من الذي جرح ساقها؟

فاطمة ناعوت
2018 / 7 / 17



وقف الصبيُّ النيجيريُّ الصغير "آجوو" جوار الراديو وراح يتأمله مليًّا، دون أن يلمسَه. ثم راح يزرعُ المنزلَ، يطلع وينزل، يمَسُّ الكتبَ والستائرَ والأثاث والأطباق، وحينما زحف الظلامُ، أضاء النورَ متعجبًا من معجزة البريق الذي تُشعّه الثُريّاتُ المُدلاة من السقف، وكيف أنها لا تلقي ظلالاً قاتمةً على الجدران مثلما تفعل قناديلُ زيت النخيل في بيته الريفي القديم. لابد أن أمه تعدُّ الآن وجبةَ المساء هناك. تسحق الأكبو في الهاون، فتقبض بقوة على ذراع الهاون بكلتا يديها. تشيوكي، الزوجة الصغرى، بالتأكيد تحضّر الآن وعاءَ الحساء وتضبط اتزانه على الأحجار الثلاثة فوق النار. والأطفال لابد رجعوا من النهر يتصايحون ويتعاركون تحت شجرة الفاكهة. و غالبًا تراقبهم آنيوليكا. فهي الطفلةُ الأكبر سنًّا في الأسرة الآن. وبينما يجلسون جميعهم حول النار ليأكلوا، سوف تثور ثائرتُها حين يتعاركَ الأطفالُ الأصغر سنًّا على شرائح السمك المقدد في الحساء. ستنتظر حتى يؤكل الأكبو كله ثم تُقسّم السمكَ لينال كلُّ طفل قطعةً، وتأخذ القطعة الأكبر لنفسها، كما تفعل دائمًا. 

فتح آجوو الثلاجة وأكل المزيد من الخبز والسمك، كان يكدّس الطعامَ في فمه بسرعة وقلبه يدق كما لو كان يركض؛ ثم استخرج مزيدًا من قطع الدجاج وانتزع الأجنحة. دسَّ القطع داخل جيب سرواله قبل أن يذهب إلى غرفة النوم. سوف يحتفظ بها حتى تأتي عمته للزيارة ثم يسألها أن تعطيها لـ آنيوليكا. وربما سألها أن تعطي بعضها لـ نيسيناتشي أيضًا. عسا يجعلها هذا تنتبه إليه أخيرًا. لم يكن متأكدًا على أي نحو تمُتُّ نيسيناتشي إليه بصلة القربى، لكنه يعلم أنهما من نفس الـ يومانّا، ومن ثم مستحيلٌ أن يتزوجا. لكنه كان يتمنى أن تتوقف أمه عن الإشارة إلى نيسيناتشي بوصفها شقيقته، مردّدةً أشياءَ من قبيل: "من فضلك خذْ زيتَ النخيل هذا واذهب إلى ماما نيسيناتشي، وإن لم تجدها اتركه لأختك".

نيسيناتشي تكلمه دائمًا بصوت غامض، لا تركز عينيها عليه، كأنما حضوره لا يعنيها. أحيانًا تناديه بـ تشيجينا، اسم ابن خالته الذي لا يشبهه قط، وحين يقولُ لها: "بل أنا،" كانت تقول: "سامحني، أخي آجوو،" بنبرة رسمية متناهية بما يشي بأنّ لا رغبةَ لها في المزيد من الحديث. مع هذا كان يحب أن يذهب إلي بيتها في مهام أسرية. كان ذلك فرصةً ليجدها منحنية فوق خشب النار تؤججه، أو تقطع أوراق الأجو من أجل قِدرة حساء أمها، أو حتى فقط تكون جالسة في الخارج تراقب أشقاءها الصغار، ودثارُها متهدل بما يكفيه ليرى قمةَ نحرها. لكنه كان قلقًا لئلا يُتاح له أن يهنأ بها أبدًا. ذاك أن عمَّها قد طلب إليها أن تذهب وتتعلم التجارة في كانو. كان عليها أن ترحل للشمال عند نهاية العام، حينما يبدأ آخرُ أطفال أمها، الذي كان عليها أن تحمله، في تعلّم المشي. أراد آجوو أن يفرح لها مثل بقية أفراد العائلة. ثمة ثروةٌ يمكن أن تُغتنم في الشمال؛ عرف ذلك من الناس الذين طلعوا الشمال للتجارة ثم عادوا إلى الوطن ليهدموا الأكواخَ ويبتنوا محلَّها منازلَ بأسقف حديدية مضلّعة. لكنه خاف أن ينظر إليها أحدُ هؤلاء الرجال من ذوي الكروش، ثم أنه يعرفُ شخصًا بوسعه أن يجلب لأبيها نبيذَ النخيل ومن ثم فلن يكون بوسعه أبدًا أن ينالها.

أفاق من خيالاته على صوت سيده يناديه:
- آجوو، صغيري الطيب.
- صباح الخير يا صاح!
- توجد هنا رائحةُ دجاج محمَّر!
- معذرة يا صاح.
- أين الدجاجة؟

تحسّس آجوو بارتباك جيوبَ سرواله وأخرج قطعَ الدجاج. 

- هل أهلُك يأكلون أثناء نومهم؟" سأل السيد.
كان يلبس شيئًا مثل معطف امرأة ملفوفًا بغير اهتمام حول خصره.
- صاح؟
- هل كنت ستأكل الدجاج في السرير؟
- لا يا صاح؟
- الطعامُ في غرفة الطعام أو في المطبخ.
- نعم، صاح.

استدار السيدُ ومضى. وقف آجوو في منتصف الغرفة يرتعد، ممسكًا لا يزال بقطع الدجاج في يده الممدودة للأمام. تمنى لو لم يكن عليه أن يمرَّ بغرفة الطعام لكي يذهب إلى المطبخ. في الأخير، أعاد الدجاج إلى جيبه، أخذ نفسًا عميقًا، ثم غادر الغرفة. كان السيدُ يجلسُ إلى طاولة الطعام، وفنجانُ الشاي موضوعٌ أمامه فوق كومة كتب. 

- هل تعرف يا آجوو مَن الذي قتل لومومبا ؟" قال السيد وهو يرفع وجهه عن المجلة. "إنهم الأمريكان والبلجيك. وليس لـ كاتانجا علاقةٌ بالأمر.”
- نعم يا صاح. قال آجوو.

كان يودُّ أن يستمرَ السيدُ في الحديث، حتى يكون بوسعه الإنصات إلى الصوت الجهوريّ، وإلى ذلك المزيج الموسيقيّ من جُمَل إيبوية مُطعّمة بكلمات إنجليزية. 

وأكمل السيد:
- أنتَ خادمي الصغير وعليك طاعتي. نفترض أنني أمرتُك أن تخرجَ وتضربَ بالعصا امرأةً تمشي في الطريق. وأنت من ثم أطعتَني وجرحتها جُرحًا داميًا في ساقها. مَنْ وقتها سيكون المسؤول عن الجُرح: أنتَ … أم أنا؟

---
مقتطف من رواية: "نصف شمس صفراء"، تأليف الروائية النيجيرية: "تشيمامندا نجوزي آديتشي" وترجمة: "فاطمة ناعوت". تصدر قريبًا عن دار "المدى".