عبد الوهاب البياتي حين ينشغل الشاعر باليومي والعابر ويترك الأسئلة الكبرى

شكيب كاظم
2018 / 7 / 26

لعل شاعراً عراقياً أو عربياً لم يحظ باهتمام النقاد والدارسين, مثلما حظي به الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي (19/12/1923-3/8/1999) ولعل ذلك ناتج عن علاقاته الواسعة على مستوى الوطن العربي والعالم مع النقاد والباحثين فضلاً عن ركوبه لموجات السياسة, واليسار تحديداً في عقود تألق أفكار اليسار عالمياً, وما كان هذا الاهتمام ناتجاً عن علو شاعرية وإبداع لذا لن ادرس هذا المجال لأن كثرة الدارسين كفونا مؤونة البحث فيه بل سأدرس الجانب الحياتي والسلوكي لهذا الشاعر الذي كثر القول فيه, ولن أقف عند الجانب السلبي وهو كثير, بل سأشير –أيضاً – إلى جوانب الإيجاب.
ظل هذا الإنسان, الذي لا ينجو من كرهه وشواظ لسانه أحد, ولا أقول قلمه, فقلمه يعد شاهد إثبات عليه, لذا يحاول التملص, فيهجو البعيدين, يهجو شعراء العراق حينما يكون خارجه, ويشتم شعراء العرب حينما يكون في العراق.
ظل هذا الإنسان الذي لا ينجو من كرهه أحد, في ضمن مشاريعي الثقافية, كي أحاول درس هذا السلوك السادي, والتأرجح الفكري والسياسي, إذ بدأ حياته قومياً عربياً, وهذا ما يؤكده وثائقياً, زميله في الدراسة بدار المعلمين العالية (1948-1952) الأديب التونسي أبو القاسم محمد كرو, إذ يذكر في كتابه المعنون بـ (عبد الوهاب البياتي بين الذكريات والوثائق) والصادر عن دار المعارف للطباعة والنشر بمدينة سوسة التونسية بطبعته الأولى عام 2000, بعد ان يشير إلى رحلات البياتي المتجددة بين الأيديولوجيات المتعددة, والى حقيقة الاتجاه العقائدي عنده, والدوافع الخفية التي جعلته دائم التنقل, كثير الترحال والمحطات بين أيديولوجيات القاهرة وبغداد وموسكو وباريس, مؤكداً (( إذ ان الذي يعنينا هنا هو شعور البياتي الذي كان في سنة 1949 شعوراً قومياً عربياً)) تراجع ص 27 من الكتاب آنف الذكر.

اقصى بدراً
وإذ لا افترض في الإنسان, أن يكون حجراً أصمَّ, وتمثالاً رخامياً, لا تحركه تطورات الحياة, ولاسيما إذا كان شاعراً مرهفاً, فان الذي يعنيني, تغيير جلده السياسي والفكري, كي يحاول الإطاحة بغريمه المسكين بدر شاكر السياب (1926-1964) الذي جاء إلى الحزب الشيوعي العراقي, بكل بساطة وبراءة ليضع إمكاناته في خدمة أفكار هذا الحزب, فجاء هذا الماكر إبن الأزقة المنغلقة على ذاتها والمعبأ بالكره كي يقصيه عن مكانه المعنوي هذا, فمنذ سنوات بعيدات (1972) أخبرني أستاذي الدكتور صلاح خالص (1925-1986) الذي كان أستاذاً لنا في كلية آداب الجامعة المستنصرية, قسمها المسائي, ويدرسنا مادة الكتاب القديم (1971-1972) وكنت أزوره في مجلته المستقلة (الثقافة) في زمن تصاعد الادلجة, وصوت الرأي الواحد, أخبرني بأن عبد الوهاب هذا قدم مقترحاً للحزب الشيوعي, بأنه على إستعداد لأن يكون شاعر الحزب, إذا أقصي (بدر) وإنهم القيادة الشيوعية, بصدد مناقشة هذا العرض, ولقد كان الدكتور صلاح خالص – وهذه شهادة للتأريخ الثقافي والسياسي العراقي – رافضاً لهذا العرض, احتراماً لجهود بدر, محبذاً ان يكون عبد الوهاب وبدر, شاعري الحزب, رافضاً هذا الشرط الإقصائي الكاره, فالدنيا واسعة, وتسع أكثر من صوت ولكن... لعبت الأهواء بالآراء فحصل الإقصاء, إقصاء بدر, وتأتي شهادة الشاعر العراقي الكبير عبد الرزاق عبد الواحد (1930-8/11/2015) لتتوافق مع شهادة أستاذي صلاح خالص التأريخية, إذ كان ابن عم له اسمه (سليم غاوي عبد الجبار) كان طالباً معهم في قسم اللغة العربية بدار المعلمين العالية, أواخر أربعينات القرن العشرين, يصفه عبد الرزاق بأنه كان مشروع ناقد يلفت النظر, لولا ان تشعبت به سبل الحياة, يكتب دراسة نقدية بالغة الذكاء, بالغة الدقة, عن ديوان (أباريق مهشمة) لعبد الوهاب.
ارسل سليم غاوي عبد الجبار الدراسة هذه إلى مجلة (الثقافة الجديدة) لكنها ما نشرت, ضاعت أو ضيعت, ويوم ذهبا, سليم وعبد الرزاق على مقر المجلة, للسؤال عن الدراسة, أجابوهما:
- شاعر كسبناه... فما المصلحة في ان تهاجموه؟!

ضعف أداته الشعرية
وكان سليم هذا قد طلب اللقاء به لغرض قراءة دراسته على مسامعه, والتقوا ثلاثتهم في المقهى البرازيلية, وكانت خلاصة دراسته تتركز في ان سبب الغموض الذي يكتنف المجموعة الشعرية (أباريق مهشمة) راجع إلى أحد سببين: إما ان عبد الوهاب البياتي طارئ على الفكر التقدمي, لم يستطع استيعابه بعد ولا تمثله ليكتب عنه بوضوح كي يوصله إلى الناس, أو ان أداة الشاعر ضعيفة, أي شاعريته ضعيفة إلى الحد الذي لا تنهض بمهمة التعبير عن أفكاره بوضوح, وكانت المفاجأة أو الفاجعة إقرار عبد الوهاب بالسبب الثاني, وهو ضعف أداته الشعرية, وهو ما يلمسه بوضوح قارئ شعره.
هذا الفكر الذي أدعى الانتماء إليه’ وهو لا ينتمي لأحد سوى لنفسه, وكان هو سبباً في إقصاء بدر وعيشه أزمته الوجودية والنفسية, وكانت سبباً في هجرته العراق نحو إيران ومن ثم نحو الكويت, ليكتب رائعته (غريب على الخليج), وعجلت بموته, سرعان ما تخلى عن هذا الفكر, صارخاً في مقابلة أجراها معه الأديب والناقد المصري غالي شكري (1935-1998) ونشرتها سنة1972 مجلة (دراسات عربية) اللبنانية الرائعة والمحتجبة – للأسف – صارخاً بما يشبه البراءة وقد وضعها غالي شكري عنواناً رئيساً للمقابلة المنشورة (انا لست شيوعياً) مردفاً زيادة في التوضيح وإيغالاً في البراءة ((وإن على من ينظر إلى شعري أو حياتي وفق هذا المنظور, ان يصحح نظرته, فأنا لست شيوعياً وانا ما انتميت إلى الحزب الشيوعي يوماً!!
وإذ يدافع الشاعر العراقي المغترب حميد سعيد, ويبدي رأياً إيجابياً فيه, لدى لقاء الأديب حسين الجاف به, الذي كان مع عدد من الأدباء العراقيين في ضمن الوفد المشارك في مؤتمر الأدباء العرب المنعقد في البحرين عام 2012, واصفاً عبد الوهاب بالإنسان في غاية اللطف, وحين يسأله الجاف عما يثار من نثار غبار بشأن شخصيته وشعره, قال أبو بادية ما نصه: ما يثار بشأن ذلك مصدره خلافات شخصية لاغير... إنها خلافات شخصية محضة)). تراجع مقالة الجاف . الزمان20/11/2014.
ولعل الشاعر حميد سعيد يقصد أحاديث الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد التلفازية, فضلاً عن مذكراته وذكرياته, التي أعاد نشرها أكثر من مرة, الأولى منتصف عقد التسعين من القرن العشرين, على صفحات ثقافية جريدة (القادسية) وأعادها ثانية على صفحات الف ياء جريدة (الزمان) منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين, وليثلثها منتصف العقد الثاني من القرن ذاته, لكني أود الإشارة إلى مقالة قرأتها في الثمانينات الماضيات, تحدث فيها أبو بادية – المعروف بخلقه العالي المهذب- عن زيارتهما للقاهرة, وإلتقائهما بأدباء مصر, فكان عبد الوهاب يقدم حميداً اليهم بوصفه أول رئيس للاتحاد الوطني لطلبة العراق! حتى إذا ذهبا إلى كورنيش النيل للتنزه ويطيب لهما أكل شواء, فان عبد الوهاب يطلب من عامل الشواء هذا ان يعتني بطعام أبي بادية, واصفاً إياه بأنه أحد كبار الشعراء في العراق, فيداعبه أبو بادية, وقد فهم مغزى هذه المفارقة المؤسية والمضحكة قائلاً لعبد الوهاب:
- ما تذكرتني شاعراً إلا هنا وأمام هذا الرجل البسيط, الذي لا يفهم الشعر ولا يأبه للشعراء؟! في حين تقدمني إلى المهتمين بهذا الشأن من شعراء ونقاد بوصفي أول رئيس للاتحاد الوطني لطلبة العراق!
وإذا أردنا أن نطوي كشحاً عن أقوال عبد الرزاق عبد الواحد الذي شعر بالنفور منه في أول لقاء لهما, يوم أهداه ديوانه الأول في ساحة دار المعلمين العالية أواخر أربعينات القرن العشرين كانت كلماته بالغة اللطف... وكان صاحبها مفرطاً في الدماثة, لأنه كان يشعر بحياديته, وغربته عنه وبالكثير من التصنع, حاول معه أن يبدو أستاذاً حتى في تواضعه, ولهذا نفرتً منه, ولن أقف عند الفجوة التي كانت بين عبد الوهاب وبدر, هي نفسها - إن لم تكن أكثر اتساعاً- بين عبد الوهاب وجميع شعراء المجموعة التي عاش معها, ولن اذكر تدليسه يوم أعلن استعداده للأعتناء بنشر ديوان عبد الرزاق الأول (طيبة) فيكتب مقدمة لهذه المجموعة الشعرية – من غير الرجوع إلى عبد الرزاق- وفي المقدمة الكثير من المدعيات منها: كان عبد الرزاق يقرأ لي أكثر قصائده التي يكتبها, فكنت أرضى كل الرضى عن بعضها, وأسخط كل السخط على بعضها الآخر!
وهذا هو بيت القصيد, أن يشعر القارئ بأستاذيته , وثانياً كي يؤكد ضعف الكثير من شعر عبد الرزاق , وهذا مبتغاه, ولو كان هذا حقاً لما أزعجه, لكنها مجرد تخرص وتدليس.

لا ينجو من شواظ لسانه أحد
أقول: وإذا أردنا ان نطوي كشحاً عن أقوال عبد الرزاق, فهل لنا أن نقدح بما كتبه الصحفي المتمرس, وصاحب القلم الذي يعف عند المغنم, زيد الحلي؟ فلقد قرأت رأيه غير الإيجابي بعبد الوهاب, إذ جمعتهم جلسة شراب في مطعم خان مرجان في شارع السمؤال, وكان هذا الخان في عقود خلت, قبل الحملة الإيمانية, مكاناً للأنس والاستمتاع بالمقام العراقي والأغاني التراثية العراقية, ضمتهم: الكاتب الموسوعي عزيز السيد جاسم, وعبد الوهاب , وزيد الحلي, الذي لمس فيه ما يشبه الاستعلاء, وما تشبه السادية في التصرف والقول, وإذ خشي الإفصاح عن مكنوناته أمام السيد عزيز لحضوره الطاغي وقوة شخصيته, فانه إهتبل أول فرصة سنحت – وقد ذهب السيد لأمر ما – لينال منه متهكماً قادحاً.

ينكر محمد الفيتوري
وإذا كنا نرتاب في بعض أقوال عبد الرزاق, وأنا لست من المرتابين, ولكن تماشياً مع ريبة من يرتاب, فهل لنا ان نرتاب بحدث الشاعر السوداني الراحل محمد (مفتاح) الفيتوري (1936-2015) حديثه الملتاع هذا, نشره الأديب التونسي أبو القاسم محمد كرو في كتابه آنف الذكر, الذي نشرته مجلة (الوسط) أول مرة بعددها393 الصادر في 9/آب/1999 الذي كان أشد ما يؤلمه ان عبد الوهاب ينكر حتى معرفته بشاعر بهذا الاسم؟!
إذ جاء فيه: (( أما الآن, وقد فرق بيننا الموت, فهل اسمح لنفسي بكلمة عتاب إلى الصديق الذي أفجعني فقده؟ أنكرت ذات يوم معرفتك بي, أو بالأحرى قلت في أجابتك لصحيفة (العلم) المغربية, حين سئلت عن محمد الفيتوري وما رأيك في شاعريته؟: لي أصدقاء يحملون هذا اللقب, وأنا لم أعرف شاعراً بهذا الاسم, وثمة عتاب آخر, لماذا ظللت طوال حياتك تنكر حق الآخرين في مشاركتك الشعر والحياة؟ لم يحدث أن تنازلت لأحد معاصريك, وأعلنت اعترافك به, ابتداء من نزار قباني ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور, وانتهاء بسعيد عقل وخليل حاوي وحميد سعيد .... وصولاً اليَّ, وأنا لم أطمح قط إلى تاج الشعر الذي كنت تضعه على رأسك, دونما رضا أو قناعة الآخرين)) تراجع ص 15 من الكتاب آنف الذكر.
مضيفاً الفيتوري في مقالته المشار إليها آنفاً, إنهما سبق وان جمعتهما غرفتان متجاورتان في مبنى جريدة (الجمهورية) المصرية, بوصفهما شاعرين عربيين مساعدين لرئيس القسم الأدبي حينذاك عبد الرحمن الخميسي, ولكنهما برغم هذه المزاملة الطويلة والجيرة المكانية والثقافية, ظلا بعد ذلك بسنوات طويلة لا يتصافحان إذا إلتقيا على كثرة المناسبات الثقافية التي جمعتهما.
الفيتوري – لعلو خلقه وبساطته – ما شاء ان ينسب هذا الجفاء لعبد الوهاب وحده, بل أشرك نفسه فيه, وأنا موقن – على قلة ما أوقن به وأجزم, فالدنيا حمّالة أوجه ونظرات متعددة – ان عبد الوهاب كان هو المجافي الجافي لهذا الشاعر المسكين البسيط, مع ان الفيتوري يعترف بشهرة (ع.هـ) الواسعة وحظوته العالية لدى النقاد والملتفين حوله من مثقفي اليسار, وكان وحده الفيتوري, إلا من محدودة من حفنة الرفاق العرب والمصريين.
وإن كنت أرغب للفيتوري لو كتب حديثه هذا في حياة (ع.هـ) لكان ارصن وأجدى, لأنه وقد مات (ع. هـ) يكون أشبه بتصفية حساب, مثلما انتظر جهاد فاضل وفاة نزار قباني ليؤلف كتاباً ما وجد منقصة فيه إلا الصقها بنزار, حتى اتهمه بالعجز الجنسي, وإن غزلياته ما هي إلا تغطية على هذا العجز, وإني لأسمح لنفسي, أن أتساءل: ترى كيف اختبر عجزه الجنسي هذا؟!

شهادات إيجابية
ولكي لا ندرس الأمر من جانبه غير الإيجابي, كما أوضحت في صدر حديثي هذا, فأني أشير إلى عديد الدراسات والشهادات الإيجابية بحقه, ومنها كتاب (صلوت العاشق السومري. عبد الوهاب البياتي. قراءة وموقف) للباحث العراقي المغترب عذاب الركابي الصادرة طبعته الأولى سنة 1997, الذي أهدتنا إياه وإضمامة طيبة من إصداراتها (دار أزمنة) في عمان, في مبادرتها الجميلة لإهداء مطبوعاتها إلى الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق في تلك السنوات, فضلاً عن كتاب (الحياة في الحامية الرومانية. سيرة أخرى للمثقف العراقي) للأديب العراقي المغترب هادي الحسيني ونشرته دار نينوى بدمشق بطبعته الأولى عام 2014, وأدرت عنه حديثاً نقدياً نشره ملحق (أوراق) بجريدة (المدى) الصادر يوم الأحد 17/1/2016, ففي الكتاب إشادة بـ (ع.هـ) ومجلسه السخي, ومساعدته للأدباء العراقيين أيام الجوع والحصار (1990-2003) فضلاً عن شهادات للشاعر العراقي المغترب عبد الرزاق الربيعي.
أرى أنه يكون لطيفاً مع الذين لا ينافسونه, أو يسعى هو إلى منافستهم في (كار) الشعر, ومنذ الأزل تكاره أصحاب المهن الواحدة, والمواهب المتقاربة, وهل غاب عن بالنا, أفاعيل الوشاة في مجلس سيف الدولة الحمداني, الكارهين للمتنبي, الذين كانت توغر صدورهم بالحنق والكره, حظوة الشاعر عند الأمير الحمداني, وإنشاده الشعر جالساً قريباً من مجلسه, ولا يقبل الأرض بين يديه, حتى شجَّ الفارسي ابنُ خالويه رأسه وأسال دمه على وجهه, فجأر المتنبي العظيم بالشكوى مخاطباً سيف الدولة:
أزِل حسدَ الحساد عني بكبتهم فأنت الذي صَيَّرتهم لي حُسدا
مخاطباً إياه بصيغة الأمر (أزل) وما لبث أن غادره, نحو مصر حيث كافور الاخشيدي. حتى أن المتأدب الصاحب بن عباد, الذي لجأ إليه المتنبي بعد مبارحته مصر, قابله بكل الجفاوة فعاد إلى موطنه العراق يجر أذيال الخيبة ليقتل تلك المقتلة, وما أظن إلا إن ابن عباد هذا كان وراءها! ولن أقف عند المكائد التي تعرض لها إبن خلدون والحديث في هذا الجانب يطول.
قد نجد له بعض عذر في كره منافسيه ومجايليه, لكن ما باله لا ينجو من شواظ لسانه, الشاعر والأديب الناثر فوزي كريم, الذي كان في بداية الشوط ولايمثل خطراً على عرش (ع.هـ), يرد ذكر الشاعر فوزي كريم في جلسة جمعتهما (ع.هـ) وعبد الرزاق فبدل ان يذكره, يحاول التقليل من شأنه, قائلاً هذا فائز, فواز هذا اليرتل, أي الذي يلثغ, وعبد الرزاق يعرف ماذا يقصد (ع.هـ) لكنه عبد الرزاق نكاية به يظل يوحي له بعدم معرفة الذي يقصده! يحاول التقليل من شأنه لسبب في نفسه, كذلك ما شأنه بالشاعر الوديع رشدي العامل (توفي 1990)؟
في الكتاب الوثائقي المهم الذي الفه أديب تونس الكبير الراحل أبو القاسم محمد كرو (1924/-4-4-2015) والذي أشرت إليه في صدر حديثي هذا, وثائق وحقائق عن السلوك المؤسف لهذا الشاعر, مع صديق قديم وزميل بالدراسة في دار المعلمين العالية ببغداد, كان يغدق عليه دعوات للمشاركة في النشاطات الثقافية التي تعقد في تونس, لكنه كان يقابل هذه المودة, بالصدود والنكران والجحود.
سنة 1973, يزور تونس بدعوة من اتحاد كتابها, في ضمن وفد رأسه الجواهري الكبير يعرض أبو القاسم, وكان سكرتير المؤتمر ومنسق أعماله يعرض إلقاء شعره على الجواهري الكبير بوصفه رئيساً للوفد, يعرض مشاركة (ع.هـ) فيوافق الجواهري الكبير من غير ما تردد, لكنه يرفض المشاركة هو المعروف بعدم إجادته إلقاء شعره, فالإلقاء موهبة, ولعل لخفوت صوته أثراً محبطاً, يرفض المشاركة حتى لا يسمع قصائد الشعراء المشاركين, غيرةً وتعالياً فارغاً, الأمر الذي أزعج أبو القاسم قائلاً له: لماذا دعيت إذن؟ هل لمقابلة النساء فقط.
أبو القاسم محمد كرو يؤكد, كان يمكن ان يمسي البياتي الشاعر الكبير حقاً, لولا كرهه الشديد لغيره من الشعراء, لاسيما المجيدين منهم أمثال محمد مهدي الجواهري, ونزار قباني, وبلند الحيدري, ونازك الملائكة, ومحمد الفيتوري, ونحن نعرف نرجسية الشعراء, ولكن هذه النرجسية بلغت مداها الأقصى عند البياتي, وشديد الإعجاب بالنقاد الذين يمدحونه, ويكتبون عنه ما يسره, وقد ساهمت كثيراً في شهرته العالمية, رحلاته إلى مختلف عواصم العالم. تراجع ص14 من كتاب أبو القاسم.
هو ما قابل أفضال أبو القاسم بالنكران فقط, بل سبق وان قابل إحسان الجواهري الكبير عليه, يوم كان يعمل الجواهري على تأسيس إتحاد الأدباء العراقيين عام 1959, ولدى إجراء انتخاب أول هيئة إدارية للاتحاد, التي أجريت في دارة الجواهري بالأعظمية, وكان ضمن المرشحين (ع.هـ) ووضع الجواهري كل ثقله كي يفوز هذا, لكنه خرج خالي الوفاض, كما دخل لمعرفة الأدباء بدخائله, وظل الجواهري يطيب خاطره كي يتجاوز أزمة فشله في الانتخابات, حتى إذا دالت الدنيا بأبي فرات, واضطر لمغادرة العراق خريف سنة 1961 تحت سطوة (الجنرال) وغضبه عليه, لأنه كتب ما لايرضيه, إهتبلها هذا ليكتب مقالاً شاتماً, جعلت الجواهري يشعر بالأسى, لكنه لطيبته عدها هفوة أو كبوة قلم قد تصحح, لكنه أردفها بثانية مقذعة كي ينفس عن دخائل النفس وسخائمها, ليزداد الجواهري إحباطاً وألما.

ماذا قال الطاهر بشأنه؟
وما زلت والدارسون الجادون, نستذكر الحملة الصحفية التي شنها ضد الجواهري الكبير سنة 1971, واستمرت حتى السنة الموالية, تناغماً مع آراء الناقد المصري محمد النويهي (1917-1980) الذي فجر قنبلة دخانية فارغة, صارخاً في أول مربد عقد بالبصرة في تلك السنة 1971, لقد أنتهت مرحلة الجواهري, كما كنت المس حنق وغيرة الناقد المصري وأستاذي أيام الدرس الجامعي, الدكتور كمال نشأة, على الجواهري الكبير, الذي كان يحدثنا عن الاستقبال الحافل الذي كان يقابل به الجواهري, لدى دخوله قاعة المؤتمر, عاداً هذا الدخول وإحتفاء الناس به, نوعاً من الفوضى! كما لمست إحباط وغيرة أستاذي كمال نشأة يوم زارنا الشاعر السوداني محمد الفيتوري, مساء الاثنين 20/12/1971, في كلية الآداب والقى قصيدة في قاعة ساطع الحصري, لرثاء محمد محجوب زعيم الحزب الشيوعي السوداني الذي قتل إثر فشل انقلاب هشام العطا في تموز 1971 ضد الرئيس السوداني جعفر النميري, فضلاً عن عدد من قصائده الوجدانية.
أقول: لقد ظل يهاجم الجواهري في الصحف, وانقسم الناس بين مؤيد له, وللجواهري, ليحسم استاذي الدكتور علي جواد الطاهر, الأمر قائلاً ما معناه إن من المعيب ان ننشغل بمثل هذه الآراء, إذ من غير المعقول ولا المقبول حتى مجرد المقارنة بينهما فالبون بينهما شاسع في كل أمر, فالجواهري أكبر من أن يقارن به, وتأثيراً وأهمية.
وإذ وقفت على آراء الدارسين والمزاملين له, على مستوى السلب والإيجاب, فإني لأرغب ان أختم حديثي ببعض الذي فاه به (ع.هـ) للصحفي موسى برهومة في عمان, في حوار نشره الأستاذ أبو القاسم في كتابه الذي ذكرته آنفاً, نقلاً من مجلة (الوسط) عددها المرقم 393 في 9/8/1999 والذي وضع موسى برهومة عنواناً له هو: قصيدة السياب مطلبية ونازك الملائكة غارقة في الذاتية, شكاني نزار إلى صدام, وجمهور أدونيس من الصابرين, والعنوان يشف عن الأقوال الصادمة الكارهة التي سيفوه بها.
يمهد برهومة لأقوال (ع.هـ) قائلاً ... كانت إجاباته متدفقة وذاكرته متوهجة وخياله جامحاً... ولسانه سليطاً, لكن قلبه ظل على الدوام واسعاً وابيض . إتهم ادونيس بتسطيح الحداثة العربية, والسياب بـ (النزق الغيور) وبأن نزار قباني استقوى بصدام عليَّ, بسبب نقدي المتواصل لقصائده, وإذ يسأله برهومة, وهل كان بينك وبين قباني ما يجعله يقدم على هذه الخطوة؟ يجيب هذه الواقعة حدثت, وابلغني بها صديق يعمل في رئاسة القصر الجمهوري العراقي, وقد سمع شكوى قباني بأذنيه الاثنتين!.

يطلق التهم جزافاً
وحين يسأله برهومة عن ردة فعل الرئيس يجيب :
- لست أدري , لكن كيد قباني أرتد إلى نحره.
ويواصل الأستاذ موسى برهومة محاصرته, هو المرتاب في مدعيات (ع.هـ) سائلاً إياه:
- وماذا فعلت بقباني, غير النقد حتى يلجأ إلى شكواك للرئيس؟
فيأتي الجواب متهافتاً ضعيفاً
- أنا ماذا فعلت أم هو ماذا فعل بي. إلا يكفي أنه طبع لي ديواناً في دار النشر التي يمتلكها من دون ان يعطيني فلساً من أتعابي؟!
وإذ يسأله محاوره (موسى برهومة) لقد هاجمت الفيتوري مراراً ووصفت أدونيس في الحداثة العربية المعاصرة بـ (السطحي) فهل كنت مرغماً على ذلك أيضاً؟
ويأتي جوابه الصاعق المؤسف المتنابز بالألقاب!
-لن أتحدث عن الأول الذي اشبهه بـ (....).
أما الثاني فهو مجدد على طريقة أبي تمام, حيث أن حداثته ليست لها جذور فلسفية, أو وجودية, وهي تنطلق من الكلمة إلى الكلمة, وتقفز من اللفظ إلى اللفظ, ولا تحدق فيما وراء الكلمات والألفاظ, وليس في الجهد الذي يبذله ادونيس اية معاناة حقيقية, فالحداثة والتجديد ينبعان من المعاناة الروحية والمادية معاً (...) فهو يجلس متأملاً وقارئاً, ويعيد إنتاج ما قرأ, واحياناً بالأسلوب نفسه, أو يعكسه, ولكنه لا يدرك بواطن ما يقرأ, ومعاناة الذين كتبوا ما يقرأ, وهذه حقيقة , وليست نقداً له, ولهذا فان تأثير ادونيس يكون سطحياً ولفظياً.
هو ينفس عليه كل شيء ويحاول تجريده من كل شيء, ينفس عليه إستقراره الحياتي والاقتصادي, ونظرته قاصرة, تجعل الإبداع رديفاً للمعاناة. والفقر, وما درى (ع.هـ) ان الفقر يحرق كل شيء والمعاناة إذا زادت عن حدها الطبيعي, تئد المواهب والقرائح وأني لأعجب من هذا الربط المتعسف بين الفقر والإبداع, إذن لنلغ إبداعات تيدهيوز ورولينغ وماركيز والقائمة تطول.
موسى برهومة وقد عرف نفسيته يسأله سؤالاً, يجعله في زاوية محاصراً لايستطيع منها زوغاً ولافكاكاً, لكن لأدونيس حضوره وجمهوره الواسع قراء ونخبة, وفي جوابه (ع.هـ) لا يوفر أحداً, وإذ صفى حسابه مع أدونيس فأنه يتوجه لتسفيه جمهور ادونيس وقرائه النخبويين واصفاً إياهم بـ (( المدللين أو العابرين, أو الهامشيين الذين لم يعانوا محنة الوجود)).
وإذ قلت لا يترك أحداً من غير ان يقدحه ويذمه, منقباً عن نقاط عدم الالتقاء, فيأتي جوابه عن محمود درويش, الذي وصفه موسى برهومة بالشاعر الأول, وهل تثير هذه الشهادة حساسيته؟ وثانياً ماذا بشأن أحمد عبد المعطي حجازي!
يجيب (ع.هـ) لا أؤيد مقولة الشاعر الأول, وأنا لا أؤمن بتقسيم الشعراء إلى طبقات كما كان يفعل القدماء, ويبدو انه تذكر ان ظل في جعبته شيء لم يقله عن ادونيس ليستدرك قائلاً: لكن شعر ادونيس يبدو جيداً للقارئ الذي لا يعرف ماهو الشعر!
وإذ يتذكر (ع.هـ) أنه لأنشغاله بأدونيس, نسي التعريج على أحمد عبد المعطي حجازي, فيأتي جوابه مدافاً بكل الكره والإقصاء فهو لايريد ان يتكلم عن هذا الشاعر بالاسم, ولن أقف عند ركة العبارة المأخوذة من العامية مختتماً حديثه: وأنا يهمني ما أنتج الشاعر, حتى لو عاش سنة واحدة ليفسر قوله هذا بان شعر حجازي لايعدو لغواً وهراءً, فهو قال كل الذي يريد قوله في سنواته الأولى.
وعود إلى بدء, وعود إلى ما بدأنا الحديث به, في مسألة إقصاء بدر شاكر السياب, ظل كارهاً له حتى بعد وفاته, فما زال في الذاكرة حديثه في عدد خاص أصدرته مجلة (الف باء) العراقية منتصف سنوات العقد الثامن من القرن العشرين, كان مخصصاً لذكرى رحيل بدر, ما خففت سنوات الرحيل من غلوائه وكرهه, فكال له الف صاع وصاع, مع ان أمور الحياة السوية, كانت تفرض عليه وهو في حضرة الموت والذكرى ان يخفف من الوطأ . والضرب في الميت حرام... ولكن...