مؤسسة البغاء كحق عولمي : النائمة الزاحفة

حمزة بلحاج صالح
2018 / 7 / 29

مؤسسة البغاء في شكلها التقليدي و الحديث المتعلق بمأسسة الحرية الجنسية بكل أشكالها و منها المثلية الجنسية و التبادل و الجنس الجماعي و الساحقية ..الخ في الغرب ..

أصبحت حقا إنسانيا عولميا بما لا تتوقعه الشعوب الإسلامية و لا يتوقعها الإسلاميون و حماة الهوية ...

و سوف تتنامى بحجم أكبر مما هي عليه اليوم و لا يتوقعها أهل الأخلاق و الوطنيون من بلاد المسلمين لكنها زاحفة عليهم ..

هكذا هم المسلمون يتجنبون قراءة موضوعات الإكتشافات العلمية الصادمة مثلا لا حصرا بدل احتواءها و مناقشتها و المساهمة فيها و ذلك في مختلف الحقول ..

و لا يهمهم كيف ترافق الفلسفة قضايا الراهن من إيطيقا و بيواطيقا و عبر- أنسنة و transhumanisme و حرية جنسية و غيرها ..

يعتبرونها فتنة و مروقا و إباحية و إغراء و نقص أخلاق و قلة حياء و ورع ...الخ رفضا بالجملة من غير فحص و فهم و نظر ..

و قد أشرت إلى هذا في مقال اخر حول ممارسة الجنس قريبا مع " الروبوت " و بمواصفات و تأثيرات قريبة من الحقيقة و أشرت إلى قضايا حول العبر- أنسنة ...

سيقللون من خطورة و أهمية هذه القضايا حتى تغزوهم و هم في سبات و هم يعتبرونها تخريفا و مبالغة و مروقا ...

بل في قلوب كل من يتحدثون عنها مرض حتى تأتيهم إلى عقر ديارهم و تباع خلسة أو جهرة في أسواقهم...

و هي منتجات و تقنيات طبية و صناعية و تجارية زاحفة عليهم لا محالة في الأسواق الرسمية و السوداء حتى تترسم إكراها ..

بل ستتوفر يوما ما في المستشفيات و العيادات و ستكون من معروضات القنوات الإعلامية و موضوعاته الإخبارية و أشرطتها الوثائقية ...

و ستباع هذه المنتجات و يقتنيها الناس فماذا تنفع شبابنا و وحدها مواعظ و أحاديث رسولنا الأكرم و دعواته للصيام لاتقاء اثار الشهوة و التقليل منها

و ماذا تجدي خطب الجمعة و محاضرات النت و دروس شيوخ الهوائي التخريفية الا من رحم ربي ..

أي خطاب إرشادي سيصمد أمام منتجات الجنس و غيرها و هي تجتاحه في النت و في الإشهار و في القنوات الفضائية تنكت في دواخلنا العميقة نزعات و نكت ...

هل تكفي حملات التوجيه و الوعظ و التحصين بالدين و الأخلاق و حتى المنع كما تفعل بعض الدول و التي ستغزوها البرامج مهما فعلت و قريبا سنرى ما لم نحضر أنفسنا له ..

ليس تحضير أنفسنا بعقل يقيس الشاهد على الغائب فحسب بل النظر في احتمال بعض محاسنها لعلها توجد و لو بنسبة يسيرة حيث تبعد الشباب عن الزنا بالمباشرة الفعلية ..

و هنا دور الفقه و ما يرافقه من علوم الإنسان و طرح السؤال بعمق هل تدخل هذه الحالات في دائرة الحل أو الحرمة و كيف يتم ضبط هذه الوضعيات ...

لن يحتاج خصومنا إلى إصلاحات تربوية و لا إلى تغيير برامج تعليمية و لا إلى توجس من وزراء التربية في بلاد العرب و المسلمين ومنهم بن غبريط في الجزائر ...

و لا يحتاجون إلى الواقع و قيمه الظاهرة سطحا التي لن تجعل مجتمعاتنا تصمد أمام القوة الإقتصادية و التكنولوجية و العلمية و الثقافية و الطبية و الإعلامية....

من يملك القوة يملك القيمة ( ليست القيمة بمفهوم ديني بل إن ما بعد الحداثة دمرت القيمة الناتجة عن المطلق و عولمتها و راح الغرب ينتج لنا مطلقا أرضيا يخلف المطلق السماوي ) ....

إن مؤسسة البغاء تعربد و تنتشر و ستقتلع حق التواجد و المشروعية القانوية بأكثر قوة و تتحول إلى حق كوني نلزم به يوما ما و يكون محميا كما تحمى الأقليات...

فماذا نفعل لما تصبح هذه المؤسسة حقا إنسانيا و حرية كباقي الحريات و ربما صناعة و تجارة عبر حرية التصرف في الجسدين الإصطناعي و الطبيعي و النصف- نصف..

سيتنافس الطبيعي مع الإصطناعي و الإنسان مع الروبوت و مع الإنسان - الروبوت ....

كذلك مؤسسة المثليةالجنسية و التحولات الجذرية التي تزحف على مؤسسة الزواج التقليدية و منزلتها كنواة أساسية في بناء المجتمع...

إستكون تدميرا ساحقا لمفهوم الأسرة التقليدي و نيلا صريحا من مقاصد الشريعة بطرحها التقليدي و ما يسمى التجديدي و منها حفظ النسل و حفظ النفس و هو أمر لا ينتبه إليه الكثير...

و موضوعات و قضايا أخرى زاحفة و نحن نمارس الإقصاء على كل صوت يوقظنا و يحفز فينا البحث و التأسيس و العقل و الإستشراف .....

ماذا تفعل مراكز دراسات الإسلاميين العتيدة و التقليدية و المعدومة الوسائل المادية و المعنوية و البشرية و المعرفية...

مذا تفعل الجماعات الإسلامية و القومية و العروبية و الأمازيغية أو ماذا تحضرلهذا الزحف...

أين هي و ما هو دورها في الخارج و هل لها حراك قوي داخل منظومة التحولات القيمية المتسارعة في الغرب ..

ما دور الإسلاميين و الأمازيغيين و العروبيين و كل القوميات الإسلامية عشاق الصراعات الأيديولوجية في وقت باتت أدوات نصرة الأيديولوجيا تسحب من بين و تحت أرجلهم....

من لا يفهم أن التدين هو اختبار و إمتحان على الأرض و في السماء و الكون عبر مهمة الإستخلاف الإنساني و الحضاري الواسعة الدلالة...

و التي لا ينتصر فيها الحق و لا تنتصر فيها الفضيلة إلا بسنن التمكين و الفهم الواسع و العميق السياقي و التاريخي لا الأسطوري خارج التاريخ...

أمة لا تنتج دواءها و غذاءها و سلاحها و وسائطها و إعلامها و ثقافتها ...الخ بأفق واسع ولا تتوقع المستقبل و تستشرفه حتى يباغتها ..

لا يجب أن تتوجس توجس الدراويش و لا يجب أن تصطنع الحياء في مواضع لا علاقة لها بالحياء ...

و هي تتناسى أن الله أمرها أمر تكليف معه إلزام و واجب بأن تنفذ هي و معشر الجن من أقطار السموات و الأرض إن استطاعت ...

و أخبرها بأنها لن تنفذ إلا بسلطان .. سلطان علم و خيال يوصل إلى العلم و لا يحده و يقيده و يمارس الوصاية عليه ...

متى تكف هذه الأمة عن تقييد العلم حتى لا يبهدلنا و يفضحنا و يجعل النص رهن التفسيرات العلمية المتقلبة في جزء هام منها تقلب تطور ...

متى نكف عن الوقوف في طريق العلم و هو يتقدم عند غيرنا لا يعبأ بنا ..

متى نكف عن حالة الإسهال المتناسلة من فقه ميت بلا حياة لا نريد إيقاظه و إحياءه و تطويره و تجديده و تجرم كل من يحاول ذلك....

فهو فقه يجب أن يبحث في الموت و الحياة و إطالة العمر و في الانسان النصف إصطناعي و النصف بشري و الروبوتيكي و في الأعضاء الإصطناعية من مختلف الوظائف البشرية و الجنسية ..

متى نعي و ندرك أننا لن ننجح في إيقاف مسيرة العلم و الأجدى أن يدخل " العقل المسلم" في شراكة قوية مع الإنسانية بعد إعادة إصلاح أعطابه و أعطاب التراث الذي يلهمه و تحريره من إنكفاءاته و أوهامه التي تسكنه ..

متى يرافق الدين العلم و يتقدم العقل الدين تقدما وظيفيا لا تبجيلا و تفضيلا ...

فليس كل تقدم أفضلية تبا لفهوم الغباء فقد فهموا القوامة تشريفا و فضلوا الرجل على المرأة و هي تكليف ...

و كذلك فعلوا مع الرئاسة و الإمامة و القيادة و الحكم فقدسوا الحكم و السلطان و حرموا الخروج السلمي عنه فاستبد بهم ....

في كل الأحوال هل يكون سقف الإجتهاد مثلا هو ما جاء في مذهب أبي حنيفة في إباحة الإستمناء للضرورة القصوى ..

مع العلم أنه رأي قديم في الفقه الحنفي غير مرحب به عند غيره من المذاهب و عند المحدثين و هذا أمر غريب...

هل تكون الدمى الجنسية و الروبوت الجنسي لدى الشباب و غيره من أصحاب الليبيدو القوي خلقة بيولوجية - نفسية و الإضطرابات الجنسية شبيهة بقوارب النجاة المؤقتة قياسا على فتوى إباحة الإستمناء عند الأحناف ...

أم نقيسها على فقه يجعل شرب شراب يشبه في شكل تعليبه و طعمه الخمر حرام لأن الأمر يتعلق بالتشبه و التشبيه و بالنوايا رغم أن النوايا من علم لله ...

هل نواصل " بربرة " و دفن غرائزنا و مشكلاتنا و هموم شبابنا في وقت يصح فينا " أن ما خفي كان أعظم " و " ما وراء السواهي من دواهي " ...

هل نواصل تجريم كل سؤال من هذا النوع و تكفير و تفسيق صاحبه لنوقف عجلة الفقه عند فتوى رمي و قذف اللوطي و المثلي من أعلى قمة و جبل بالمدينة التي يسكنها..

هل نواصل لعنة السؤال و لعنة ميشال فوكو و عدم التعامل مع نصوصه و علمه فقط لأنه مثلي و شاذ جنسيا ..

هل نواصل إيقاف عجلة الزمن على نوازل و فقه جزء منه لم يطلع عليه الناس بل كان أكثر جرأة و إقداما ...

كتب علي الطنطاوي كتيبا صغيرا عنوانه " غزل الفقهاء " فاقرأ عن القاضي الشهير أحمد بن خلكان صاحب " وفيات الأعيان في أنباء أبناء الزمان " .

و قصته مع غلام أمرد هو ابن الملك كما أظن و قد كتب فيه شعرا غزلا ( شعر في شاب أمرد ..يكتبه فقيه و قاض شهير..) لكن لم نسمع أنه قذف من أعلى قمة الجبل ...

هل تراني أدعو الناس للفجور و محاربة الفضيلة ...أم أدعوهم للكف عن تنكيس رؤوسهم عن قضايا هي من رحم الواقع و إشكالاته قديما و حديثا و إلى ضرورة مواصلة طرح السؤال ...

هل تراني أدعو الناس للإنفلات من عقال الدين أم أدعوهم لمواجهة واقعهم المخفي و العلني و قد دخل النت و الهوائي بيوتهم ..

بعض التعقل و الورع يقتضي من الفقيه أن يعلم بأن دوره في معالجة الإشكاليات بالطريقة القديمة التي كانت أكثر صراحة من الراهنة قد إنتهى و أن الفقيه نفسه قد إنتهى عالميا...

بعض التعقل يقتضي منا أن نفهم أن الغلق من قلة العقل و الدين معا ...

و أن تشخيص المصالح لم يعد من مهة الفقيه التقليدي و أن الدين علوما و فقها يحتاج إلى مرافقة للعلوم الإنسانية و العقلية و مختلف الثقافات و الفنون...

إختصرت هنا الكلام رغم الطول النسبي للمقال لكنني سأعود إليه إن شاء الله بتفصيل أدق و أعمق..

ليس من الحياء أبدا السكوت عن مشكلات فعلية جنسية و بيولوجية و أخلاقية و إجتماعية و نفسية و ثقافية و عاطفية و غيرها...