رواية العنيدة والذئاب تحمل خصائص الأدب العالمي

صلاح شعير
2018 / 7 / 23

قراءة نقدية لروايتي العنيدة والذئاب الصادرة عن دار يسطرون بالقاهرة والمتاحة للقراء العرب في كل أنحاء العالم على موقع العبيكان

بقلم: عبير السيد
كاتبة وباحثة في الأدب الإيطالي - فلورنس بإيطاليا.

تُعد رواية العنيدة والذئاب للكاتب صلاح شعير، والصادرة عن دار يسطرون للطباعة والنشر بالقاهرة من الأعمال الروائية المهمة، وعلامة بارزة في الإنتاج الأدبي المعاصر.

لقد حدثنا الغرب عن مكتبة قديمه دارت في البحر المتوسط بين الهند وفارس والعالم العربي في القرن 17، حملت هذه المكتبة لنا العديد من الروائع العالمية، والعربية، والتراث العالمي الذي يُعد الأساس لكل ما يتعلق بالأدب، ولكي يُوصف الكاتب بكلمة أديب فعليه الاطلاع على هذا التراث أو جزء منه، كألف ليلة وليلة، ومائة ليلة وليلة كذلك الرومانزو الإغريقي والبيزنطيني القديم، وماتبعه من روائع الكلاسيكيات في العصور اللاحقة.

وقد اختلط عليَّ الأمر وأنا أقرأ بين سطور العنيدة والذئاب للكاتب : صلاح شعير؛ فوجدتها تحمل العديد من سمات الرومانزو القديم، فالنص الأدبي بمثابة شهادة على العصر الحالي؛ لأنه رسم ملامح الواقع الاجتماعي، والسياسي، والثقافي والأخلاقي في مصر، بالعناوين والشوارع.

تُعد هذه الرواية مرآة تعكس صورة المجتمع المصري بدقة، فقد جسَّدت فترة عصيبة من فترات التدني الأخلاقي، والخلل الواضح بين مفاهيم الثواب والعقاب، وقد برز ذلك من خلال تنوع الثقافات والشخصيات داخل الرواية، حيث وضع المؤلِّف خطوطأً حمراءَ حول وضع الأنثي فى المجتمع من خلال تحليل نفسي ينم عن دراية بعلم النفس والذي جاء مطابقاً للمدرسة الفرويدية ونظريات فرويد عمَّا يُسمي بالرومانزو العائلي.

قبل البدء في الحديث عن الرواية من حيث الأشخاص الأساسية والثانوية واللغة التي لا مجال لوصفها إلا بالإبداع، أود أن أشير إلى وجود التشابه بين الرواية والرومانزو الكلاسيكي القديم الذي يُعد قاعدة الأدب الإنساني العالمي، والذي أثَّر وتأثر بالأدب العربي كُتّاب عظماء مثل : دانتي الجييري " الكوميديا الإلهية" وتأثرها بألف ليلة وليلة عن طريق( الفونسو لاتيني)، كذلك جيوفاني بوكاتشو وتأثره الواضح أيضا بألف ليلة في كتابة (دي كاميرون)، والعديد من الأعمال الأخرى.

أما ملامح الرومانزو العالمي فقد تعرفت علية فورًا بمجرد قراءة العنيدة والذئاب وإن كان يميل كثيرًا إلى الواقعية كأنه شهادة على العصر مما يُذكرنا برومانز الخطيبان لمانزوني.

البطل والبطلة:

تُذكرنا شخصية البطلة العنيدة التي وُلدت من رحم المعاناة الأسرية بشخصية البطلة في روايات شعبيه قديمة، حيث سيرة الأميرة ذات الهمة التي ترفض السيطرة من قِبل الرجل، حيث تعرضت البطلة ليلى للضرب من قِبل الأب ويتم الضغط عليها من قِبل الأسرة؛ التي غالبا ما تفضل الذكر على الأنثى، وتوجه لها العقاب بصورة مباشرة على اعتبار أنها أنثى. أما شخصية البطل ناجي وهو اليتيم وشخصية البطل اليتيم الذي يصارع الحياة والمجتمع واحدة من سمات الرومانزو القديم.

مرض الحب:

الحب من أول نظرة الحب، أو الحب العُذري، هو الداء الذي أصاب البطل، بمجرد رؤية البطلة التي تتميز دائما بجمال خارق مما يقلب حياته رأسًا على عقب وتدور كل الأحداث حول كيفية الحصول علي حبيبته، وقد يمرض البطل أو البطلة، وهنا نرى أن ناجي قد تعرّض للسجن وكاد أن يتسبب في حادثة قتل بمجرد أن مرّ به وجه ليلى ولا أعتقد أن الكاتب اختار اسم البطلة هباءً فهذا الاسم يذكرنا بعظماء الحب العُذري، وهما : قيس، وليلي، كذلك ناجي أو ( سالفو ) وهي من صفات فرسان العصور الوسطى كأنه يعود بنا إلى سيره قمر الزمان، والأميرة بدور حيث الجمال والحب المرضي والصراعات.

العقبات والصراعات العائلية:

دائمًا مثل هذه الصراعات هي التي تعوق إتمام هذا الحب، وتغلب البطل عليها فى ظل عناد وتكبر الحبيبة؛ التي لا ترى إلّا جمالها، وهنا يجب أن نقف مع تحليل كروكي لشخصية البطلة، سواءً العربية، أو الأمازونية، فقد ذكّرنا الكاتب بشخصيات مهيمنة، منها : نموذج زنوبيا العربية، وكليوباترا الفرعونية، وغيرهن من نساء خالدات، وكذلك البطولات الأمازونيات، بيد أن اختلاف بين المرأة الأمازونية هي غالبا محاربة بالسيف ترفض الزواج، ترفض أنوثتها، بل إنها تقطع الثدي حتي تستطيع التنكر في ملابس الرجال، وحمل الرمح، والسيف، أما ليلي فقد لجأت إلى أساليب أخرى لمحاربة المجتمع وذئابه متسلحة بالعناد والتكبر، والجمال بدلاً من السيف.

تنوع الشخصيات:

تنوعت الشخصيات وتعددت حتى تشمل شرائح عديدة من المجتمع وهو تنوع وثراء للرواية يعود بنا إلى روايات نجيب محفوظ الذي يصف فيها الشرائح الاجتماعية في مصر بدقة، وخاصةً الشريحة الوسطى، وكذلك عندما صوّر الكاتب الشريحة الثرية التي تطفو فوق المال، وتغوص في فقرها للقيم الأخلاقية الدنية، والاجتماعية، وقد برز من خلال شخصية الشاب المدلل سامي السلاموني، والسلاموني بيه، وغيرهما، وكم تعاني مجتمعات العالم الثالث من مثل هؤلاء، وكم ينسج هؤلاء من الحيل من أجل التحايل علي الفضيلة ! فنجد الرشوة، والفساد، وزواج المتعة، كذلك قيام المؤلِّف بربط كل ذلك بشخصية المرأة، يُعد من سمات الرومانزو القديم، حيث عرض نموذج المرأة التي تنصب الفِخاخ بالحيل والألاعيب، هنا نجد شخصية راوية خير مثال على ذلك.

التحليل النفسي:

تناول الكاتب شخصيات الرواية تناولاً عميقًا بعيدًا كل البُعد عن السطحية، فعلى سبيل المثال نجد ليلى، وكيف وصلت إلى هذا الحظ من العنف، والعدوانية، وحب الذات؛ حتى أنها لا تبالي إلا بنفسها وجمالها، وهنا نجد أن ملامح هذه الشخصية تُذكر القاريء بحواديت قديمة كنا نستمتع بها حيث تَعشق البطله مرآتها، وتسألها هل هناك من هي أجمل مني، إلى هذا الحد وصلت شخصية ليلى.

كانت تظن في الصغر أن أسرتها تكرهها، وأن والدها الذي يعاقبعها ويضربها بالحزام بقوته المفرطة؛ ولذا فهو ألد أعدائها، وهذا ما كتب عنه فرويد فيما يُسمى بالرومانزو العائلي أو الأسري، ومن منا لم يتخيل أثناء طفولته أنه طفل يتيم وأن هذه الأسرة ليست أسرته بل وجدته أو تبنته ؟؟

وتستمر في ذلك حتي تتاح لها تبادل القوة فتصبح هي صاحبة السمو والقرار، وقد تحدث عن ذلك الكثير من علماء النفس، مثل : دانييل باومنت وهيجل في نظرياتهما (السيد والعبد).

أما بالنسبه للأسرة فنجد نماذج كثيرة تحتاج إلى التحليل، ومنها ناجي الذي كشف عن وجهه الشرس بعد الزواج، حيث المجتمع الذكوري االذي يفرض سطوته، وقد تدخل الكات في الحكي بصفته الراوي، لشرح هذا التغير، فلو أن ناجي تريث، واستعمل الحِيل لربما استطاع أن يقنع البطلة بأن حبيبت كل ما يريد مثلما أقنعها بترك العمل، لتجلس في البيت في بداية الزواج.

الشرق والعرب:

ومن أهم ما لفت نظري الإشارة إلى فستان الزفاف كرمز للصراع الاجتماعي بين الرجل والمرأة، وبين قيم اجتماعية تتخبط بين الماضي والحاضر، فتحول فستان الزفاف من مصدر للفرح إلى نقطة للخلاف، فهو لا يريده مكشوفًا غيرةً عليها، وهي تصمم على ذلك، وكأن الصراع هنا بين التحرر والتحفظ، أو بين ثقافتين متعارضتين، وحل هذه الأزمة يكون عن طريق الحوار، فثقافة الشرق الثابتة في اللاشعور ترفض العري الوارد من الثقافة الغربية، وهذا السلوك قد يكون مقبولاً بدرجات نسبية؛ لأن المحاكاة للأقوى يجب أن تكون في العلوم، ومبادئ الديمقراطية، وحقوق الإنسان، الحرية، وكل هذا لا يتأثر بظهور أجزاء الجسد أو سترها، بيد أن المؤلِّف يطالب البطل بأن يستعمل الذكاء، والحيل حتي؛ يفرض رأيه على زوجته بالحجة والإقناع.

تمر الأحداث تسحب من رصيد العمر، فليلى تنتقل من طفله عنيدة إلى شابه ناججه، ثم إلى زوجه أشد عنادًا، ثم إلى مطلقه تسقط في شباك الخداع وحيل الزواج العرفي، ثم إلى شخصيه مريضة بأعلى مستويات المرض النفسي الذي دفعها لأن تُجهض نفسها مرتين، لتضر بنفسها .

الرواية تحتاج إلى تحليل متخصص من قبل أساتذة علم النفس؛ لأنها تنطلق من زوايا المؤثرات النفسية والتربوية التي تُشكل المجتمع.

القديم والجديد:

العنيدة والذئاب هي ملحمة اجتماعية حديثة، ورمز للصراع في مجتمع يتخبط بين القديم والجديد، القيم والانحلال، المرأة والرجل، دون حسم للخيارات، ومن هنا تبرز الازدواجية.
تحديد الزمان والمكان قد حدد هوية المجتمع بعد أن كان الرومانزو قديمًا يستعمل الزمكانية ويمر مر الكرام على عنصري الزمان والمكان .
حقيقة هذة الرواية نواة ستكتب في تحليلها روايات أخرى ولا أملك إلا أن أقول وبشدة أن العنيدة والذئاب تصرخ هنا القاهرة، ومازالت روعة قراءتها على لساني .