الدور الوطنى لليونانيين فى مصر

رياض حسن محرم
2018 / 8 / 10

كنت صغيرا أتردد على مدينة الأسكندرية، وساعدنى ذلك فى تكوين صورة عن قرب لذلك الحيّز المتميز للجالية اليونانية بالمدينة حيث مثّل وجودهم العنصر الغالب بعد أولاد البلد مباشرة، بل أنهم كانوا الأغلبية فى بعض المناطق كالإبراهيمية وكامب شيزار، كانوا حينها يمارسون جميع المهن والحرف، فكان منهم الترزي (الخياط) والنجار والجرسون وأصحاب البقالات وبائعو الأقمشة وأصحاب مصانع الزيوت، وقد تعلم العديد من المصريين بعض الحرف على يد اليونانيين، بينما كانت معظم أحياء الأسكندرية تتسمى بأسماء يونانية أو إغريقية، وكانت تنبعث أصوات الموسيقى اليونانية من المقاهي المختلفة بالمدينة، وفى المدينة كان مطعم ومقهى "أتينيوس"، الكائن في منطقة محطة الرمل في الإسكندرية (كلمة أثينيوس، تعني باللغة اللاتينية الأثيني- إذ كان صاحبه (يوناني الجنسية، واسمه كوستانتينوس أثينيوس)، يعمل في مجال الحلويات والآيس كريم( ، كذلك مطعم ومقهى ديليس في الإسكندرية، كأحد أهم المطاعم اليونانية، التي ارتبط اسمها بتاريخ المدينة ذات الطابع المقدوني، فهو من أكبر مقاهي الإسكندرية اليونانية ذات الشهرة العالمية، و ايضا مطعم "تريانون" اليوناني، ببهائه الساحر، إذ يطل على ثلاث نواصٍ رئيسية، داخل ميدان سعد زغلول العريق، وتجتمع في تريانون، العراقة والأصالة معاً، ليعكس ما قدمته الجاليات اليونانية من طراز معماري يفخر به المجتمع السكندري، إلى الوقت الحالي، بالإضافة الى مقهى "إيليت"، اليوناني المطل على شارع صفية زغلول- أحد الشوارع الرئيسية في مدينة الإسكندرية، كوخاً خشبياً، بلونيه الأزرق في الأبيض، ذلك منذ تاريخ إنشائه في عام 1953، على أيدي مدام كريستينا كوستانتينو، وهي من أشهر اليونانيات في مدينة الإسكندرية"في تلك المرحلة" وكانت إحدى محبوبات الشاعر اليوناني السكندري كفافيس، يضاف الى ذلك روائح المخبوزات والخمور والأطعمة المميزة من متاجر الحلويات، وأشهرها محل بترو، ، وخاموس الذي اشتهر بالفينيكيا وهي حلويات رأس السنة، عدا المقاهي مثل تريانون وإيليت وأتينوس وغيرها من المحلات، كذلك مخبز "فينو" بكامب شيزار (الذى سمى الخبز الأفرنجى بإسمه)، ويعتبر النادي البحري اليوناني أول نادٍ رياضي بحري تأسس في مصر عام 1909 و"كانت تمارس فيه مسابقات الرياضات المائية بين جميع طوائف الشعب". وإمتد وجودهم فى جميع المديريات المصرية فى الدلتا والوادى، كنت أعيش فى قرية قريبة من مدينة صغيرة على فرع رشيد هى "كفر الزيات" حيث صبغها اليونانيون بإسلوبهم فى الحياة وفيها كان يوجد أكبر تجمع يونانى لتجّار الأقطان وملاك محالج القطن وكان مصنع الخواجة زيربيني في كفر الزيات من أكبر مصانع الزيوت في مصر، قس على ذلك بدرجات مختلفة فى باقى المدن الصغيرة والكبيرة بالقطر المصرى، وهذا مادعى اللورد كرومر المندوب السامي البريطاني في مصر الى القول اينما حركت حجرا في مصر وجدت تحته يونانيا..
تمتد علاقة اليونايين بمصر لما قبل قدوم الإسكندر المقدونى إليها وتأسيسه لمدينة الأسكندرية، ولكن الوجود الحديث لهم بشكل ملموس بدأ فى عهد "محمد على باشا" رائد مصر الحديثة، حيث أنشأت عشرات الكنائس والمدارس والمستشفيات ودور رعاية المسنين "وكان معظمها تخضع لإشراف الحكومة اليونانية مباشرة"، ومنها مدرسة سولفاجو التجارية في الشاطبي، وهي من أقدم المدارس اليونانية التي بنيت تقريباً عام 1845، كان نشاط الجالية فعّالاً وكانت من أكثر الجاليات تنظيماً، فقد أسست هيئات ومؤسسات مستقرة قبل نشأة الدولة اليونانية الحديثة، فكانت هناك مدارس وكنائس منتشرة في كل أنحاء مصر، ومهرجانات ومعارض، ومسارح ومستشفيات تعالج الجميع بدون تمييز، وقد شارك اليونانيين في ادخال بعض الصناعات بمصر مثل صناعة الكحول وملحقاتها فقد انشئ عام 1882 مصنع الكحول في طره اليوناني المسيوكوتسيكا والذي سميت المنطقة باسمه وكان يعد من اغنى اغنياء الجالية اليونانية اذ كانت تقدر ثروته بأربعة ملايين من الجنيهات كما سيطر اليونانيون على اعمال شركة الكروم والكحول المصرية وعلى فروعها بالاسكندرية والقاهرة وأبوالمطامير وقد امتلكت هذه الشركة الاف الأفدنة اذ ان شركة الكروم انشئت على يد يوناني قام بزراعة صنف جديد من العنب في مزرعة قريبة من الاسكندرية وسميت على اسمه "جناكليس" كما يعد اليوناني يني ساكلاريدس هو الذي ادخل القطن طويل التيلة الى مصر حتى انه كان يطلق على هذا النوع من القطن اسم ساكلاريدس، وفي العشرينيات من القرن الماضي اصبح لليونانيين الغلبة في رأس مال العديد من الشركات التي تأسست في مصر، وفي منتصف القرن السابع عشر افتتحت الجالية اليونانية مدرسة خاصة لها في مصر القديمة في دير سان جورج ثم توسعوا بعد ذلك فأنشأوا مدرستين اخريين احداها في حارة الروم والاخرى في الحواتية بالقاهرة ثم انشأوا مدرسة اخرى بالاسكندرية في دير سان ساباستيان بعد ذلك انشأوا كنائس ومدارس في المنصورة وطنطا وبورسعيد والسويس والزقازيق والاسماعيلية وشبين الكوم وقد تزايدت هذه المدارس بتزايد اعداد الجالية وقبولها لطلاب غير يونانيين حتى بلغ عددها عام 1934 حوالي 61 مدرسة منتشرين في مختلف انحاء مصر، وزاد النزوح اليوناني الى مصر في أعقاب ثورة عام 1821 والاضطهاد التركي الذي اعقبها، فجاء هؤلاء اللاجئين الى مصر واستقر كثير منهم فيما وراء المدن في داخل البلاد وكان في هذا سر قوتهم، حيث فضل منافسيهم من الأوربيين الآخرين المتعة والراحة بالاسكندرية والقاهرة اما اليونانيون فعلى الرغم من انهم لم يهملوا المدينتين الا ان بعضهم وصل الى الجنوب الى جهات بعيدة في الصعيد والسودان يبيعون الأقمشة والمصنوعات الرخيصة والأدوات المنزلية للعرب والبدو ويشترون منتجات تلك المناطق ويرسلونها لمواطنيهم في الاسكندرية لكي يتم تصديرها الى الخارج. وقد ظلت اعداد اليونانيين تتزايد في مصر حتى وصل عدد هم عام 1927 الى أكثر من 75 ألف نسمة.
بدأ رحيل اليونايين من مصر قبل ثورة يوليو 1952 وذلك من بداية العام 1947 حيث شكّل قانون التمصير لعام 1947 الذي فرض على الشركات الأجنبية تمصير إدارتها وتشغيل نسبة من المصريين لا تقل عن 51% من العاملين، وأن تكون مراسلات الشركة باللغة العربية، شكّل اللبنة الأولى فى الهجرة المضادة، لكن السبب الرئيسى يرجع إلى إصدار قرارات التأميم الناصرية التي أثرت على عملية الاستقرار الأجنبى، وكذلك تصاعد الخطاب القومي والإسلامي، وحادث حريق القاهرة الذي استهدف الكثير من منشآت تمتلكها الجاليات الأجنبية واليونانية، وحرب السويس 56 وصولاً إلى قرارات التأميم الكبرى عام 1961، وكانت كلها تطورات ضخمة تمت في عقد زمني واحد، دفعت معظم الأجانب الى الرحيل من مصر.
لا ينسى المصريون يوما التاريخ الحافل بالمواقف المؤيدة لحق الشعب المصرى فى التحرر من الإستعمار حيث لعب العمال اليونانيين فى منطقة القنال دورا كبيرا فى نقل الخبرات النقابية والتنظيمية الى زملائهم المصريين فى القرن التاسع عشر، وسيظل دور المرشدين اليونانيين حاضرا حين انسحب معظم المرشدين الاجانب من بورسعيد في سبتمبر 1956 بعد تأميم القناة، فقد استمر المرشدون اليونانيون الذين لم يخضعوا لضغوط الشركة المؤممة ووقعت مصر عقودا جديدة معهم، بل ساهمت الجالية اليونانية بنضالية عالية اثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 شارك اليونانيون المصريون فى اعمال المقاومة ضد العدوان الثلاثى حيث شكلوا (الجبهة المتحدة لاعمال المقاومة الشعبية «أيوكا») واصدروا منشوراتهم باليونانية والعربية واعلنوا تضامنهم وتأييدهم للشعب في نضاله ودعوا فيها اليونانيين الاحرار في بورسعيد الى الإشتراك فى لجان المعركة في المدينة وعدم الاستماع الى دعايات واشاعات المستعمر والتي تهدف الى الوقيعة بين الشعب المصري والشعب اليوناني وقدموا النقود والتبرعات، واعلنت الجالية اليونانية في مصر ان 223 فردا من افرادها انضموا الى جيش التحرير"أيوكا" كما اقبل الكثير منهم فى مراكز التدريب على اعمال التمريض وتطوع بعضهم بتقديم الملابس والأغذية للجنود وبذلوا دمائهم رخيصة دفاعا عن الشعب المصرى وحرية أراضيه.