لا مكان للكرامة في مجتمعاتنا البائسة .

يوسف حمك
2018 / 7 / 24

لا يكفي أن تحب الحياة و تعشقها ، فهي كالوطن غالباً لا ترد لك الجميل ،
و لا تمنحك ما تتأمله منها ، و لا تحبك كما أحببتها .

تضحي الكثير بسخاءٍ ، لكنها تقابلك بالإساءة ، و تشعرك بالإحباط المتعمد .
و كأنها تعاني الشح و النضب ، كخزينة وطنٍ نهبها قائده المفدى ، و ابتلع
كل ثرواته .
فلم تعد قادرةً على تأمين احتياجات العباد أو تسد جوعهم . و لسان حالها
يقول : لست مسؤولاً عما يجري ، و لا مخولاً عن تسيير أموركم .
إنه الهروب من أداء الدور المنوط به ، و التنصل من المهمة الملقاة على
عاتقها ، و الإلقاء بك في مهب الريح .
حينها لا يفيد الصراخ ، و لا ينقذك اقتراف الصمت .

قد لا تطلب منها المال فقط ، و إنما حياةً آمنةً مطمئنةً ، تشعرك بشراً
لا عبداً . فهي تبخل علينا غالباً من ابتسامةٍ سلسةٍ ، و تحرمنا من لمسةٍ
حانيةٍ .
فالحياة لا تنقصها العدل فحسب ، بل هي طاغيةٌ تفجر استبدادها في وجهك
مهما كنت رقيقاً معها ، فتخطف منك الأمن و الأمان .
ترفع صوتها عليك لتحيلك من أغلى وأسمى الكائنات إلى أرخص سلعةٍ
تتعرض للألم و القهر و الوجع .
و نا درون من يحالفهم الحظ ، و يلمسوا طوق النجاة .
أنت موجودٌ إذن أنت تلعب معها لعبة الخسارة و الربح .
كالمتظاهر الذي تنفجر بداخله رغبةٌ عميقةٌ لانتزاع الحرية و العدل ،
و تحسين المعيشة ، فيرفع صوته في وجه حاكمه الذي لا يملك الشجاعة
لتأمين الحقوق المشروعة ، فيلجأ إلى القمع و التنكيل و القتل ، بعد أن استخدم الانترنت و مواقع التواصل مخلباً للتجسس ، أو بقطع بثها ، لديمومة
جلوسه على كرسي السلطة .
حكامٌ فاشلون سياسياً و اقتصادياً ، و لصوصٌ ينهبون الأخضر و اليابس .
النقد و الانتقاد يثير حفيظتهم ، و المطالبة بالحقوق تفقدهم الوعي ، و تصيبهم الجنون . فلا وسيلة لديهم لإيجاد الحلول إلا باللجوء إلى العنف و القتل .

أفق المعالجة مسدودٌ ، و استهتارٌ صريحُ بإرادة الشعب ، و هدرٌ للكرامة .
وعود الإصلاح مزيفةٌ ، كل شيءٍ يدخل إلى خانة الكذب .
وحدها القوة المفرطة لجهاز أمنهم حقيقةٌ ساطعةٌ كسطوع الشمس .
و ناهيك عن دعم القوى الكبرى لهذه الأجهزة القمعية بدلاً من و قوفها
بجانب حركات التغيير ، و أصوات الإصلاح .
و ما يزيد الطين بلةً تدخُّل المتحدثين باسم الله حتى في أحلام العباد ،
و اللعب في مخيلتهم .
فغبار أفكارهم ينعكس على مرآة المجتمع ، و يحجب الرؤية السليمة ،
و يعرقل السير و التقدم إلى الأمام .

الغالبية العظمى من البشر تعاقبهم الحياة بالإحباط ، و إحجام دورهم
للتخبط في ظلامٍ مفتعلٍ ، و منعهم من العطاء و نشر الحب .
أما الرابحون فهم نخبةٌ قليلةٌ من تجار الدين و الوطنية و الأخلاق .
كافأتهم الحياة بالمال و الجاه ، مقابل أن تنهال عليهم لعنات الناس ،
و التنديد بأفعالهم ، و توجيه الألفاظ النابية ، و البصق على وجوههم
في الخفاء .

ما فائدة أن يحتقرك الناس ، ولو كنت نائماً على خزائن الأرض ، و تحكم
الكرة الأرضية كلها ؟!
ألا تشعر بأنك قزمٌ منكسر النفس ، مهانٌ وضيعٌ ؟!
هكذا حال الفائزين : عزةٌ و مجدٌ في الظاهر ، مقابل ذلٍ و سفالةٍ في الباطن .
الخاسرون هم الفائزون بكرامتهم و بكل قيمهم .
أما الفائزون فهم الذين خسروا الناس و أنفسهم و إنسانيتهم بعد إفلاسهم من كل القيم النبيلة .