خواطر وملاحظات حول واقعنا الثقافي

نبيل عودة
2018 / 7 / 21

المشهد الادبي الذي نحياه منذ بضع سنوات على الاقل يعاني من ضمور بمستوى الابداع. كثرة ما ينشر لا يرتقي لمستوى ابداعي مقبول. حسب تشخيصات يجمع عليها عدد من الزملاء ، الذين يعيشون ويعانون من "شلل الاطفال" الذي حل بثقافتنا ، نحن اصبحنا مجتمعاً عاجزاً عن الاستهلاك الثقافي الروحي ، وابرز ما في " ثقافتنا " اذا صح مجازاً استعمال هذا التعبير (ثقافة) هو اسماء ادبية تريد ان تواصل العيش على حساب زمن ادبي تلاشى ، وعلى حساب تاريخ حزب ، صنع نهضة ثقافية ، واعطانا اسماء ادبية احيانا بلا ابداع يستحق صفة الادب … ثم تهاوى بنيانه الثقافي والسياسي، لأسباب لا اريد الخوض فيها الان، واثر هذا سلبياً على واقعنا الثقافي والسياسي، لان الثقافة الحقيقة لا تقع خارج حدود الزمان والمكان ولا خارج حدود المجتمع ، او فوق السياسة ، انما هي فعل سياسي اجتماعي تاريخي مندمج في الزمان والمكان. وما عدا ذلك غيبيات لغوية وهرطقات نصية وصياغات عقلية مراهقة، وكتابة استنمائية، وبأحسن الاحوال كتابة على هامش الادب مما يجعل المشهد الادبي مشهداً بائساً – يفتقد للانسجام ويذهب الصالح والمبشر بالأمل ضحية الطالح والفارغ.
المثقف-الاديب الحقيقي لا يستطيع ان يكون خارج احداث عصره، وخارج الفعل السياسي والاجتماعي لشعبه، ومن يتوهم غير ذلك لديه مشكلة حقيقية، لأنه اساساً لا يشكل اية أضافة ثقافية مهما أنتج وروج لنفسه.
هذا الواقع في ثقافتنا المحلية يترجم نفسه في الانقطاع شبه الكامل بين المبدع والقارئ، والاخطر هو الانقطاع الكامل تقريباً بين الادباء أنفسهم، تقريبا لا أديب يقرأ لأديب أخر خاصة من الجيل الجديد الذي همه الأول والأخير ان يرى اسمه على صفحات الجرائد وفي مطبوعات تفتقد معظمها لمستوى ثقافي اولي، رغم ان نقدنا يجعل منها ورودا ثقافية عطرة، وهو ما لا يخدم الا العلاقات الشخصية بين الناقد والأديب، إذا صحت تسمية ادب لنصوص تفتقد للكثير حتى تستقيم ادبيا. من هنا ازمة ثقافتنا ليست أزمة الكتاب المحلي فقط، أو أزمة تسويق…أنما أزمة ابداع بجوهرها.
ان انتاج ونشر عمل ادبي جديد لاحد الادباء المحلين يمر دون ان يثير انتباه أحد، وحتى الخبر الثقافي الذي تنشره الملاحق الادبية لا يتعدى مساحة اعلانات النعي.
نشر قصة جميلة او قصيدة جميلة يمر دون اشارة او انتباه، عدا القول ان اكثرية ما ينشر لا يستحق النشر وللأسف لا نجد الغيورين على ادبنا لقول كلمة حق وصدق. حتى صار الابداع يماثل لغواً لا إطار له ولا معنى له، ولا يثير أدني رغبة في قراءة ما بعد السطرين الاوليين.
ربما يجب ان اقول اننا مجتمع لا ثقافي، واعرف ان هذه التهمة بالغة الخطورة، ويبدو ان الشق الثاني لهذه التهمة هو اننا نتحول الى مجتمع بلا مثقفين قادرين على صنع حياة ثقافية، بلا مثقفين قادرين على احداث نهضة ثقافية، لدينا اسماء ادبية بالمئات والآلاف … من يشعر بأصحابها وادبهم؟ من يعرف انتاجهم ومشاكلهم؟ من يقرأ كتبهم؟ من يسمع عن نشاطهم ومواقفهم من القضايا المختلفة، الثقافية او الاجتماعية او السياسية؟
الثقافة تعني مجمل اشكال النشاط الابداعي للإنسان والمجتمع وانتاج هذا النشاط فاين هي ثقافتنا؟!
واين هم مثقفونا؟!
لا يمكن ابداع ادبي في ظل غياب حركة ثقافية، وإذا وجد مثل هذا الابداع يبقى هامشيا في المشهد الثقافي المتهاوي، وهذا واقع لا يقل مأساوية عن التراجيديات الاغريقية.
الابداع الثقافي ليس نصوصاً ادبية، انما نشاط اجتماعي وفكري، كتابه وحوار وندوات ومواقف وتشكيل قوة ضغط ثقافية، تعتمد على حركة ثقافية، وجمهور المثقفين، وتفرض نفسها ورؤيتها الحضارية على المؤسسات الاجتماعية والسياسية والتربوية.
للأسف ما يجري في ثقافتنا هو النقيض الكامل لما ذكرت ،ما نشهده هو احتلال البعض لدور "الفقهاء الادبيين " متوهمين وموهمين بعض التافهين والهامشين انهم يمثلون خلاصة ثقافتنا ، وباتوا في المشهد الثقافي الحالي يمثلون اهانة للعقل وتسخيفا للثقافة وتصحيرا للحياة والنشاط الثقافي ، وباطلا اجتماعيا متحجرا ، لا يختلفون عن فكر الاصولية الدينية في الفعل والنتائج ،وكل ما يقدموه لثقافتنا يمكن حصره تحت عنوان اساسي " فهلوية ثقافية" وادعاء " الزعامة الادبية " … ومنصات التهريج متوفرة لمن يريد ابقاء الحال على هذا المنوال ، واقول بوضوح ان أولئك " المهرجين" عدا انهم اهانة للعقل الثقافي الواعي ، ولمسيرتنا الثقافية ، المصابة بالإمساك حالياً فهم يشكلون بؤرة يجب اجتثاثها اذا اردنا لثقافتنا طريقا يعيد لها مجدها ويخلصنا من البلادة والفقهاء (الادبين) ، ربما ينجح أولئك في ان يقوموا ببعض الادوار البهلوانية في "سيرك" ثقافي ليس الا ، ولكن اطلاقا لا مكان لهم في مجتمع ينشد التطور والرقي واللحاق بركب الحضارة الانسانية ، عبر مواجهة ليست سهلة امام التحديات المختلفة.
ربما اكون حادا وعنيفاً فيما اقوله، ولكن ما يشفع لي ان السيل بلغ الزبى، والغرق أصبح احتمالاً رهيباً لمجتمعنا وثقافتنا فهل نجدد انطلاقتنا الثقافية التي انقطعت، بلا مقعدين واوصياء وفقهاء ادبيين؟