جيل الطيبين

صفاء الصالحي
2018 / 7 / 27

فرح وحزن ، ألم وأمل ، سعادة وشقاء ، نجاح وفشل ....
لحظات متضادة تتلون بها محطات العمر لتشكل قوس قزح حياتنا وتضغطها في ذاكرة الدماغ ولعل محطات الدراسة تشكل ابرز تِلْك المحطات " الزمكانية " التي تعبأ بمشاهد الحياة وأصوات اناشيد الطفولة التي تتراقص لليوم في اذانينا وأسماء زملاء ولحظات جميلة ولكل محطة عبق طِيب حمل نكهة جيل أُشرب المعنى الحقيقي لأحترام الوالد والمعلم والقيم والعادات والأعراف الاجتماعية ، جيل تربى على المحبة والتسامح والصفح والاعتراف بالاخر .
الابتدائية اول تلك المحطات التي لا يمكن ان تُمسح من الذاكرة رغم الكم الهائل من الأحداث والذكريات التي ضغطت بعدها الذاكرة لانها كتبت على صفحات بيضاء بقلوب نقية وارواح بريئة باذخة في طهرها وعفتها الفرح والسعادة يملئان حياتنا ، ذاكرتي التخيلية تسترجع دوماً صور الاستيقاظ المبكر والخروج المبكر للدوام الصباحي متجهاً الى باب زميلي من أبناء ( المحلة ) ليرافقني طريق المدرسة الطويل ويبدء حديثنا الصباحي بوصف مشاعرنا من رياح الشتاء ثم استعراض الايادي المزرقة من قرصات البرد فلا خطوط نقل كما هو اليوم ( مدللين في كل شئ) تخطو الاقدام ونحن متلهفان لرؤية زملاء اخرين ولممارسة طقوس اليوم الدراسي الجديد ، حتى ينتهي ذلك اليوم بلحظات حزينة ونحن نودع زملائنا من الحارات الاخرى في طريق عودتنا من نهاية يوم دراسي مليئ بالاحداث ( مشاغبة ، مذاكرة ) انتهى بالتعب والجوع ورغم الألآم ضغطت الذاكرة تلك اللحظات "لحظات سعيدة " .
الثانوية المحطة الثانية من محطات الدراسة ولكل محطة سمات تختلف عن الاخرى وحين نستدعي ملفات تلك المحطة من ذاكرتنا نجدها صفحات ضاحكة مشرقة مليئة بذروة النشاط والحيوية وعنفوان الشباب ، يقول سقراط ( لا شئ صعب بالنسبة للشباب ) ، لكنها أخطر المحطات تتعرض فيها الى صراعات داخلية وخارجية فهي محطة تبتعد فيها عن الطفولة وتقترب من النضج العقلي والنفسي والاجتماعي والجسمي ، وتمر بضغوط نفسية على صعيد العلاقة مع الوالدين والاخوة ، والمدرسين والزملاء ، والجنس الاخر وعلى الرغم من كل الضغوط فغرائزنا غير منفلتة من عقالها ونعيش في عالم جميل محكوم بالقوانين مليئ بالحب والوئام خالي من النزاع والكراهية لا تخشى خطر باغت ولا ارهاب عابث . فذاكرتي التخيلية تسترجع دوماً الصباحات الباكرة وحالة الارباك التي تسود المنزل فالكل يتهيأ للذهاب الى المدرسة ثم يجلس الكل على مائدة الافطار وعلامات التوتر غير غائبة على الوجوه فذاك نعسان وذاك بردان وذاك لم يعد دروسه جيداً يحاول ابي ان يقلل من هذا التوتر رافعاً صوت المذياع بأغنية فيروز ( إحكيلي إحكيلي ...عن بلدي إحكيلي ...يا نسيم اللي مارق عالشجر مقابيلي ... عن أهلي حكاية عن بيتي حكاية ... وعن جار الطفولة حكايي طويلي ... ) . ضغطت الذاكرة لحظات تلك المحطة "الاجمل والاسعد " وعلى رغم من قلقنا المغمور بالحلم وألأمل ان نعيش الحياة الجامعية ونحن نخوض غمار الامتحانات النهائية للسادس الإعدادي نسعى جاهدين لترجمة أحلامنا الى واقع والوصول الى الجامعة ،وبعد جهد جهيد أصبحت احلام الامس حقيقة ونحن نسير الخطى داخل الحرم الجامعي بأستغراب ودهشة باحثين عن قسم التسجيل لنقيد اول الخطى في الدراسة الجامعية . ماذا يدور داخل الحرم الجامعي وفي هذا العالم الجميل؟ ؟ أسئلة كثيرة تدور في خواطرنا ؟ ؟ فأجواء الحياة الجامعية تختلف اختلافاً كبير عن أجواء الدراسة الإعدادية ( الاستقلالية والاعتماد على النفس ،الوضع المادي ، المنهج العلمي الجديد، عدم معرفة الآخرين ، التكيف الاجتماعي والتعامل مع الجنس الاخر ) كلها هواجس ومخاوف تسرق منا فرحة الأيام الاولى في هذه المحطة وسرعان ما تتلاش الهواجس وتذوب ما ان شعرنا بأنا نكتمل الأهلية للتصرف باستقلالية ومكيفين مع اروع المحطات الدراسية حيوية ومتعة وجمال بكل تفاصيلها حياة بطعم الشهد لياليها أفعمت بالمذاكرة واللطائف والمقالب والتسامر والضحكات نقضيها في الأقسام الداخلية و الاناقة والاهتمام بالقيافة عناوينها الصباحية الابرز لبداية طقوس اليوم الدراسي الجديد وتحيتنا الصباحية الباسمة على حد سواء مع ابن البصرة والسليمانية وبغداد ولم نغرق يوماً في خيالات وسراديب تعصيبة او ثارات تاريخية ولا يخشى احدنا الآخر كنا ندرك ان الحياة تحلو بالتسامح والتعايش والاعتراف بالاخر خليط متجانس من مختلف الأفكار والاتجاهات ولأساتذتنا الجامعين الفضل لذلك التجانس وبناء شخصيتنا في مختلف جوانبها المعرفية والمهارية والنفسية وصقلها وتوجيهها لطريق النجاح لنكون صناع المستقبل .وسرعان ما يمتزج الفرح بالحزن بعد مسك الختام المباغت ففرحة التخرج تفسدها ألآم فراق الأحبة وانتهاء محطة الدراسة الجامعية . ذاكرتي التخيلية رغم استدعائها جميل تلك الأيام واللحظات لكنها غالباً ما تمتزج بالحزن والأسى مستذكرة أشد اللحظات الماً حين استذكر كلمات زميلي من محافظة ذي قار الشهيد حسين كاظم حينما كتب في سجل ذكرياتي بأيدي مرتجفة ودموع منهمرة على خده ( حان الآن موعد الفراق ونحن متوجهين الى كراج النهضة ليفرقنا القدر الى الناصرية وجلولاء والبصرة والعمارة فان لم تجمعنا الأيام ستجمعنا الذكريات اكتب وقلبي يحترق من شدة الفراق بعد ان جمعتنا المواقف الانسانية وانبثقت من إنسانيتنا كل جميل وستسمو بِنَا إنسانيتنا قمم السعادة ) .
تلك هي محطاتنا ضغطت بها الذاكرة على شكل تحفة اثرية صيغت بقالب جمالي نستدعيها دوماً من الذاكرة ولا نطيل أمد البحث طويلاً للوصول الى أجملها واسعدها فلقائنا بمن شاركنا المواقف الانسانية وتلك الذكريات باسم الثغر أوجز وأقصر الخطوات للوصول الى الذاكرة .

يقول كونفوشيوس
[ للسعادة رافدان أزليان بساطة و طيبة ]