الخوف من الخوف

فاطمة ناعوت
2018 / 7 / 24


أحيانًا، يصحو المرءُ على خوفٍ مبهم لا سببَ محددًا وراءه، ومتعددةٌ أسبابُه في آن. الخوفُ من الغد، من المرض، من الشيخوخة، من العَوَز. الخوف على الأولاد، والخوف من غدر الزمان، وهلمَّ جرّا. تلك مخاوفُ إنسانيةٌ طبيعيةٌ، بل ربما صحيّة، لأنها تحُثُّ المرءَ على العمل والأخذ بالأسباب. لكن ثمة مخاوفَ مرضيةً نمطيةً سجّلتها الموسوعةُ السيكولوجية تضمُّ ستمائة نوع من الفوبيا، Phobia. وهي كلمة إغريقية تعني "الرُّهاب"، وهو الدرجة العُليا من الخوف المَرضيّ. وكل الملحقات التي تتصل بها مفردات إغريقية كذلك. رهابُ الأماكن الضيقة Claustrophobia، الأماكن الواسعة Agoraphobia، المرتفعات Acrophobia، وغيرها. وبعضها شاذٌّ عجيب، مثل رهبة أشياء محببة للنفس؛ مثل الخوف من الزهورAnthrophobia ، من الذهب Aurophobia، من العدالة Dikephobia، من سماع الأخبار السارّة Euphobia، من المعرفة Gnosiophobia، من سماع الموسيقى Melophobia!!! أنا شخصيًّا مصابة بإحدى الفوبيات الشاذة، غير المدرجة في تلك الموسوعة، لأنَّ لا ترجمةَ إغريقيةً ولا لاتينيةً لها، ولا حتى بأية لغة سوى العربية، ذاك أن المفردة ابنةٌ كاملةُ الشرعية لثقافتنا الإسلامية. أخاف من المسحراتي! صوتُ دقات طبلته يرعبني! والسبب قديمٌ يعود إلى طفولتي. حين كانت مُربيتي تهددني لو لم أشرب كوب الحليب سوف تجعل المسحراتي يحبسني في "الطبلة"! ركضتُ إلى أبي أسأله ما معنى "طابية"، فقال حصنٌ يختبئ فيه الجنود. واستقرّ في عقلي الصغير آنذاك، الذي خلط بين الكلمتين، أن المسحراتي رجلٌ ضخم يحمل فوق ظهره حصنًا يحبس فيه الصغار الأشقياء.
ولأنني هذه الأيام أصلُ الليلَ بالنهار في مكتبي من أجل ترجمة روايتين ضخمتين سوف تصدران عن دار "المدى" ببغداد، فقد صحوتُ هذا اليوم على خوف مروّع من فقدان بصري! أرجو ألا يتوغّل داخلي ذلك الخوفُ فيغدو فوبيا العماء Scotomaphobia.
ولكي "أُخَوُّفَ" الخوفَ مني، قررتُ أن أفتِّشَ عن رهابه الخاص. ما قاله الفلاسفةُ والأدباء حول "الخوف”. فالهجومُ، كما تعلمون، خيرُ وسيلة للدفاع. فوقعتُ على مقولات جميلة، قررت أن أترجم لكم أجملَها، لنحتشدَ جميعًا صفًّا واحدًا منيعًا ضدّ عدو البشرية المزمن: الخوف.
يقول الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، في خطابه الأول بعد تولّيه الرئاسة العام 1933: "الشيءُ الوحيدُ الذي علينا أن نخافَه، هو الخوفُ ذاته، لأنه بلا اسم، بلا عقل، بلا مبرر، مجردُ رعبٍ يشِلُّ طاقاتنا التي نحتاجُ إليها؛ فنحوّلَ التراجعَ، تقدّمًا." ويقول كولريدج: "في السياسة، ما يبدأ بالخوف، عادةً ما ينتهي بالحماقة." ووضع فريدريك نوت، الخوفَ على رأس قائمة الدوافع الخمسة للقتل: "الخوفُ- الغيرةُ- المالُ- الانتقامُ- وحمايةُ من تحبُّ." وقال إدجار وليس في كتاب "دليل الشمعة المجدولة": "الخوفُ طاغيةٌ مستبدٌّ، أكثرُ رعبًا من مِخْلَعة، وأشدُّ فحولةً من أفعى." وأما "المخلعة"، فهي أداة تعذيب كانت تستعمل في بريطانيا القروسطية. يتم خلالها مطُّ جسم الإنسان على إطار خشبي مستطيل، حتى يتمزّق. ومازالت هناك نسخةٌ منها في برج لندن. ويقول المثل الألماني: "الخوفُ يجعل الذئبَ أكبر حجمًا، مما هو عليه فعلا." ويقول الروماني بوبليوس سيروس، في القرن الأول قبل الميلاد: "ما نخافه سوف يمرُّ أسرعَ مما نأمل فيه وننتظره." أما الفاتنة بريجيت باردو فقالت: "الوحدةُ تُخيفني. تجعلني أفكر في الحب، والموت، والحرب. أحتاج إلى أن يتشتت ذهني ليخرج من القلق، والأفكار السوداء." أما الجميل صلاح جاهين، فقال في إحدى رباعياته: "سَهّير ليالي وياما لفيت وطُفْت/ وفْ ليله راجع في الضلام قُمت شُفْت/ الخوف كأنه كلب سَدِّ الطريق/ وكنت عاوز أقتله/ بس خُفْت/ عجبي!"
أما أنا، فسأقول لنفسي ما قاله فرانك هربرت في تعويذة بيني جيزيريت "الابتهالُ ضد الخوف": يجب ألا أخاف. الخوفُ قاتلُ العقل. الخوفُ هو الميتةُ الصغرى التي تجلب المحوَ التام. سوف أواجه خوفي. سأسمحُ له بأن يعبرَ فوقي، ومن خلالي. وحينما يمضي سوف أشخصُ بعيوني الداخلية لأتأملَ طريقه الذي سلك. الخوفُ قد مرَّ ولن يكون هناك شيء. وحدي أنا سوف أبقى."