الثورة الإسلامية الايرانية : من ثقافة مكافحة الإستكبار إلى دولة العقيدة و الإستبصار

حمزة بلحاج صالح
2018 / 7 / 15

على إخواننا الشيعة العرب و الفرس أن يعمموا الثقافة الوسطية التي تراجع الموروث من أجل التقارب السني - الشيعي بينهم

شعبيا و مؤسساتيا عبر وسائل الإعلام و التثقيف و المدارس و الجامعات و مؤسسات صناعة الرأي العام و الخطاب الديني ..

و من خلال الحوزات بما يضع حدا للخطاب المتشنج و اللاعن للصاحبة و الذي يجر و يكر محن التاريخ و صراعاته و وجهه الشاحب الحزين....

و أعتقد أن من رجال الدين و الفكر الشيعة مثل إبراهيم الحيدري و محمد يحي ..الخ و غيرهما هم من يصلحون لتقديم ثقافة و رؤية تتجاوز " المخانق" و " السجون" و " التصنيفات " فعساهم يخطون خطوة نحو أهلنا السنة ...

و لا يجعلوا أكبر همهم فقط نقل السني عبر الإستبصار ليكون شيعيا و نشر ما يعتبره السنة نزعة توسع قومية فارسية ما يثير حافظة القوميين العروبيين التقليديين و المواطن العربي ....

لتقابلها خطوة من السنة تتفهم هذا الخطاب و تقدم هي تصحيحات لفهومها و نزعة التكفير عندها سجينة مرحلة بعينها مهربة من التاريخ و محنه و صراعاته .....

هكذا يبدأ التقارب ...

بعيدا عن بعض النشطاء الطفيليين و عن المستبصرين و التكفيريين و السياسويين و الوصوليين و أجهزة الإستخبار و الإستعلامات و البوليس و العسكر..

إنه عمل تثقيفي بامتياز و عمل معرفي و فكري و مؤسساتي له استراتيجية تنزيله عبر صهاريج الأفكار و لوبيات المال - المعرفة ..

أذكر و أنا طالب كيف بدأت الثورة الإسلامية - الإيرانية بمفردات خطابها الجامع و التعبوي و الذي كان يخاطب المسلمين كافة بل الإنسان عموما بلغة و مفردات الاستكبار و الاستضعاف و ينعت أمريكا بالشيطان الأكبر ...

و هو خطاب لا يثير حساسية عند السني بل يستحسنه و لا عند شرائح إنسانية واسعة ..

و لذلك ترى دار نشر مثل دار الطليعة بلبنان التي أظنها تمثل تيار اليسار و الشيوعية و التي كان على رأسها المثقف بشير الداعوق ولا أدري هل لازال أم لا على رأسها و ما شأنه الان ..

لقد قامت هذه الدار بطبع كتاب " الحكومة الاسلامية " للخميني و القاسم المشترك معها كان " الثورة " لا الجانب العقائدي الشيعي ...

لنتسائل هل حافظت إيران على ذلك التعاطف الواسع الذي أراه تحقق رغم هوس قلة من الطلاب من إيران و لبنان و النشطاء بنزعة التشيع في شقه العقائدي اليوم...

لكن غلب المظهر الثوري ضد الإستكبار العالمي و فكر فضل الله و المطهري و تقي المدرسي و ما عاشته الحوزات من تحولات و ثورة على موروثها القديم و لو جزئيا أقول أيضا رغم هوس تصدير الثورة و تعميمها ...

إخواننا الشيعة في إيران و جمهورية إيران و النظام الحاكم ضيعوا من هذا التعاطف الكثير بإلحاحهم على نشر التشيع في مظهره العقدي ...

و نحن لا نحب إلا الخير لكل مسلم مهما كانت طائفته و نحلته نرى هذا من الأخطاء التي إرتكبوها في بلاد السنة جعلت التعاطف الواسع يتراجع ...

و لايعود هذا التراجع فقط لهذا العامل بل أيضا لعامل إنتشار " السلفية " " الوهابية " " التيمية " " الحنبلية " كما تسمى في بلدان عربية كثيرة ..

و فتح المجال لها في إطار تفاهمات بين هذه الدول و دولة السعودية و ربما بمباركة من الإستكبار العالمي الأمر الذي ساهم في خلق مجال متوجس من ايران و من التشيع ..

كان يجب على إيران أن لا تفرط في الشق الثقافي و الفكري و كان يجب أن لا تدخل بوابة الطائفية و الخلاف الذي للأسف بات يوسم بالعقدي عند السنة و الشيعة بانغلاقهم على منظومة التراث في جوانبها المتاكلة و المستقيلة عن الواقع ...

إن خطابي التوتر السني و الشيعي اللذان يعتمدان مفردات " النواصب " و " الرافضة " لا يخدمان لا إيران و لا الشعوب السنية و لا التقارب السني- الشيعي ...

إنها أي إيران للأسف تحاكي الوهابية التي سوقت لمذهبها و أعتبره " مذهبا " و " منظومة فرعية لقراءة النص " وفرت لها منظومة نصية كبرى مناخا ملائما لتتناسل عنها ..

و التي جعلت منمذهبها عقيدة و انتشرت نسبيا في البلاد العربية فراحت هي أيضا تنشر منجزاتها و حضارتها عن طريق الشق العقدي و هو خيار لو قامت بحساب أرباح و خسائر لوجدته مسببا للهوة السحيقة في مسافة التقارب...

هل تسمع إيران لأصوات من السنة من ذوي البصيرة يخبرونها بهذه الحقيقة أم إنها ستواصل الإستثمار في نشر مذهبها في بلاد السنة و لو بكلفة باهظة الثمن ...

و هي في الحقيقة لو علمت في حاجة إلى تعاطف سياسي و حضاري و ثقافي يقرب بين حاضنة السنة و حاضنة الشيعة و يوحد جهود المسلمين في إطار التنوع ...

بمعنى اخر هل تتحول ايران من رقعة دعوة السنة إلى بلدها من أجل اكتشافها عن قرب على أساس الولاء العقدي و القابلية للتشيع عقائديا ..

فلا تجد إلا ضعاف الكسب و الطماعين في مالها أو في سياحة ترفيهية أو تجارية و الذين لا يهمهم إلا مصالحهم و لو مدت لهم يد الشيطان ...

أم تنفتح على من يحبون إيران فقط لأنها مسلمة و شعبها مسلم و من ال بيت الرسول الأكرم من غير دخول في متاهات من جنس و نوع " من كان على حق " و " من كان على باطل " ..

و اي المذاهب يمثل الحق ..

بل هل تنفتح على من يهمهم من السنة تشاركهم إياها أي إيران الإيمان بالله و برسوله و كتبه و ملائكته و رسله و اليوم الاخر و الغيب و البعث و النشور و ما أكثرو افسح المشترك ..

فستربح الكثير و تخسر القليل و لا تسمح بإحياء حالات التوجس و لا تمنح لدعاة الفتن فرص التسرب و الولوج...

انحسرت دائرة حب الشعب الإيراني و الدولة الإيرانية عند السنة و تنامت دائرة " السلفية المتسعودة " و " الوهابية " حيز و فضاء و مكان هذا الحب الذي كان واسعا و قويا عند النخب ...

و انتشرت السلفية المدخلية و ما شابهها و رد الشيعة الفعل على كل هذا و وقع الكثير منهم في فخ شيطنة ابن تيمية و عبد الوهاب و احمد ابن حنبل ..الخ

فهل تتراجع إيران بشجاعة عن استراتيجية التعريف بنفسها على نحو عقدي و طائفي و بنزوع قومي فارسي و تراجع موقفها لتجعل " الحب و الأخوة الإسلامية " مكان " الإستبصار " أي الدعوة إلى تشيع السنة ..

و أعني بذلك الحب الإنساني و حب المسلم لأخيه المسلم ...

و يعلم الله أننا نحب إيران و شعبها و علماءها المعتدلين لهذا السبب نمارس بصراحة نقدنا و هو لأن الإيمان و الإسلام يجمع بيننا سنة و شيعة و زيدية و جميع الطوائف و رابط الأخوة يقتضي منا أن نحب المؤمنين و المسلمين ...

اسف كسني بالميراث يعلو فوق الصراعات التاريخية و المذهبية بإسلام إنساني كوني للتراحم إن كنت بطرحي أغضب السنة و الشيعة معا فالمواقف المعتدلة تغضب الناس عادة لكنها لا تغضب الله في تقديري ..