إغلاق معبر كرم ابو سالم الاقتصاد في خدمة السياسة

محسن ابو رمضان
2018 / 7 / 19

إغلاق معبر كرم ابو سالم
الاقتصاد في خدمة السياسة
بقلم/ محسن ابو رمضان

شكلت مسيرات العودة وكسر الحصار عن قطاع غزة والتي انطلقت في ذكرى يوم الارض الخالد 30/3/2018 تحولاً نوعياً في مسيرة النضال الوطني الفلسطيني وخاصة في قطاع غزة ، حيث كانت حكومة اليمين المتطرف في اسرائيل تعتقد انها فرضت شروطاً بعد انتهاء عدوان عام 2014 مبنية على قاعدة هدوء مقابل هدوء وأنها استطاعت ان تنجح في عمليات كي الوعي الناتجة عن الدمار الهائل الذي احدثته ابان العدوان المذكور وغيره من عمليات العدوان السابقة ، والتي تمت في كل من عامي 2008، 2012 ، وذلك بسبب عدد الشهداء والجرحى الكبير والتدمير الهائل بالبنية التحتية والمرافق الانتاجية مصحوباً بحصار طويل ومديد بدأ بصورة مشددة في منتصف عام 2007 من خلال منع ادخال العديد من السلع وتقييد حركة البضائع والافراد لدرجة انها عطلت عمليات الانتاج والتنمية وابقت القطاع سوقاً استهلاكية ومعظم سكانه يتلقوا المساعدات الاغاثية من الاونروا ،وغيرها من وكالات الاغاثة الدولية المحلية وبنسبة لا تقل عن 80% من عدد السكان .
عبرت مسيرات العودة وكسر الحصار بقطاع غزة عن رفض شعبنا لمعادلة الاذعان التي ارادت حكومة نتنياهو وليبرمان فرضها عليه ، خاصة بعد استمرار الحصار وتعثر عملية إعادة الاعمار التي لم ينجز منها أكثر من 39% حسب تقرير البنك الدولي واستمرارية منع ادخال العديد من المواد اللازمة لعمليات الانتاج والتنمية بحجة انها مواد مزدوجة الاستخدام الأمر الذي ادى إلى تفاقم الاوضاع المعيشية والاقتصادية وقد برزت مؤشرات ذلك من خلال الارتفاع غير المسبوق في معدلات الفقر والبطالة ، حيث وصلت الاخيرة إلى نسبة 49% من حجم القوى العاملة ونسبة الفقر العام 65% والفقر الشديد 38% ونسبة انعدام الامن الغذائي 50% ، كما وصلت نسبة البطالة بين صفوف الشباب إلى 60% وهي الاعلا بالعالم ، حيث يتخرج من الجامعات الفلسطينية في قطاع غزة حوالي 20 الف خريج سنوياً يضاف معظمهم إلى جيش العاطلين عن العمل وذلك بسبب تراجع قدرة القطاع الخاص والاضرار التي لحقت به الناتجة عن الحصار والعدوان ومحدودية القدرة الاستيعابية للمنظمات الدولية والمحلية ، وتراجع خدمات الاونروا بسبب تقليص المساهمات الامريكية بتمويلها ، بالاضافة إلى تداعيات الانقسام والتي ادت إلى خصم جزء من الراتب للموظفين العموميين العاملين لدى السلطة الفلسطينية ، وكذلك تراجع الخدمات اللوجستية فيما يتعلق بالكهرباء التي تنقطع لمعظم ساعات اليوم وتلوث المياه وشحها ، ونقص الادوية والمستهلكات الطبية ، الأمر الذي ادى إلى تحويل قطاع غزة إلى معتقل كبير في اطار صعوبة الحركة للبضائع والافراد و بأنه سيكون مكان غير ملائم للعيش في عام 2020 كما أوضح تقرير الامم المتحدة الشهير الذي صدر في عام 2016 .
ادت مسيرات العودة إلى خلق حالة من التلاحم الميداني الداخلي رغم الانقسام ، كما أدت إلى اشراك معظم القوى والفاعليات السياسية والمجتمعية في اطارها من خلال الهيئة الوطنية واعادة ارادة الكفاح الوطني بطابعه الشعبي والسلمي من جديد وساهمت في استقطاب وتحشيد قوى التضامن الشعبي والدولي و تصعيد نشاطات وانجازات حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات ، كما أدت لاعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية ووضعها في صدارة اهتمام المجتمع الدولي بعد ما تم تهميشها بسبب الاحداث الساخنة في بلدان الاقليم وابرزت دولة الاحتلال كقوة غاشمة تقتل المتظاهرين السلميين بدم بارد ولا تستثني اياً من الفئات حيث استهداف الاطفال والشباب والفتيان وكبار السن والنساء والمسعفين والاعلاميين وقد أدى ذلك إلى استشهاد وجرح العديد من المتظاهرين ، الأمر الذي ابرزها كدولة منتهكة لمبادئ حقوق الانسان وتمارس ارهاب الدولة المنظم ضد مسيرات سلمية وشعبية لا تشكل خطراً يذكر على أيا من الجنود الاسرائيليين .
ساهمت المسيرات في ارباك حكومة نتنياهو وذلك بسبب الحرائق التي التهمت بعض الحقول على شريط الحدود مع القطاع ، وقد ادى ذلك إلى قلق وازعاج سكان غلاف غزة من الاسرائيليين ، وبرزت الحكومة بموقف الضعيف غير القادر على حماية هؤلاء السكان ، كما ساهمت تحركات عائلة الاسير غولدن في تأليب الراي العام الاسرائيلي ضد حكومة نتنياهو وليبرمان وابرازهم بالضعفاء الغير قادرين على حماية شعبهم واسترداد جنودهم ، بالإضافة إلى الصورة السوداء التي برزت بها دولة الاحتلال على مستوى الراي العام العالمي ، حيث ادى كل ما سبق إلى قيامها باستخدام ادوات وآليات وتكتيكات جديدة تحاول من خلالها انهاء المسيرات واستعادة المبادرة بيدها بعد ما فقدتها بفعل الجهد الشعبي الفلسطيني الذي جسدته المسيرات.
حاولت حكومة الاحتلال استغلال بعض الاشكال التي مارسها المتظاهرين السلميين مثل الطائرات الورقية والبالونات الحارقة التي تحدث اضرار في الحقول والمزروعات الاسرائيلية على الجانب الاخر ، و عملت على تضخيمها وابرازها بأنها اشكال وأدوات عنيفة وعسكرية وقتالية ، لذلك حاولت ان تعيد قواعد الاشتباك من خلال المبادرة بضرب بعض المقرات التابعة لقوى المقاومة ومعسكرات التدريب مع الاستمرار باستهداف الانفاق، وصولاً إلى استهداف مطلقي الطائرات الورقية وتصويرهم بالمجموعات الخطرة .
استمرت المسيرات ولم تؤد الضربات الاسرائيلية ومحاولات التهديد والوعيد بسن عدوان جديد إلى تراجعها بل امتدت اصدائها إلى بعض المناطق بالضفة الغربية من خلال المقاومة الشعبية في الخان الاحمر وبعض مناطق التماس مع جدار الفصل العنصري، وأيضاً عبر مسيرات فلسطيني عام 1948 ، وكذلك من خلال بعض التحركات الشعبية في بلدان الشتات مما ابرز مدى قوة هذه المسيرات ببعدها الشعبي والسلمي وقدرتها على التعبير عن وحدة الارادة الوطنية الشعبية الفلسطينية رغم سياسة التفتيت والتجزئة الجغرافية التي قامت بها آلة الاحتلال الكولونيالية والاستعمارية .
لجأت دولة الاحتلال إلى وسائل الضغط الاقتصادي حيث قامت خلال اسبوع واحد بفرض قيود على معبر كرم ابو سالم والذي يشكل شريان الحياة الوحيد لابناء القطاع المرة الأولى تم من خلالها الاعلان عن عدم السماح بإدخال اياً من البضائع باستثناء الادوية والمواد الغذائية والمرة الثانية تم الاعلان بها بعدم السماح بإدخال أي شئ باستثناء بعض المواد الطبية وعند الاحتياج فقط .
تتزامن عمليات الضغط والتهديد العسكري والاقتصادي مع تحركات اقليمية ودولية تعلن انها تريد ان تخفف الاحتقان وتمنع اندلاع حرب جديدة في قطاع غزة .
كان أبرز تلك التحركات ما قام به السيد ميلادنوف مبعوث الامم المتحدة لعملية السلام بالشرق الاوسط ، حيث اعلن في مؤتمر صحفي عقده في غزة عن خطة مدتها ما بين 6 اشهر إلى عام ترمي إلى تحسين الاوضاع الاقتصادية السيئة بالقطاع ، وذلك بهدف التخفيف من معاناة الناس وتبقى لهم الامل على حد تعبيره وقد سبقه ايضاً السفير القطري السيد العمادي ، وذلك عبر تقديم مقترحات اقتصادية تضمن تهدئة وربما تتطور إلى هدنة وبما يشمل امكانية تحقيق صفقة لتبادل الاسرى .
ينظر العديد من المراقبين إلى هذه المقترحات بأنها تعالج النتيجة وليس السبب ، حيث يكمن سبب التدهور الاقتصادي بالقطاع بالاحتلال والحصار والعدوان الامر الذي يفترض ان يتم اجراء ضغوطات على دولة الاحتلال لإنهاء هذا الحصار والذي يوصف وفق القانون الدولي بأنه شكلاً من اشكال العقاب الجماعي ، حيث لا قيمة لأية مشاريع في ظل استمرارية الحصار والتحكم بحركة البضائع والافراد ،لأنها قد تؤدي إلى اجراء تحسينات مؤقتة سرعان ما تتلاشى إذا لم تتوفر المناخات المناسبة للتنمية والتي تكمن بحرية الحركة للبضائع والافراد في اطار دولة مستقلة ذات سيادة تملك الحق في التنمية كجزء من الحق في تقرير المصير .
تأتي هذه المقترحات الاقتصادية بعد سلسلة من الاجتماعات التي تمت في البيت الابيض وجولة مبعوثي الإدارة الامريكية وهم كل من كوشنير وغرينبلات إلى المنطقة والتي تهدف إلى الترويج لفكرة السلام الاقتصادي والتي تشكل القاعدة الرئيسية لما يسمى بصفقة القرن على ان يكون قطاع غزة في مركزها وضمن آلية تضمن مقايضة التسهيلات الاقتصادية بالحقوق السياسية والوطنية .
تفرض دولة الاحتلال على قطاع غزة اجواء من الحرب التي تهدد بها يومياً وتقوم باجراءات عملية على الارض من خلال استدعاء الوحدات العسكرية ونصب القبة الحديدية ،والتعبئة الاعلامية والضربات الجوية على المباني والمواقع داخل القطاع متذرعة بالطائرات والبالونات الحارقة ولكنها تهدف بالأساس إلى العودة إلى مرحلة ما قبل اندلاع المسيرات القائمة على معادلة هدوء مقابل هدوء دون الاستجابة إلى مطالب رفع الحصار وبما يعمل على تخفيض سقف التوقعات لدى حركة حماس بما يتعلق بفكرة الهدنة طويلة الامد التي تريدها اسرائيل وفق المعادلة السابقة دون ان تعمل على رفع الحصار على ان تبقى ممسكة بمفاتيح السجن بأيديها ، كما تهدف كذلك إلى أن تجعل شعبنا يفكر بالأولوية الانسانية والاقتصادية على حساب الأولوية الوطنية والحقوقية .
واضح ان حكومة اليمين غير ناضجة لأية حلول ومقترحات تقود إلى انهاء الحصار ، حيث ان اقصى ما قدمه ليبرمان يكمن في مشروع ربط ميناء قبرص بميناء اسدود لجلب البضائع إلى قطاع غزة ، في اطار استمرارية التحكم والسيطرة الاسرائيلية على هذا المسار ، علماً بأن كل من ليبرمان ونتنياهو كانوا قد رفضوا مقترح وزير المواصلات كاتس في الحكومة الاسرائيلية يهدف إلى بناء ميناء عائم في قطاع غزة ، وبما يعكس عقلية الهيمنة والغطرسة والتي تريد الامعان بفرض الحصار وارتكاب الانتهاكات المستمرة بحقوق شعبنا ، الأمر الذي يفرض على المجتمع الدولي وممثله السيد ميلادنيوف العمل على الضغط على دولة الاحتلال لانهاء الحصار بدلاً من البحث عن مخارج لمعالجات اقتصادية جزئية في اطار استمراريته التي حولت القطاع إلى معتقل كبير .