نادي الشرق الأدنى للأرمن

فاطمة ناعوت
2018 / 8 / 4




الأسبوعَ الماضي، أُقيم على شرفي صالونٌ فكريٌّ راق، في نادي "الشرق الأدنى للأرمن" بحيّ شبرا. أقام الصالونَ نخبةٌ من المثقفين المصريين من ذوي الأصول الأرمينية. وكان ذلك اللقاءُ الثريُّ بمثابة تدشين لأول صالون فكري ثقافي فنيّ في حي شبرا العريق، الذي يُعوزه ذلك النوع من النشاط التوعوي. مَن يصدّق أن هذه القاعة الأنيقة المُنظّمة، وما حولها من حدائق مبهجة تسرُّ الناظرين، كانت بالأمس القريب مجرد أرض خربة موحشة، حولّها فريقٌ من المثقفين الأرمن من أبناء شبرا، إلى نادٍ ثقافي أنيق مُجهّز بأحدث تقنيات العرض وخشبة مسرح مؤهلة لاحتضان الصالونات والمؤتمرات والمسرحيات وعروض الأفلام؟ّ!
وبالحقّ كان الصالون مدهشًا ودافئًا وثريًّا بالحوار التفاعليّ العميق، بيني وبين الحضور النوعيّ المثقف، حاشدًا بالوطنية المصرية المتجذرة في قلوب تلك الجالية النبيلة التي أحبّت مصرَ، "مِصرَهم" كما هي "مصرَنا"، مثلما لم يُحبّها عِرقٌ من الأعراق التي استوطنت مصرَ وطنًا ثانيًا، وتدثّرت بثوب جنسيتها العزيز. وليس أدلّ على ذلك إلا حال الإثراء الفكري والفني والاقتصادي والاجتماعي التي صنعتها الجاليةُ الأرمنية في مصر في أوائل القرن الماضي ومنتصفه، وحتى الآن. ولطالما احترمتُ ذلك العِرق النبيل، الذي أثرى العالمَ بفنونه وثقافته، والذي تحمّل من الفظاعات والبشاعات العنصرية البغيضة، ما يُدوَّن في مجلداتٍ وملاحمَ دامية؛ حتى صارت كلمة (الأرمن) متلازمةً للشعور بالخزي والخجل مما فعلته بهم الدولة العثمانية الفاشية، في مطالع القرن الماضي، من تهجير قسري وتجويع وإظماء وإبادات جماعية موجعة. ولهذا حديثٌ مُرٌّ ذو شجون، ربما أعودُ إليه في مقال.
وفي بيتي الصغير بالقاهرة، أحتفظُ بقطع فنيّة أرمينية بديعة، غالية على قلبي. وهي لوحات فائقة الجمال تُصوّر أمي بثوب الزفاف، وحدها أو جوار أبي في يوم عُرسهما، ثم في شهر العسل، بعدسة الفنان الأرمني الأشهر، "ڤان ليو"، صاحب الظلال المشرقة، والتوقيع الأنيق، الذي كان بمثابة "بصمة فخر" لمن أسعده حظُّه ببفوتوغرافيا تحمل توقيعه الشهير: Van Leo. "ڤان ليو"هو المصوّر الرسمي الخاص لمشاهير مصر في العصر الذهبي،مثل طه حسين، فاتن حمامة، عمر الشريف، سعاد حسني، مريم فخر الدين، أحمد مظهر، رشدي أباظة، زبيدة ثروت، صباح، نيللي، فريد الأطرش، وغيرهم من أساطين الفن وفاتنات الشاشة.
والآن أصبح في بيتي قطعةٌ أرمينية فريدة أخرى، بعدما أهدتن سيدةٌ أرمنية جميلة اسمها "سيلڤيا كشيشيان" موسوعةً أنيقةً مُصوّرة تضمُّ جميع لوحات رسام الكاريكاتور الروسي الأرمنيّ المصري الشهير: "ألكسندر صاروخان"، الذي ولد في القوقاز عام 1898، ثم هاجر إلى مصر في شرخ شبابه، واستقر بها وحصل على الجنسية المصرية، حتى غادرها وغادرنا إلى السماء في غُرّة عام 1977، بعدما أثرى مجلات مصر وجرائدها مثل "روزاليوسف، الجديد، أخبار اليوم، المستقبل، وكذلك مجلات وجرائد فرنسية وأرمنية شهيرة، بمئات، بل آلاف الرسومات الكاريكاتورية اللاذعة، التي انتقدت الأوضاع السياسية والاجتماعية في مصر والعالم العربي.
ويستحق هذا الفنان العظيم، الذي ابتكر شخصيات كاريكاتورية شهيرة مثل: “المصري أفندي"، "مخضوض باشا"، "إشاعة هانم"، "العمّ سام"، أن تُفرَد له دراساتٌ مستقلة. وأما الكتاب الجميل الذي يُزيّنُ مكتبتي الآن، فهو من إعداد وتقديم "هرانت كشيشيان"، الذي أوصى السيدةَ سيلڤيا بإهدائي الكتاب الموسوعيّ، في الصالون، وأنا بدوري أشكرهما الآن جزيل الشكر، على الهدية القيّمة.
وكانت محاضرتي بالصالون حول "إعادة بناء الإنسان المصري". وفكّرتُ أن أطرح فكرة طالما آمنتُ بها: “البناءُ عن طريق الهدم”. فالحقُّ أننا نولدُ أبرياءَ. مُتخفّفين من كثير من الأدران المجتمعية والسلوكية والفكرية والنفسية المقيتة، التي تتجذّرُ فينا يومًا بعد يوم حتى تنتهي بانهيار أرواحنا. نعم، نولد أبرياءَ أنقياءَ ناضجين، ولكن تجارب الحياة وهمومها وصدماتها وقساوتها، تظلُّ تنحر في براءتنا حتى تُفقدنا الشيء الكثير. فكيف نعاود بناء إنسانيتنا، عن طريق "الهدم"؟ ولهذا حديث آخر.



***