قراءة في مبادرة السفير معصوم لإنقاذ مصر!

محمد عبد المجيد
2018 / 8 / 9

قراءة في مبادرة السفير معصوم لإنقاذ مصر!
يخترق الشفق السماء فيحيل بعض ظلامها إلى نور.
يخترق اليأس نفوس الناس، ويرفض الحاكم الإنصات لنبضات قلوبهم، ويحتقر أرواحهم، ويربك حياتهم، لكن الإعلام المصنوع في القصر يجعل كل هزيمة احتفالا بانتصار، فهراوة الأمن تجبر الناس أن يعترفوا بسطوع الظلام، وبأن الحكمة تأتي من القصر!
المشهد المصري كارثي وجحيمي بكل المعايير، وفي كل تفاصيله التي تمتد من زنزانة منفردة يقبع فيها مواطن لم يُحاكم، وأم تبحث في صناديق القمامة عن طعام لأبنائها، وصراخ يومي من جنون الأسعار، وإعلام شيطاني تبحث فيه عن كلمة صادقة كما تبحث عن إبرة في بالة من القش!
وجاء رجل من أقصى المدينة يسعىَ؛ لا يحمل السلاح الذي حمله على الجبهة عام 1973، لكنه يحمل على كتفيه آلام مصر وأوجاعها.
جاء بالسلام ليجعل حرب الأيديولوجيات تضع أوزارها في بر مصر، وينتهج طريق نيلسون مانديلا في إسقاط دموع الضمير الشعبي، فالكل أخطأ، والكلمة الفصل للشعب: هل يريد المصريون استمرار شرعية النظام الحالي، ويدفعون الثمن برضا وموافقة وتأييد وثقة بالرئيس السيسي، أم يريدون تغيير النظام.
وهنا ابتعد السفير معصوم مرزوق عن ( الشعب يريد إسقاط النظام)، إنما يريد الخيار السلمي للشعب في غضبه ورضاه.
الرجل ذكي ومثقف ومتمكن من أدواته القانونية والعسكرية والدبلوماسية والحقوقية، ولا يستفز أو يناطح أي جهة، ولا يطلق النار على النظام.
لكنه صريح ولسان حاله يقول: إذا لم يعجبكم اقتراحي، فالتهموا ما فوق المائدة حتى لو كان بقايا طعام نيء غير صالح لأي أدمي.
من بيان السفير نتفهم أن المشكلة في كتيبة النفاق والتطبيل الإعلامية التي سُلطت عليه من أجهل خلق الله، فأكل عيشهم على التفاهات، ومناصبهم في صناعة العفن، وأموالهم في تبرير الخطايا.
يعرف السفير أن حرب الشائعات بدأت، وأن كل من يقترب من القصر ستوجه له تهمة مثلما فعلوا مع أحمد شفيق والمستشار هشام جنينة وسامي عنان وخالد علي لكن روح المقاتل في يوم العبور لم تفارقه.
على المستوى النفسي والوجداني فأنا قد اختلف في الصفح والمغفرة لكل من حكموا مصر بعد 25 يناير، طنطاوي ومرسي وعدلي منصور والسيسي؛ لكن عقلي يقف مع مبادرة السفير معصوم، فليتصافح المصريون، وليتصالح أبناء الوطن الواحد، ونلقي أسلحتنا اللسانية والنارية، فالمبادرة بها نقطة هامة وهي عدم عودة أي شخصية عامة في السنوات العشر المنصرمة إلى موقع المسؤولية، وليس كما حدث بعد ثورة 25 يناير فقد تحالف الجميع ضد شباب الثورة، ووقف القضاء مع كل لصوص عهد مبارك، وصمت طنطاوي ومرسي وعدلي منصور والسيسي على آلاف الجرائم التي ارتكبها المخلوع.
مبادرة السفير معصوم رسالة عشق لوطن يئن ويكاد يحتضر، وتراجع الدور المصري، وأصبحت أرض الكنانة بين إصبعين من أصابع الرئيس؛ يفرط أو يبيع أو .. يتنازل.
الكرة في ملعب الشعب المصري الذي يشكو الفاقة والفقر والفساد والسجون والأسعار والسكن والتعليم والعلاج والخوف؛ فإما أن يقف مع المبادرة حتى لو كان معترضا على نصفها، أو يقبل استمرار الرئيس السيسي لعل المنَّ والسلوىَ تأتي في الولاية الثالثة أو الخامسة أو العاشرة.
المبادرة ستفضح الإعلام المأجور الذي سيدخل بكل ثقله حرب الشائعات البرادعية ضد السفير معصوم، وكل الدبلوماسيين المصريين في الخارج مطالبون بدعم مبادرة معصومة بفضل الشعب.
التحدث الأكبر هو الخوف المزروع في قلوب وعقول ونفوس المصريين، فمن ينزعه كمن يستبدل به الإيمان بالوطن.
المبادرة لإنقاذ مصر من حرب الإرهاب في سيناء، ومن ضعف وسقم ومرض السياسة المصرية، فالرئيس السيسي سيتنازل عن الحُكم، وبرلمان علي عبد الخالق يُحــَـل، والسفير معصوم وضع تفاصيل المرحلة القادمة فإذا لم يستجب الرئيس السيسي فسيدعو لميدان تحرير جديد في 31 أغسطس حيث تشهد مصر كلها تجديد الوطن قبل أن ينهار.
كرة أخرى في ملعب المملكة العربية السعودية، فتنازل السيسي عن الجزيرتين باطل ومرفوض، فلو تقدم الأمير محمد بن سلمان بمبادرة ذكية حبا في مصر والمصريين، وأعلن أنه سيعيد تيران وصنافير إلى بلده الثاني مصر فور تشكيل المجلس الانتقالي، فستساهم الرياض في استتباب الأمن والسلام في المنطقة.
إسرائيل ستقف بكل ما لديها مع الرئيس السيسي فهو خط الدفاع الثاني عنها، وفضائح الاتفاقات الجانبية في الحل النهائي للتخلص من الفلسطينين ستسقط، وعلى أشقاء النضال في فلسطين المحتلة أن لا يقتربوا من رفض أو تأييد المبادرة، وأن لا يدعموا السيسي أو معارضيه، فتجاربنا الأليمة طوال عقود تؤكد أن كل الحروب والانتفاضات والاحتلالات في الوطن العربي يدفع ثمنها الفلسطينيون، مخطئون أو غير مخطئين!
لا تشككوا في رجل منكم لا يكرهه غير أماني الخياط وأحمد موسى ومصطفى بكري وتامر أمين وتوفيق عكاشة ومرتضى منصور وعزمي مجاهد وعماد الدين أديب، فأنتم أيها المصريون الشرفاء في جبهة الوطن وهؤلاء في جانب إيلي كوهين.
المبادرة سلمية ورزينة ومستقيمة ووطنية، وتركت للشعب الحُكْم الفصل، فإذا اختار أكثر من 51% استمرار السيسي ونظامه، فليعد كل إلى مكانه، ويتحمل الشعب نتيجة خياراته، السلبية أو الإيجابية، حتى لو تسوّل المصريون من بوركينا فاسو وأوغندا وجنوب السودان، وحتى لو هتف المصريون: الشعب يريد إسقاط مصر، فلنقبل هذا بصدر رحب، فهو صاحب الوطن حتى تأتي أجيال قادم وتطرح أسئلتها التي لن يستطيع أحد الإجابة عليها.
مبادرة السفير معصوم لا تتحمل تردد المصري أو تراجعه أو شكوكه أو نسخ أباطيل الإعلام المصري، فهي لأولادنا وأحفادنا قبل أن تكون لنا.
لم نعد نستطيع دعم رفاهية ( الشعب يريد إسقاط النظام)، فتلك كانت صيحات أنبياء 25 يناير، أما الآن فأضعف الإيمان أن يُسئــَـل المصري: هل يستمر نظام السيسي أو تستبدل به مجلسا انتقاليا ليس فيه موقع قدم لأتباع طنطاوي ومرسي والسيسي ولكل من تولى منصبا رسميا في العقد الفائت.
قفوا مع السفير معصوم، واحتفلوا بخروج أبنائكم من السجون والمعتقلات، واجعلوا العسكر يعودون إلى ثكناتهم وحدود مصر، وامنعوا أي عمل سياسي باسم الدين، وقوموا بحل كل الأحزاب الدينية بدون اعتقالات أو اتهامات أو إعدامات.
غضبكم في الشارع والبيت والمسجد والكنيسة والسوق والعمل ينبغي أن يتبلور في رسالة حب للوطن قبل أن تنهار مصر، وتحقق إسرائيل حلمها وكابوسنا: من النيل إلى الفرات!
قفوا مع مبادرة معصوم فالرئيس السيسي وصل إلى مرحلة الهوس الديني والفلسفي والعسكري والسلفي والكبريائي، والخطوة القادمة إذا وافقتم على استمراره ستكون لطما على الخدود من مئة مليون يمشون في شوارع أم الدنيا يتحسرون على قلوب خانتها الشجاعة، وهربت منها الفروسية، وهجرتها العقلانية.
المبادرة من السفير معصوم لكل مصري، مسلم أو قبطي أو حتى لا ديني، فالوطن للجميع.
أنا أدعم المبادرة، ولا أكترث لآلامي في تبرئة كل زعماء مصر ولصوصها وطغاتها وفاسديها ومتطرفيها، فالعقل قرر أن يحكم حتى يوم 31 أغسطس .. يوم الحشد الكبير مع افتراض رفض الرئيس السيسي للمبادرة.
لا تصدقوا الشائعات وإعلام التطبيل وملوك الكذب، فهؤلاء أعداؤكم.
لا تجعلوا هذه الكلمات تقف عندكم، بل ارسلوها، وكرروا إرسالها حتى تصل إلى كل مصري يستطيع القراءة والكتابة، ولا تحجبوا نشرها!
وسلام الله على مصر.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين المصريين
أوسلو في 9 أغسطس 2018