الجماهير ليست صاحبة حسم أخلاقي كرودريجو الفيلبيني!

محمد عبد المجيد
2018 / 7 / 23

إذا أردت أن تصنع نهضة شعبية من القاعدة، فاجعل القاعدة تتولى التغيير، وحينئذ تتحقق النهضة بعد يوم القيامة.
لا نهضة على قاعدة شعبية في العالم الثالث، ولو التف المثقفون والمتنورون والعلماء والخبراء والأكاديميون والخطباء والفقهاء ورجال كل الأديان حول جمهرة شعبية ترفع جبلا ما تمكنت من تحريك صخرة؛ ولو أن قائدا واحدًا أمر الجبل أن يتحرك فلن يعصي للجماهير أمرًا.
الثورات والتطور والصناعات والحروب والسلام والاتفاقات والتدمير والبناء والتعليم والمشروعات والتحفيز و .... كلها لا تستطيع الجماهير في عالمنا الثالث أن تقوم بها ما لم يقم على رأسها رأسٌ مستقل يحركها ذات اليمين وذات الشمال.
منذ عامين تولى الحُكمَ في أفسد دولة آسيوية رجل غاضب، ثائر، عاشق للعدل، فقرر أن يُغيّر شعبا بأكمله، ويحرك سلوكه نحو النهضة.
رودريجو دوتيرتي فيليبيني في كرامة معجونة بغضب على كل صور الفساد؛ فارس يعرف كلمة السر التي لا تسير بدونها الشعوب في العالم الثالث، فحزم، وحسم، وقرر، وأخاف، وأرهب كل المفسدين من تجار المخدرات .. إلى العصابات، ومن بلطجية الاستيلاء على السكن، إلى شبّيحة أزقة مانيلا.
قال: إذا اختفت حقيبة واحدة في مطار مانيلا فسأقوم بطرد كل العاملين في المطار، وكانت السرقات قد أصبحت ظاهرة مخيفة كما كانت في شركة مصر للطيران إبان عهد المهندس الريان.
ارتعش اللصوص الأرانب، وتوقفت السرقات.
أقسم أن يجعل من الفيليبين واحة أمان، فقرر مئات الآلاف منهم العودة للوطن الأم وشراء عقارات ومساكن وأراضٍ، وانتعشت التجارة، وتوارت مافيا سيارات الأجرة.
رودريجو دوتيرتي من مواليد 1945 ويحمل فوق كتفيه خبرة قرون، وفوقها عشق شديد لبلده، ومعرفة بأن الإدارة في العالم الثالث ليست محبة فقط، إنما قوانين تمر من تحتها قيادة تساوي بين الأغنياء والفقراء، الأصحاء والمرضى، المقيمين والمهاجرين.
موقفي لم يتغير على الرغم من دعاة الديمقراطية السائبة، وهو أن دولة في العالم الثالث لن تنفعها الأديان والقوانين والبرلمانات والقضاء بدون أن يحكمها زعيم عادل، محب لوطنه، مثقف، كاره للفساد.
إن الله لم يبعث أناسا للتغيير، لكنه، جل شأنه بعث أفرادًا، فإذا أصبح الفرد اثنين فسيختلفان: وألقى الألواحَ، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وكان الاثنان، موسى وهارون، مبعوثيـّـن برجاء من الأول، عليه السلام، (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ (34) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ..).
رجل واحد يصبح فارسا، وثلة من الفرسان يمكن يولون الدُبرَ في ذعر وخوف.
رجل واحد يغير دفة السفينة، وعشرة رجال يجعلونها تصطدم بأول صخرة في المياه.
أتحدث عن مجتمع في العالم الثالث يضحك عليه العالم الأول ويطلب منه انتخابات برلمانية بيضاء لامعة كأنها باروكة القضاة البريطانيين، فيسقط الوطن في خدعة ذكاء الجماهير، مع أن العقل الجمعي للجماهير هو الطريق الأسهل للجحيم.
رودريجو دوتيرتي رفع الفيليبين في عامين، وحرّكها للأمام خمسين عاما، وختمها بكلمة السر: الأمان وتخويف الفاسدين!
كل القرارات الجماهيرية والشعبية إذا لم يلتقطها فارس واحد فستنقطع حبالها، والموضوع ليس دعوة للديمقراطية أو للاستبداد؛ إنما للاستنارة برجل حكيم، وفيلسوف، وإداري، وزعيم، وحاسم، ومحصّن ضد الفساد، ولا علاقة له بأي دين أو مذهب أو طائفة، ولكن بوطن واحد.
مليون مقالة في الثقافة والفكر والرواية والجمال والموسيقى والشعر والحرية والحب والأمن لن تغير شعرة في وطن لم يعثر على زعيم أو لم يعثر الزعيم عليه.
التنوير يبدأ من القصر .. وليس من الثكنة أو المسجد أو الكنيسة أو الحزب.
التنوير يبدأ من مهاتير محمد ونيلسون مانديلا ورودريجو دوتيرتي، لكن الجماهير تركت غاندي ومارتن لوثر كينج وباتريس لومومبا يدفعون ثمن ضعفها الحاشد.
كل ضباط الشرطة في المكسيك وكولومبيا وباكستان وكازخستان وألبانيا ونيجيريا لن يحركوا فاسدا أو مهربا من مكانه، فخلفه مئة آخرون، لكن الزعيم الواحد هو وطن موحد!