من الأفلاطونيةِ و تعاليم يسوع.
الواقع، أن ما من قضية إشكالية قروسطية، إلا و كان للدين منها نصيبٌ، إذ لا نكاد نطَّلِعُ على مذهبٍ فلسفيٍّ، دونما أن نلمس في موقف صاحبهِ أثراً دينياًّ. و من أبرزِ المَحَامِلِ التي قد تحْمَلُ على هذه الفلسفة الوسيطة، إسرافهاَ أيَّماَ إسرافٍ في تكريس النزعة التوفيقية التلفيقيةِ، كما لو كان العقلُ مُجَرَّدَ خادم لللاهوتِ، و أَنَّ ماهيتهُ حُددَتْ سلفاً في إثبات حقيقة الإيمانِ، و تبرير تمسُّكِ الناسِ بهِ، فكان ذلك بحقٍّ جوهرَ الفلسفةِ الدينيَّةِ، من حيثُ هي دينٌ غُلّفَ بثوبٍ عقلانيٍّ. و إذ تنصرف الفلسفة كما هو الحال عند الإغريقِ إلى تحليل قضايا الإنسان و الوجود و الحقيقة استناداً إلى خطابِ اللّوغوس، نجد أن لاهوتيي القرون الوسطى ما كان مَراَمُهُمْ مِمَّا رَامَهُ من سبقوهم، فهم اكتفوا بالنَّظَرِ إلى العقل من بابِ ولوجِ النَّقْلِ، حتى يدافعوا عن إيمانهم بالعقل ما وسعهم الدفاع، و هم في دعوتهم إلى توظيف العقل في الدين رسموا له حدودا عقائدية لا يمكنهم أبدَ الدَّهرِ تجاوزها، طالما وُجِدَتْ حقائِقٌ دينيَّةٌ تستعصي على الفهمِ البشريِّ. و لمَّا تمرد العقل على سلطة المرجعياتِ التراثية الوسيطة في فجر الحداثة، شَقَّ لنفسه طريقاً مستقلا، عَبَّرَ فيه عن ماهيتهِ الحقيقيةِ بما هي نقدٌ و تحليلٌ لكل المعطيات، بما في ذلك الشَّأْنُ الدِّينِيُّ نفسهُ، و من ثَمَّةَ، بداية التنظير لفلسفة الدين. فماذا عساه تعنيه فلسفة الدين؟
من البَيِّنِ، أَنَّ لكلٍّ من الحداثة الدينية و الإصلاح البروتستانتي فضلٌ لا يستهان به في التّأسيسِ لفلسفةِ الدين، إذا أخدنا بعين الحسبان أنَّ ذلك، سنح للإنسان مؤمنًا كان أو غير مؤمنٍ أن يباشرَ التعاطي للنصوص المقدسة بروح مشبعةٍ بالنقدِ، و وهبهُ من الجرأَةِ ما يكفي للتساؤلِ عن ماهية الدين و بواعث الإيمان و مسألة الخلاص و الألوهية، و ما إلى ذلك من القضايا الكبرى التي تشَكِلُ جوهرَ الدينِ. و بهذا، ليس هنالك من تعريف يناسب فلسفة الدين، غير التأمل العقلي في الأسس و المبادئ التي يتكئُ عليها الدين بمنهجٍ نقديٍ غايته التحليل و الفهم، بحيثُ لا يُنْتَظَرُ من فيلسوف الدين أن يُبَرِّرَ الإيمان أو أن يُنَصِّبَ نفسه مدافعا عن معتقدٍ كيفما كان، فهذه مهمة زاولتها الفلسفة الدينية كما بيَّنَا سابقاً، و ليس ذلك من فلسفةِ الدينِ في شيءٍ.
إنَّ ما يميز فلسفة الدين عن اللاهوت، أنها لا تدعو إلى الإيمان باسم العقلِ، و لا تلزِمُ الأَخيرَ بقبول معطيات الكتب المقدَّسَةِ على نحو ساذجٍ، كما أنها لا تضع في حسبانها قدْسِيَّةَ الموضوع الذي هي بصدد دراستهِ، و ذلك أن موضوع الدينِ شأْنُهُ شأْنَ باقي المواضيع التي تتصدى لها الفلسفة بالتحليل و التفسير، كالفن و الطبيعة و السياسة و الأخلاق .. إلخ، و يؤكد الدكتور عبد الجبار الرفاعي في هذا المقام أن " لا علاقة لفلسفة الدين بإيمان الفيلسوف أو الباحث و الدارس في هذا الحقل أو عدم إيمانه، كما هو حال المتكلم و اللاهوتي في اللاهوت و علم الكلام، ذلك أن الباحث في فلسفة الدين يفترض أن يكون محايدا، يتحرى الموضوعية."
أنجبت فلسفة الدين قاعدة مشتركة، بنى عليها الفلاسفة المحدثون موقفهم من تيمة الدين، و هي الحياد الموضوعي، أبرز هؤلاء باروخ سبينوزا، الذي يعتبر بشهادة كبار مؤرخي الفلسفة أحد أهم أعمدة فلسفة الدين الحديثة، و الحال أنه خصص لهذا الشأنِ-الدين- فصولا كثيرةً من كتابه رسالة في اللاهوت و السياسة" نلخّصُ منها موقفه الفلسفيَّ من الإيمان:
لكي نصل في نظر سبينوزا إلى ما به نحدد جوهر الإيمان، كان لا بد من الوقوف عند الغاية الأسمى التي يدعونا إليها الوحي برسالته، و المتمثلة في تكريس أخلاق الطاعة، بحيث يصير المرء مؤمنا متى أبدى ولاءه و طاعته لخالقه، و
الأمثلة على هذه الرؤية الاسبينوزية النقدية لقضايا الدين و الإيمان كثيرةٌ.

المراجع المعتمدة في المقال:

يوسف كرم، تاريخ الفلسفة في العصر الوسيط، فردوس للنشر و التوزيع
عبد الجبار الرفاعي، تمهيد لدراسة فلسفة الدين، دار التنوير
امل مبروك، فلسفة الدين، الدار المصرية السعودية