الصمت هو البعد الأعمق للروح .

يوسف حمك
2018 / 8 / 8

يقول المؤرخ و الفيلسوف وليم هازلت : ( الصمت فنٌ عظيمٌ من فنون الكلام .)

نعم أجمل الكلمات هي الراكدة في عمق الروح و الفكر . يعجز اللسان
عن النطق بها ، و يعطب القلم ، فيكف عن لملمة حروفٍ تؤلف تلك
الكلمات التي تعبر عما نريد قوله ، و ما نشعر به ، و نحس .

حينما نسمع أغنيةً يطرب لها الأذن ، و على أنغامها ترقص النفس .
أو نقرأ قصيدةً رائعةً ، كتبها عاشقٌ متيمٌ مرهف الإحساس ، خصب الخيال .
أو نقف أمام لوحةٍ زاهية الألوان ، رسمها فنانٌ مبدعٌ .
أو نصادف وجهاً مليحاً يفر النور من جماله ، و يخجل القمر من رقته ،
فيحبس ضوءه وقاراً لبهائه و إكراماً لنضرته .
عندها نريد أن نبدي إعجاباً يوازي غلو ذاك الجمال ، و يعادل تلك المتعة .
لكن اللسان يتوقف عن التلفظ ، و القلم يكف عن صريره .
فنخلد إلى الصمت عندئذٍ ، و نستجير به ، لمنحنا تعابير تليق بعظمة ما شاهدناه ،
و بروعة ما قرأناه .
نعايش انفعالياً بصمتٍ ، نستمتع و نذهل بصمتٍ ، ننجذب و نبهج بصمتٍ ،
ندمن في التلذذ و الاشتهاء بصمتٍ .
و كأن رجال الأمن اقتحموا أفواهنا فكبلوا ألسنتنا و سحلوها تحت طائلة
عقوبة فلتانها ، للبوح بأسرار قادتهم . أو سحقوا أقلامنا ، لتتوقف عن كتابة انتقاداتٍ
لاسعةٍ لأسيادهم .

غير أن الكلام لا يفي بالغرض مهما أسهب اللسان و تعمق ، و لا تعابير
تبلغ الذروة مهما تمادى القلم و توغل في عمق المعاني .
وحده الصمت يبوح بشغفٍ عما نحس به بإتقانٍ ، و نعانيه بوضوحٍ ، و بلا
ثرثرةٍ أو دجلٍ . فهو الأصدق بعيداً عن التصنع و الافتعال .

إنه الصوت الخفيُّ الكاتم الأصفى الذي ينبع من رحاب الذات الحقيقيِّ ، و نقاءٌ يتدفق من عصارة الأنا الفعلية .
غالباً و نحن غارقون في بحر الصمت الراكد ، نسمع همس القابعين في
كهوف صدورنا ، فنحادثهم و يحادثوننا ، دون أن نمزق فضاء صمتنا ،
و أجسادهم في أماكن شتى من بقاع الأرض .
نوافذ الذاكرة تنفتح لتثرثر ، و تعيدنا إلى الوراء .
فنلتحم بزمنٍ هالكٍ لا يعود ، و نرتدي حفاوة أيامٍ زائلةٍ تتمرد ، و تأبى الرجوع .