تضارع نشوة السكر بالخمر ونشوة السكر بالخيال

صفاء الصالحي
2018 / 7 / 16

دائماً ما تُشرع الإدارات العامة للمرور حزمة من القوانين تضبط فيها حركة السير وتخفض فيه معدلات الحوادث وتحافظ فيه على سلامة المواطنين ،ومن أبرز تلك القوانين القانون الذي حددت فيه القيادة الخطيرة تحت تأثير المسكرات بنسبة 0.50 ملغم من الكحول في اللتر الواحد من هواء الزفير، على اعتبار ان السكر يؤثر على الدماغ ويخفض نسبة اليقضة والانتباه ويضعف الرؤية والحواس ويبطئ ردود الأفعال في حالة الطوارئ. المثير في انتباهي أن ثمة تشابه وتضارع بين نشوة السكران بالخمر ونشوة السكران في الخيال (خمرة الكاتب والروائي) .
ففي صباحات كل يوم نتقابل متقاطعين (face to face) في طريقنا ذهاباً وإياباً قابضاً كلاً منا مقود سيارته أنا والكاتب والقاص والروائي تحسين گرمياني، وفِي كل مقابلة تستغرقني وتستحوذني الخيالات التي أحاول فيها فك شفرات خياله والصور التي يعرضها على نفسه تبعاً لتقاسيم وجهه ثم أدوّن تلك الخيالات والتحليلات في سجل ملاحظاتي ،ومن بين ما دونت عنه :
- يتلصلص كرجل أمن يدلق كرتا عيناه لما حوله يميناً يدلقها تارة وشمالاً تارة لعلها ترصد احداث يستلهم منها افكاراً لروايته القادمة...
-نظراته وخلجات وجهه تمطر كلمات وجمل ثقافية ، يلاحق طيش الكلمات يغربلها يعيد ترتيبها يحبكها بجمل أنيقة رصينة لها وقعها الخاص ، سيغرد بها الليلة على صفحته في الفيس بوك يطرب بها عقول أصدقائه ومتابعيه ويشنف آذانهم ...
-رومانسي مستغرق في بحار اللذات والشهوات، تتسعر براكين الرغبة فيه يبحث عن أدنى فاكهة من فواكه قلبه ،لم يتحرر بعد من تقمصه لشخصية (الاستاذ حبيب )الشخصية الواقعية في روايته "الليالي المنسية" التي لم تزل تطارده وترفض الرحيل وكأنها تطالبه برواية أخرى...
-من جانب زاويتا فمه يسقط خطان على ذقنه الغير محلوق ترسم على وجهه ملامح الحزن العميق،يكشر غماً على الوطن وعلى القيم الإنسانية المنهارة وعلى سياسيون جاءوا ارقام في قوائم لم يكترثوا لمقاله التحذيري في عام 2008 ( الاتفاقية الأمنية بين مطرقة امريكا وسندان الفوضى ) الذي تكهن فيه بسيناريوهات مرعبة ابرزها :
سيتم سحب الأسلحة الثقيلة من الجيش وهذا يعني تفليش الجيش وربما هروبهم الجماعي بعدما يفقدون عامل الحماية لهم وتعود ظاهرة الميلشيات الى الشوارع، ووقف حماية الحدود من قبل طائراتهم وهذا يعني السماح لكل من هب ودب الدخول والخروج وإدخال ما يريد من وسائل تدمير وتتوفر ارضية ممهدة للفئات الانتحارية لمسك زمام الأمور من جديد والبدء بتقسيم فعلي للبلاد والعباد والتقاتل على فضلات الموارد المتبقية...وختم مقاله بمقولة احمد يوسف الكاتب [اذا لم تعض يد عدوك فقبلها].
-( كلفته بمهمة فهرب من بين يدي وحين القيت القبض عليه نطحت العمود) بهذه التغريدة عن الصلات الترابطية مابين خياله وحادثة السير المروع الذي تعرض له قد أنهى مدوناتي التي أشارة الى أني لم اتقابل معه يوماً الا وهو منسرح الفكر شارد الذهن مطلق العنان لخياله الخصب الذي أنتج حتى هذا اليوم : (8 روايات ، 5مجاميع قصصية، 5 كتب مسرحيات ، 2 كتب مقالات ،2 كتب شعر ).ًً
هؤلاء المفكرون والاُدباء مترعين بخمرة الخيال حتى الثمالة، وفِي انهار خمرهم لذات تسكرهم لكن بغير معصية توجب العقاب ، ويتدفق عندهم الخيال سيلاً من الافكار وفي نشوة تأليفها وتنسيقها وعرضها يترنحون ، ولحركة الخيال والصور التي يعرضونها على أنفسهم بكل جوارحهم يستغرقون، ويقاومون لكل ما يحاول تشتيت اذهانهم ،ولذلك تلهو نفوسهم في مدركات الخيال وتسهوعن مدركات الحواس حتى يستولي عليهم الخيال تماماً ولا ينتبهون لما حولهم من المحسوسات ثم يغفلون عن النفس وأحوالها. ولوبحثنا وتقصينا عن أثر هاتان الخمرتان لما وجدنا بينهما اختلافاً كثيراً، فكلاهما يخامر العقل ،وينسيان متعاطيها ما كان يشغله او يهمه في يقظته،وان حالات الاسكار والانتشاء بالخمر تضارع حالات الاسكار والانتشاء بالخيال لا سيما اثناء قيادة السيارة،وفي كلاهما يجدها الخيال فرصة سانحة لكي يستولي على النفس ويخضعها تحت سلطانه ثم يؤثر على الدماغ فتتراجع فيه مستوى اليقظة والانتباه وتنخفض فيه نسبة استيعاب المحفزات من خلال حواسه ، بعد ان ينقص لديه الإدراك الحسي الحركي الذي يلعب دوراً مهماً في سرعة ردود الأفعال في حالة الطوارئ.
وهنا تستحضر ذاكرتي لأسماء أدباء وكتاب قضوا نحبهم بحوادث السير أمثال :(الشاعر والكاتب المسرحى عصام نبيل، الكاتب والمخرج والمنتج الكويتي عبدالأمير التركي،السيناريست والروائي المصري محمد زهران،الروائي والشاعر الأردني مؤيد العتيلي ،القاص والشاعر والناقد العراقي زمن عبد زيد الكرعاوي،...)، وما يدرينا بمن تخيلا تبادل الأنخاب وقرع الكؤوس .