أنا و أنت ( 6 )

هيثم بن محمد شطورو
2018 / 7 / 30

كأنك تبتسم لي و أنا لا أعرف حقيقة ان كنت لازلت أبنك أم لا. فكيف يمكن لك ان تـفكر في الآن بربك كيف؟ هل تـنظر لي بكوني ابنك أم شبه الابتسامة على (ما يُخيل لي) انه محياك ما هي إلا جراء الإلتـقاء بذرة عـقـل متيقـظ ، كأنك تجده ينسل من مملكة العقل الكلية ذات الاغتباط الشديد الذي يرسم هذا الهدوء الملائكي على محياك؟...
و يا لمحياك من تعبير عميق عن الوجه المفكر. المفكر بذاك السهو الجميل الذي أقرأ منه سفرا داخليا في العمق العقلي المتأمل الذي هو جوهر الوجود و بالتالي هو سفر في جوهر الوجود، و اذ به اذاك كذلك فهو سفر في الوجود برمته يتمظهر في التأمل الصاخب بسكون جميل مثل أعماق المحيطات..
كأنك هناك لازلت تـنظر الى ألاشيء و لكنك تـنظر الى جوهر الأشياء المتبدي كلاشيء. كم علمتـني تلك التجليات لوجهك بتعابيره الساكنة من حالات السفر الداخلي في التـفكير التحليلي و في الحركة الحرة للخيال و التـفكير.
فـقبل ان أعرف "ديكارت" و كوجيته، فإني تـشربت بعمق من خلال ملامح وجهك حين تـفكر، و خاصة حين يكون بين يديك كـتاب او مجلة لتطرحه بكل رفـق الى جانبك و تـشعل سيجارتك و تسترسل في نظرة الى السماء او كأنها الى السماء في تلك الفرندة الطويلة صيفا أو في غرفة الجلوس شتاء. ما لا تعلمه و ها أنا أحاول ايصاله اليك في مملكة العقل الحرة المطلـقة أنك طبعت في أعماقي " أنا أفكر إذن أنا موجود"، بل " أنا أفكر إذن أنا موجود جميل و موحي بالسكينة و الغبطة لمن يراني"..
كم تبدو ساعتها جميلا، و كم هو الجمال القيمة العليا التي يتعلق بها الانسان و يرنو اليها. للجمال حضور شبه إلاهي و ربما هو إلاهي بالفعل. ففي عمق كل جميل شيء لا بشري وفق تعبير "البير كامي" و الذي أصفه أنا بشيء رباني روحي مطلق خالد..
الوعي الحسي السطحي الباهت بدوره و المخادع لا يرى الامور إلا في ظاهرها الذي هو متغير و مخادع بطبعه لأنه ليس إلا بظاهر. انه الوعي التعيس. الفراسة هي التي تـنـفث في الظاهر لتـثـقبه فتريك القبيح وراء الجميل الظاهر و الجميل وراء المظهر الاعتيادي او حتى القبيح. لأجل ذلك فهي مقولة حكيمة القائـلة بالجمال في البساطة اي في انعدام الاصطناع و التركيب..
و معلوم أن أغلب الكائنات البشرية الحقيرة تطمح الى المال لتكسو نفسها بالجمال المركب الاصطناعي، و لكن هيهات فالكسوة من ملبس و سيارة و غيرها من الاشياء لا يمكنها أبدا ان تجعـل القبـيح جميلا مادام عقله معطل و وعيه سطحي تعيس زائف لا يتصل بأي درجة بمملكة العقل الكلية الخالدة...
علامة الجمال الوحيدة هي ذاك الكتاب بين يديك، لأن القراءة وحدها هي غذاء الروح بما أنها اكتساب معرفة بالتـفكير و ليس بالتـلقي. التـفكير هو حياة العقل و العقل نور الاهي يضفي جمالا روحيا عميقا تجلى في نظراتك و طريقة حديثك و في مناحي سلوكك التي تظهرك كائنا جميلا امام نفسك و العالم..
الجميل هو من يحب نفسه في محبته للناس و الطبيعة و الكون فتحبه الكائنات لأنه يدخل بوعيه و ارادته في المملكة الكلية. الجمال هو المحبة و المحبة روح و الروح بوابة العقل و العقل يتـفهم الناس و العالم كما هو متـفهم لنفسه، و الفاهمة يلزمها و عي و معرفة و ايمان بالكل. الايمان بالكل هو الايمان العميق بالله، و لكنه الايمان الصادق ما بينه و ما بين نفسه لروح حي متيـقـظ نشط مرح مقبل على الحياة، و ليس بمثـل ما نعرفه من اصطناع الايمان المركب غير البسيط و التظاهر لخداع النفس و الناس لوعي تعيس يتخيل ان بإمكانه التحايل على الرب و اقناعه انه مؤمن.. الايمان الحقيقي تلزمه معرفة و وعي و لا تـنـتـظر من عقل متعطل عن عالم الفكر ان يكون مؤمنا بالفعل..
ما من مؤمن فعلي إلا لقارئ حتى و ان كان في لجج الشك فهو في بحر الفكر المتلاطم امواجه يستـنشق عبير الوجود الحق و ان كان يملؤه الخوف من الغرق فلا تبلغ الحياة أقـصاها إلا في خط التماس مع الموت.
لأجل ذلك قال ربك أول ما قال لرسوله العربي "إقرأ باسم ربك"، و كأنـنا أمام محور العالم برمته عقل يتمظهر و يتجلى لغة و فكرا و تحفيزا للفكر لفعل قراءة العالم ككلمات و العالم لا يتجلى عقليا إلا في الكلمات.. انظر حولك فكل ما هناك كلمات و كل ما نبتغيه من الوجود كلمات.. لأجـل ذلك فالفعل الصميمي الجوهري العميق هو القراءة ليتجلى الله الذي هو نور و النور الذي هو الجمال، فما الاقتراب الى الله إلا بالقراءة التي تزيح الظلمات شيئا فشيئا..من الظلمات الى النور.. الظلمات مرادفة للجهل و النور مرادف للمعرفة، و ما القبيح إلا في ظلمات الجهل يتخبط، و ما الجميل إلا في رحاب العقل المستـنير يرقص..