لماذا الأوغاد لا يسمعون الموسيقى؟

فاطمة ناعوت
2018 / 7 / 21


لاحظ علماءُ الاجتماع أن المجرمين والسفّاحين والُمتحرشين واللصوصَ والغلاظَ والمتطرفين والإرهابيين، وغيرهم من الخارجين عن ناموس الإنسانية، نادرًا ما يستمعون إلى الموسيقى أو يرتادون المسارحَ أو دُوْرَ الأوبرا وغيرها من محافل الفنون الراقية. لكنّها ظلّت ظاهرةً أو ملاحظةً ينقصُها الدليلُ العلميُّ الذي يؤكدها، أو ينفيها.
عكف العلماءُ على محاولة تفسير تلك الظاهرة العجيبة عن العلاقة العكسية والتاريخية بين تعاطي الفنون، وتعاطي الجريمة، من خلال تشريح ودراسة وظائف المخ البشري. وخَلُصَتُ النتائجُ إلى أن الإنصات إلى قطعة موسيقية راقية، أو مشاهدة لوحة فنية مدهشة، أو حضور عرض مسرحي مُبهر، يُحفّزُ المخَّ البشريّ على إفراز هرمونات تساعدُ خلايا فصّ الدماغ الأيمن على العمل. والفصُّ الأيمنُ من المخ هو المسؤول عن إنعاش الجانب الرومانسي في الإنسان والحثّ على الإبداع والخلق والحدس والخيال والاختراع. أما الفصُّ الأيسر من المخ البشريّ، فهو الفصُّ الفاعل النشِط بشكل دائم، في الدماغ. وهو المسؤول عن الجوانب العملية من النشاط البشري اليومي مثل تسيير الأمور الحياتية والغريزية لدى الإنسان؛ كالحفاظ على الحياة والشعور بالخطر لتجنّبه وتنظيم الغرائز المعتادة من طعام وشراب ونوم، وغير ذلك. ومحصّلة ما سبق هو أننا "نستمع" إلى الموسيقى بفصّ أدمغتنا الأيسر، لكننا "نتذوّق" الموسيقى بالفصّ الأيمن من الدماغ. وكذلك "نشاهدُ" الباليه والعروض المسرحية بالفصّ الأيسر لأدمغتنا، لكننا "نسمو" و"نعلو" ونستخلص القيم الرفيعة من تلك الفنون، فقط بالفص الأيمن من أدمغتنا. كذلك أثبت العلماءُ أن الفصَّ الأيمن هو الأنشط في الإنسان الذي يسخدم اليد اليسرى، أي "الأعسر"، أو "الأشول". وهذا ربما يُفسّر لنا ظاهرة أخرى هي أن كثيرًا جدًّا من الفنانين والعلماء؛ يستخدمون اليد اليسرى.
في كتابي الجديد “الكتابة بالطباشير الملوّن"، وشيك الظهور عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، حاولتُ أن أطرح بعض الرؤى التي تؤكد قيمةَ الفنون الراقية في بناء الإنسان وتشييد الحضارات ونهوض المجتمعات. فثمة علاقة وثقى ومباشرة، أثبتها علماء الأنثروبولوجي والسوسيولوجي، بين عُلوّ الفنون واحترامها في مجتمع ما، وبين مستوى تحضّر مواطني ذلك المجتمع وحسن سلوكهم، ورُقي أخلاقهم.
أتذكّرُ معكم الآن زيارة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون لمصر الجميلة في القرن الرابع قبل الميلاد، قبل نشوء الحضارات والمجتمعات في أرجاء الأرض. جاء أفلاطون إلى مكتبة الأسكندرية القديمة لينهل من علومنا وفنوننا. وفي أحد النهارات السكندرية الطيبة، وجّه الفيلسوفُ كلامَه إلى أبناء شعبه الإغريقي في أثينا، قائلاً في كتابه: "القوانين": "الموسيقى في مصرَ كاملةٌ متكاملةٌ. وعلى الشعب اليونانيّ أن يستمع إلى الموسيقى المصرية، ليتعرّفَ على ما فيها من عناصر ممتازة، فنيًّا وأخلاقيًّا وتربويًّا، دونًا عن موسيقى كلّ الشعوب الأخرى.” ثم ختم مقولته بعبارته الشهيرة، التي تُعدُّ نصيحةً قيّمة لشعبه اليوناني: "علّموا أولادكم الفنون، ثم أغلقوا السجون".  وقصَدَ أفلاطون بهذا أن الجريمةَ والفنون لا يجتمعان في مكان واحد. تختفي الجريمةُ من المجتمع الذي يتعاطى أبناؤه ألوان الفنون الراقية كافةً من مسرح وشِعر وموسيقى ونحت وتشكيل، وغير ذلك.
هكذا وصل الفيلسوفُ بذكائه وفطنته وثقافته الموسوعية منذ خمسة وعشرين قرنًا إلى ما أكّده العلمُ في العصر الراهن، كحقيقة علمية تشريحية مؤكدة، لا تقبلُ الشكَّ. وفيما بين الفيلسوف القديم الملاحِظ، والعالِم الحديث المؤكِّد، وصل أديبٌ عظيمٌ إلى الحقيقة ذاتها، فدوّنها في إحدى أعماله الخالدة. هو البريطانيّ وليم شكسبير ابن القرن السابع عشر. في مشهد جميل من مسرحية "يوليوس قيصر"، كان قيصر يستعرض قائمةَ الشخصيات المرشحة لخيانته والتآمر ضدّه بُغيةَ اغتياله. فمرّ ببصره فوق اسم ربيبه "بروتوس"، فلم يتوقف كثيرًا. فقد كان يوقن أن ظهره آمنٌ من غِِيلة تلميذه المخلص، قبل أن يعرف أنه سيكون قاتله. ثم وقعت عيناه على اسم "كاسيوس"، فهتف لنفسه قائلاً: "إن كان عليّ أن أحذرَ أحدًا، فليس إلا كاسيوس. احذرْ كاسيوس، فإنه لا يحبُّ الموسيقى!".
صدق أفلاطون، وصدق شكسبير، وإن خانه حدسُه، وصدق العلمُ، وصدقت من قبلهم جميعًا الموسيقى، وصدق الفنُّ الرفيع.