ظاهرة انبعاث النبوة في العراق

عبدالامير الركابي
2018 / 7 / 12

عند بداية 2011، صدر كتابي "تجديد النبوة والثورة الكونية الكبرى الاتية من جهة العراق" كان الكتاب قد طبع في سوريا، وتخوف الناشر، او صاحب المطبعة، من وضع اي اشاره تدل على علاقة له بالكتاب، فصدر بدون جهة نشر، كانه بيان في زمن النضال السري، مع ان دار نشر عراقية، تولت توزيعه، وان بطريقة سيئة، تشبه وضع العراق الراهن، لم يكن الكتاب قابلا للادراج، ضمن اي سياق تفكري من تلك الشائعة، او المتعارف عليها، والمتراكمه من دورتين حضاريتين عراقيتين، الاولى، السومرية البابلية، والثانية العباسية/ القرمطية، ناهيك عن سطوة المنظور الغربي الحديث، وهيمنة طبعته المبتذلة المستعارة، على العقل، في منطقة تتباهى بماتسمية "النهضة العربية"، مصرة على عدم الانتباه، الى ان ماقد عرفته، وعاشته، على مدى القرنين المنصرمين، هو "محاولات تشبّه فاشلة بالغرب على ايقاع نهضته ".
ولان العمل المذكور، ينتمي لما يمكن ان نطلق عليه اسم ، محاولة التسجيل المبكر لظواهر مابعد النبوية الالهامية ( من ابراهيم / الى محمد)، اي محاولة عبور مبكرة، باتجاه الطور "الابراهيمي العلّي"، فلقد بدت وقتها، خارج التفكر السائد، بالاخص مع اخذ التوقيت بنظر الاعتبار، وملاحظة درجة التردي الخاص، الكارثي، المهيمن على الحال العراقي، ماجعل الحديث حينها، عن اساس المنظور النبوي، ونسبته لقاعدة مجتمعية، مطابقة لبنية "اللادولة الرافيدينة"، التي بها ابتدات المجتمعية الانسانية، في ارض سومر، خارج الصدد تماما، وقد يدخل في الاسباب القوية، المانعة لاجتياز منطقتي الوعي الغربي الحديث، وانعكاساته المزرية الرثة، والوعي المترسب "النبوي الالهامي" المنتهي، محولا اياهما لعقبة كبرى، وكاداء، امام اي مسعى غرضه فتح نافذه، باتجاه الزمن الانتقالي الراهن. حيث لاتبقى امام من يجاهد على هذا السبيل، غير انتظار مفعول التراكمات، وقوة المتغيرات المتصلة بها، هذا اذا وجد من يعنى بهذه الناحية العقلية، الفاصلة في التاريخ الانساني، بافتراض كون اللحظة الحالية، المعاشة، من هنا فصاعدا، هي على المستوى الحياتي التاريخي، اي الموضوعي، لحظة انتقال زمني، سائرة الى التفاعل واقعيا، وعلى مستوى الظواهر والافكار.
وقتها، ان لم يكن منذ التسعينات من القرن المنصرم، كانت "المهدوية" قد بدات تظهر بالتتابع في العراق، ومن الثابت ان محمد محمد الصدر، قد عرف مبشرا ب"الظهور"، قيل ان مقره كان مدينة الثورة / الصدر، وبعده بفترة، ظهر في ديالى شخص، ادعى انه مبشر، او " داعية رباني"، يقارب النبوة، مع انه لم يدعيها، وظل منغمسا بمغالبة حالات خاصة، وغيابات عن الوعي. بعده ظهرت في الفرات الاوسط، حركة " قاضي السماء"، ومهديها، تبعه "اليماني" في البصرة، والاثنان مهدويان، مبشران، هذا عدا حركة "السلوكيين" المنتشرة، السرية، في جنوب العراق، وحركات اخرى. واغلب هؤلاء يتخذون صفة الممهدين، في الغالب، لقناعتهم بانهم اعجز من ان يفوا المهمة الكونية الكبرى، الملقاة على عاتق المهدي، حقها، ذلك مع ان مجرد التعبير عن قرب الاحتمالية التاريخية، المضمرة، وبمثل هذه الوتيرة، يعد من قبيل حضور محركات خفية،من التبسيط احالتها لوطاة الغزو الامريكي والحصار، هذا اذا نسبنا السلسلة المهدوية الحالية، الى الحساسية المفرطة، علما بان احد هؤلاء المبشرين، كان خريج معهد الفنون الجميلة، وعازفا على العود، وقد قتل قرب كربلاء، في الحملة العسكرية الماحقة القاسية،التي استهدفته، هو وجماعته، والثاني اي اليماني خريج كلية الهندسة في البصرة.
مرت بضع سنوات، منذ اخر عملية اعلان مسلح، عن مثل تلك الظواهر في الجنوب، حدثت في الناصرية عام 2015، واحبطت، وكانت يمانية، هي آخر ماسمع عن اليماني المتخفي وحركته، لتتوقف من يومه، سلسلة الاعلانات التي من هذا الصنف، وكأن تلك السلسلة انقطعت، بانتظار موعد الانتخابات الاخيرة، قبل بضعة شهور، حين ظهر نوع اخر جديد من الاعلانات، الخارجة على المالوف، ومرة اخرى في الناصرية/ سومر الحديثة، القديمة، اذ اعلن هذه المرة عن "نبي" انتخابي، قام بالدعاية الانتخابية لنفسه، فتقدم بصفته نبي جديد، والانتخابات الاخيرة على مايبدو كانت موحية، وخارقة، من حيث خروجها عن كل منطق ارضي، بحيث انها ماكادت لتنتهي فصولا، الا وقام احدهم، بالاعلان انه السيد المسيح، وهذه المرة في العاصمة، على الجانب الايسر، الكرخي من بغداد.
مدعي النبوة الاول، حصر نفسه في الدعاية الانتخابية، فقام بتعليق صوره، وطالب الجمهور بانتخابه، لانه مرسل من الله، اما الثاني، فقد تحدث عن كونه قد جاء لكي ينهي الحروب، وانه مرسل لهذا الغرض، وانه هو عيسى بن مريم. وهاتان الظاهرتان، تتخطيان اكثر من المهدوية المتاخرة، حدود التوقع، او المتخيل، مع ان الثانية منهما منحصرة ضمن نفس السردية المهدوية، التي تقول بان عيسى النبي، ينزل وقت ظهور المهدي، ويصلي خلفه، النبي الاول ( الناصري / من مدينة الناصرية) ظاهرة متصلة كما هو واضح، بالحداثة، وبالديمقراطية الانتخابية، لهذا هي اقرب الى الراهنية العقيمة، والاثنتان محدودتا القيمة، والتميز، في حال جرت مقارنتهما مثلا، بحالات اسبق منهما، وجدت ابان تاريخ العراق في الدورة الثانية العباسية/ القرمطية، حيث نزعة التنبؤ ( النبوة)،غائبة كليا، وقد حلت محلها، اما الامامة والعصمة، شيعيا، او الالوهية احيانا، كما عند الاسماعيليين، او تكرار نموذج الانسان الاله، السومرية، والتي الى صنفها، تنتمي حالة النبي عيسى المسيح، كما الحلاج الصوفي، هذا بخلاف الطور الاول السومري طبعا، حيث كمال تأسيس مفهوم النبوة، بصفتها مجال التعبيرعن "مجتمع اللادولة"، الممنوع من التحقق في حينه، ومما لاشك فيه، ان مفهوم "النبوة" بالاصل عراقي، سومري، بابلي، تكرس خلال الصراع بين المستويين المجتمعيين، "مجتمع اللادولة"، الاسفل في ارض السواد، ومقابله ونقيضه، "مجتمع الدولة التمايزي" الاعلى.
ونحن هنا امام صيغتين للدولة، احداهما مفارقة وسماوية، ومبنية بصفتها "مملكة الله"، وهي تحكي الممكن من "دولة اللادولة"، المتعذرة على التحقق، في حينه، والمنتكسة امام قوة حضور الدولة القاهرة التمايزية، بعد، وخلال تكرس نموذج دولة "بابل" القاهرة الطاغية، ان قصة ابراهيم، الحالة النبوية الفعالة، الاكمل، وقصة طرده، واضطراره لابتداع مهمة "الوعد خارج ارضه"، هي تدبير لادولة، متعذر عليها الحقق في ارضها، مضطره للعيش خارج منشئها، في عزلة "جيتو"، لطالما حرف من داخله، وعاش في اصطراع،مزدوج مع المحيط المجافي وميول الانحراف من الداخل، بسبب بكورية الزمن غيرالملائم للتحقق، وعدم مطابقة المكان، الجاري الانتقال اليه قهرا، بنيويا، حيث لااساس ل(اللادولة) في ساحل الشام ومصر،كما الحال في العراق.
وكل هذه، كما يمكن ان نلاحظ، افتراضات، قد تبدو اليوم وبظل الطغيان الراسخ، والمصادرة الطويلة، الممارسة من قبل الاحادية المجتمعية، ومنظومة مفاهيم الدول القاهرة، على مستوى المعمورة، بعيدة عن ان تدخل مجال المعقول الاحادي، الطاغي والملموس، بالاخص منه اعلى اشكاله، الاوربي العقلاني الحديث، ولايساعد في طلب العكس هنا، كون الرؤية النبوية الكونية الاولى، التوحيدية، تعم المعمورة، وهي الاثبت في الوجدان البشري، ابتداء من قلب الهند وحدود الصين، عبر القارات المختلفة، والسبب هو انها مركبة بصيغة، تناسب زمنا غير زمنها، متناسبة مع طغيان المنظور الاحادي، لمجتمعات الدولة، ابتداء من نموذج مجتمع الدولة الاحادية السكونية الاولى، النيلية، المقاربة زمنيا، من حيث التبلور، لحضارة مابين النهرين، ناهيك عن الشكل الاعلى، والاكثر دينامية، من اشكال مجتمع الدولة، كما هو حال اوربا الطبقية.
ذلك جعل التوحيدية التاريخية بالاحرى، في حال ماقبل الحضور العقلاني، وبالاخص من ناحية مايطلق عليها من صفة "الدين"، الاقصائي النافي لاي ممكن ارضي، من شانه ان يكون متضمنا فيها، والطارد لها من حيز العالم، الملموس، والمعاش، واصل هذا القطع / النفي/الاقصائي، متأت من عدم الاعتراف بحقيقة "اللادولة"، التي تابعنا حضورها في تاريخ العراق، عبر دوراته الثلاث، في كتاب سابق لنا * صدر قبل عشر سنوات، الامر الذي لم يكن ليقلل صعوبة الاثبات، او محاولة الانتقال الى حيز المحاكمه العقلاني، بما انه يشمل اعادة نظر شاملة، بكل مناحي وسرديات التاريخ والوجود، وهو غير ممكن هنا، خلال هذا التعرض اذا توخينا الاحاطة القريبة من الكمال، بامل ان يكون ذلك اقرب للابانه، في كتابنا القادم قيد التاليف، والمزمع نشره، تحت عنوان ( قرآن العراق الضائع و "مابعد ماركس ومحمد") حيث يحتل جانب بداية تقلص وبداية انحسار المفهوم الغربي، وتوقفه عن الطغيان على الرؤى العقلية للانسان، مكانا تأسيسا في بحثنا، ومنه سيكون الانتقال لاسباب وممكنات، واحتمالات انبعاث النبوية والمهدوية العراقية، مستقبلا، كما منذ اكثر من ربع قرن، باعبتار ماهو حاصل الى الان، من نوع المؤشر،على احتمالية عودة متأخرة، قد تتحقق بموجبها الرؤية المتعذرة في ارضها،على مدى سبعة الاف عام، في غمرة الانتقال الى "الابراهيمة العلية"، ومغادرة المحمدية المنتهية اصلا منذ القرن الرابع الهجري، نهائيا، باعتبارها خاتمة الطور النبوي المنقضي تاريخيا، من التوحيدية، الابراهيمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• المقصود كتابنا"ارضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ"/ دار الانتشار العربي / بيروت ـ عبدالامير الركابي ـ 2008 .
ـ يتبع ـ