كأس العالم بين جمال الرياضة وهيمنة السوق

رسلان جادالله عامر
2018 / 7 / 22

مرّ أسبوع على اختتام كأس العالم الحادية والعشرين التي أقيمت في روسيا، وتابعها عشاق كرة القدم في العالم، الذين تمكنوا من ذلك! وهذا الدورة مثل كل دورة أخرى من هذه الكأس هي حدث على درجة عالية من الأهمية والاهتمام، فكرة القدم هي الرياضة الأكثر شعبية عالميا، وهذا يجعل من كأس العالم إحدى أكبر مسابقتين رياضيتين عالميتين إضافة إلى الدورة الأولمبية الدولية.

تتجلى في كأس العالم أكثر من غيرها جمالية الرياضة بكافة جوانبها، وما يرتبط بها من أبعاد تتعدى المجال الرياضي، الذي لا ينفصل بدوره عن بقية مجالات الحياة ويرتبط معها ارتباطا جدليا.
ففي كأس العالم نجد جمال اللعبة كلعبة عندما تتنافس فيها أفضل الفرق الكروية في العالم بمدارسها المختلفة، ونجد الحضور والتفاعل الجماهيريين، وما يرافقهما من نشاطات احتفالية، شعبية عفوية أو فنية منظمة مختلفة، كما نجد الحضور الرسمي للدول من خلال شخصيات رسمية عالية المستوى، فالاهتمام- على المستويين الشعبي والرسمي- لا ينحصر فقط في إطار الشغف والتنافس الرياضي.
وعموما يمكن أن نصنف أشكال الاهتمام الكبير بالكأس في الأصناف التالية:
1- على مستوى عموم المشجعين، حيث يشجع شخص ما فريقا لا يربطه به رابط قومي أو وطني أو موقف سياسي، كأن يشجع مشجع عربي فريق البرازيل، ويشجع عربي آخر الأرجنتين، وثالث ألمانيا، وهكذا دواليك..
هنا يمكننا الحديث عن الشغف الرياضي وتشجيع الفريق المحبوب، الذي يعتبره مشجعه العاشق لكرة القدم الفريق الأفضل، وهذه الظاهرة تشبه إلى حد ما حالة التعلق بفنان أجنبي وما يدخل فيها من عوامل فنية وشخصية.
2- على مستوى جمهور الفريق من نفس القومية أو الدولة، لا يبقى الأمر في إطار الاهتمام الرياضي وحده، فهنا يرى جمهور كل فريق في فريقهم الوطني ممثلا لهم في هذه المنافسة، ويرون في فوزه فوزا لهم كشعب وتعبيرا عن نجاحهم وتفوقهم بين الشعوب.
3- على المستوى الرسمي يشبه الحال حال الجمهور الشعبي الذي يعتبر فريقه ممثلا له كشعب، فالسياسيون وقادة الدول يرون في فريقهم أيضا ممثلا لدولتهم، ويعتبرون نجاحه على مستوى النتائج أو الأداء تعبيرا عن تطور دولهم وتقدم مجتمعاتهم وتعافيها الاجتماعي ونجاح قيادتها السياسية.
4- وعلى مستوى الفعاليات الاقتصادية تعتبر كأس العالم كتظاهرة جماهيرية عالمية فرصة كبيرة للاستثمارات المربحة، فهي تعتبر مثلا نشاطا سياحيا كبيرا على مستوى الدولة المستضيفة بما تستقطبه من متابعين محليين وأجانب، وهي فرصة للدعاية والإعلان التجاري في الإعلام الرياضي المفتوح، وللمتابعة المأجورة في القنوات المشفرة، وهي -وهذا هو الأهم- فرصة للدولة المنظمة وللفيفا لجني المبالغ الكبيرة من عائدات المباريات والإعلانات التجارية المباشرة في الملاعب، كما أنها أيضا فرصة للاعبين والمدربين لإظهار مهاراتهم وقدراتهم وجذب عقود الأندية الكروية الكبيرة، وهكذا دواليك..
وهذه عموما من حيث المبدأ نشاطات اقتصادية مشروعة.

بالطبع لا أحد ينكر أهمية العامل الاقتصادي في مختلف نشاطات وفعاليات الإنسان، وكثيرا ما يكون هذا العامل عائقا أو سببا في فشل النشاط، أو حافزا أساسيا أو هاما من حوافز نجاحه.
والرياضة كأي نشاط آخر تحتاج إلى تمويل كاف لكي تكون نشاطا إنسانيا رياضيا ناجحا!
لكن واقع الحال المعاصر في كأس العالم وغيرها من الرياضات والنشاطات يقول أن الصورة انعكست، وانقلبت العلاقة بينها وبين الاقتصاد، فلم يعد الجانب الاقتصادي فيها غايته تأمين التمويل الذاتي الكافي لنجاحها، فتبقى بما هي نشاطات إنسانية غايةً إنسانية بحد ذاتها، فقد أصبح الهدف الاقتصادي منها هو الربح، والربح بأقصى الدرجات، وبذلك تحولت هذه القطاعات إلى قطاعات أعمال بالكامل، ويحكمها ما يحكم هذه القطاعات من قوانين وأساليب.
وقد انعكس هذا بأكثر الأشكال وضوحا على كأس العالم، بحيث يمكن القول أن السوق قد ابتلعتها، وجعلتها إحدى أدواتها الربحية الثمينة، وشواهد ذلك نجدها مثلا في الأسعار الخيالية لللاعبين والمدربين في بورصة العقود الرياضية، التي يفصلها بون شاسع حتى عن مستوى عقود أفضل العلماء والأخصائيين العلميين! وهذه حالة من حالات "تضخيم القيمة"، التي تعطي فيها لعبة السوق لموضوع تسويقي ما قيمة مفتعلة تبلغ أضعافا مضاعفة من قيمته الحقيقية، ومثل هذه اللعبة غالبا ما تـُمارس في بورصات الشركات وتسمى فيها بـ "تعظيم الأسهم".
هيمنة السوق هذه على الرياضة عموما وعلى كرة القدم خصيصا، يتم تغطيتها بشكل رئيس بالطبع من جيوب عشاق ومتابعي اللعبة، الذين يتابعونها بشكل حي في الملاعب أو منقولة عبر التلفزيونات، وقد أدى هذا إلى ارتفاع أسعار بطاقات المباريات وعمليات النقل بشكل باهظ، وجعل عمليات النقل التلفزيوني عرضة لاستغلال القنوات المشفرة، وبذلك تم حرمان شرائح واسعة من جمهور اللعبة من متابعتها بسبب عجزهم عن دفع تكاليف الاشتراك العالية، كما قلص إلى حد كبير نطاق تغطيتها والتفاعل الإعلامي معها، حيث بلغ الاحتكار حدا يمنع القنوات التي ليس لديها حقوق بث من عرض حتى مشاهد قصيرة من المباريات، وهذا بالطبع تقليص كبير لمستوى التفاعل مع الحدث وحضوره الجماهيري العام، وإخراج لأعداد كبيرة من الناس والفعاليات من نطاق متابعته والتفاعل معه، وإشعارهم بالغبن والحرمان.
وليس هذا كل شيء، فهيمنة ثقافة السوق على قطاع كرة القدم انعكست سلبا على أخلاقيات اللاعبين وسلوكهم سواء في الملاعب أو في الحياة عامة، حيث باتت تتزايد بين اللاعبين وحتى النجوم منهم سلوكيات تدل على تدني المستوى الثقافي والأخلاقي.
هذا عدا عن آفة الرهانات، وانعكاساتها الخطيرة على اللعبة، ومساعيها للتدخل والتحكم بنتائج المباريات، ويضاف إلى ذلك كل نشاطات الفساد الإداري والعملياتي المرتبطة بطبيعة السوق، وقد شهدنا في الأمس غير البعيد ما أظهرته التحقيقات في أوساط الفيفا من فساد ونشاطات غير مشروعة واستغلال للنفوذ على مستوى إدارته العليا!
قد يقال أن هيمنة السوق على كرة القدم، وما يرتبط بذلك من صرف وجني مبالغ طائلة قد ساهم كثيرا في رفع مستوى اللعبة، وهذا مجرد كلام نظري، إذا أنه ليس هناك معيارية فعلية للقيام بمقارنة دقيقة بين مستويات اللعبة اليوم، ومستوياتها في الستينات والسبعينات وحتى الثمانينيات الماضية..قبل أن تطغى عليها السوق بشكل كامل، ولو فرضنا جدلا أنه ثمة تطور فعلي فمن الممكن القول أن هذا لا يعود إلى السوق بقدر ما يعود إلى عملية التطور الشاملة التي تحدث في كل ميادين الحياة، وإذا ما استذكرنا الواقع الرياضي بما فيه كرة القدم في شرق أوربا قبل انهيار النظام الاشتراكي فيها في بدايات التسعينيات المنصرمة، فسنجد أنه رغم الغياب الكامل لدور السوق في الرياضة هناك، فمستوى الرياضة فيها كان منافسا بجدارة لمستوى الرياضة في غرب أوربا الرأسمالي، وهذا معناه أن المجتمعات المتطورة تستطيع تحقيق تقدم حقيقي في الرياضة حتى بمعزل تام عن السوق، ويؤكد توافق مستوى الرياضة ككل مع مستوى التطور العام في المجتمع.

قبل عشرين عاما أثناء كأس العالم في فرنسا..كتب صديق صحفي: « لقد سرقوا كأس العالم..وتركوا لنا الفرجة»! واليوم قد سرقوا حتى الفرجة! وبسطوا غطائهم الشرعي على هذه السرقة المحمية بسيف الفيفا، التي لم تعد اليوم اتحادا رياضا عالميا بقدر ما أصبحت كارتيلا ماليا دوليا! وهذه أحد مظاهر سلعنة الثقافة ونشر ثقافة الاستهلاك، التي تمعن فيها السوق الرأسمالية المعاصرة! فهل من أمل بإنقاذ الثقافة والرياضة وإعادة الوجه الرياضي الإنساني لكأس العالم وغيرها من ميادين النشاط الإنساني؟ إنه سؤال جوهري يحتاج الجواب عليه إلى وعي وموقف وعزم من قبل الإنسان دفاعا عن إنسانيته!