العلمانية المظلومة عند العرب

محمود يوسف بكير
2018 / 8 / 2

العلمانية بالأساس دعوة للحرية الفكرية لكل إنسان دون تسلط من أي سلطة دينية أو سياسية عليه، وأن الدين لا ينبغي أن يلعب دورا مهيمنا في تنظيم حركة المجتمع وشؤون التعليم والعلم.

تشيع حالة من الكراهية بين الكثير من أبناء شعوبنا العربية تجاه العلمانيين لاعتقادهم بأن دعوة العلمانيين لفصل الدين عن السياسة واعتبار الدين شأن خاص لا دخل للآخر فيه، تعني رفضا لدور الإله والدين ومن ثم فهي دعوة لتخريب المجتمع أخلاقيا وإباحة كل شيء بحيث يصبح الخير هو الأنا البديلة للشر.

وبالطبع فإن هذه القناعات تتسم بالسطحية ومجافية لجوهر العلمانية وما تدعو إليه. فالعلمانية لا تعادي الاديان ولا تدعو للفجور أو محاربة الأخلاق أو القيم الإنسانية الرفيعة، وهناك علمانيون يؤمنون بوجود خالق لهذا الكون ولكن إيمانهم مفارق للكثير من قناعات الإيمان التقليدي الذي لا مجال فيه لإعمال العقل.
وحتى هؤلاء العلمانيون الذين لا يؤمنون بوجود آلهة فإنهم لا يفعلون هذا كنوع من العناد مع المؤمنين، وانما لأنهم عجزوا بالفعل عن استيعاب مفهوم وشكل وتصرفات الآلهة التي تتحدث عنها الأديان وهم في حالة بحث دائم عن أدلة علمية أو عقلانية لوجود هذه الآلهة حتى يؤمنوا بها. فليس من المنطق في شيء أن يرى أي إنسان دلائل على وجود آلهة ويكفر بها خاصة وهي تعده بعذاب عظيم لو لم يؤمن بها.
وهذه مشكلة قديمة فهناك آيات في القرآن تتحدث عن أن الكافرين كانوا يطلبون دائما من النبي أن يأتيهم ببرهان علي وجود الله حتى يؤمنوا به، وهو ما يثبت أنه كان لديهم الاستعداد للإيمان لو وجد البرهان.

ومن العبث الربط بين الأخلاق ووجود الإله لان هذا يعني انه في حالة عدم وجوده فإن الأخلاق ستنعدم، بمعنى أن الأخلاق تعتمد في بقائها على وجود الإله. وهذا الكلام يجافي العقلانية والواقع الحياتي للخلق لإنه يعني ببساطة شديدة أن كل القيم الأخلاقية مثل الأمانة والنخوة والكرامة وعدم استغلال الضعيف. .... الخ ليست قيم أصيلة أو ذات معنى في حد ذاتها في غياب الإله.
ويعني هذا المنطق المعوج أيضا انه اذا ما ثبت عدم وجود إله أو أن الأديان صناعة بشرية فإنه يحق للإنسان أن يظلم أخيه الإنسان ويهينه وينهبه وتصبح آلام المعذبين والمحتاجين والمرضى لا تعني أي شيء ويمكن ان نتجاهلها ونستمتع بحياتنا طالما أنه ليس هناك إله أو حساب. وهذا شيء غير متصور، فعلى مستوى العلاقات الإنسانية هل نحتاج إلى وجود إله حتى نحب اباءنا وابناءنا؟ إن الحيوانات تدافع عن أولادها حتى الموت دون الحاجة لكتب سماوية توصيها بأن تفعل هذا، هل يمكن ان يقول أحد أن أمهاتنا لا يعنين لنا شيئا لولا ان الإله اوصانا بهم خيرا؟ .
وفي هذا السياق قال الفيلسوف هوبز ما معناه انه لو كان صحيحا أن وجود الإله ضرورة للحفاظ على السلام والقيم الإنسانية والأخلاق بين البشر فإن معنى هذا أن الإله يحول بيننا وبين إعلان حرب شاملة ضد بعضنا البعض.

والحقيقة ان غالبية العلمانيين يتحلون بأخلاق رفيعة دون كتاب أو سماء ودون الحاجة للاستماع للخطب العصماء التي يلقيها المتدينون ليل نهار ومع هذا يرتع الفساد والظلم في بلاد الايمان بكل أريحية!
العلمانيون ليسوا بحاجة لوعود بجنات مليئة بالنعيم والملذات أو التخويف من نار جهنم حتى يتحلوا بالأخلاق الراقية ويفعلوا الخير، أن أسوأ أنواع الايمان هي التي تقوم على الترغيب والتهديد وليس حبا في الأخلاق الحميدة أو الخير لذاته، والأديان التي تعمل بنظام الرقابة الصارمة من ملائكة سماوية ممسكة بسجلات لرصد حركة البشر على مدار الساعة وعدادات لحساب نقاط أفعال الخير وخصم نقاط أفعال الشر لكائن مجهري تافه يفترض أن ذات الإله الذي يحاسبه على كل ذرة خير او شر هو الذي خلقه بكل هذا الاعوجاج والطمع والشر. إن الأمر أشبه بمسرح العبث. إذ خلق إله الاديان هذا الإنسان المسكين بكل هذه الغرائز العنيفة ثم يطلب منه أن يميتها بداخله بطريقة ما ويصبح ملاكا وإلا فإن مصيره جهنم وبئس المصير.
ترى متى يتدخل هذا الإله المشوه من قبل البشر لوقف هذه المهازل التي ترتكب باسمه؟

ايها السادة الكارهون للعلمانيين، العلمانية كما كان المفكر الكبير محمد أركون يقول دعوة سلمية لمجابهة السلطة الدينية التي تخنق حرية التفكير في الإنسان. كما أنها تحمي الدين ذاته ضد احتكار السلطة السياسية والجماعات المتطرفة له واستغلاله لأغراض سياسية كما هو حاصل في مجتمعاتنا العربية.

وهذا لن يتحقق بالطبع آلا بفصل الدين عن السياسة كما هو الحال في الغرب وكل المجتمعات التي تجاوزت مرحلة العصور الوسطى وتقدمت بينما نحن لازلنا نعيش حقبة الحروب الدينية التي تعمل بهمة عالية الآن لتدمير بلاد العرب واحدا بعد الآخر.
العلمانية هي الأفضل للمجتمع والدين شريطة أن تكون منفتحة على مختلف ابعاد الانسان بما فيها البعد الديني كما هو الحال في الغرب الممتلئ بكل أنواع دور العبادة لإشباع هذا البعد الانساني دون أي قيود.

وفي الأصل كانت فطرة الإنسان هي المصدر الرئيسي للقيم الإنسانية فكان هناك تمييز واضح بين الخير والشر والخيانة والأمانة ..الخ ومن يطلع على تاريخ حضارات ما قبل الاديان مثل الفرعونية والصينية والإغريقية يرى أمثلة عديدة للطيبة والنبل والشجاعة والتضحية من أجل المبادئ كما حدث مع سقراط وكما ورد في قصة إيزيس وأزوريس المصرية القديمة وحكم واقوال زرادشت وبوذا وكونفوشيوس. وليس صحيحا أن تدخلا سماويا كان مطلوبا حتى يعرف البشر القيم النبيلة والفرق بين الخير والشر.

العلمانية هي أملنا في البقاء والسلام والتقدم والعيش المشترك.