حول البورجوازية الصغيرة (16- 18)

غازي الصوراني
2018 / 7 / 10


10/7/2018

المسألة الهامة الأخرى، أن البورجوازية الصغيرة شكلت دوماً، وستظل إلى مدى بعيد قادم، الوعاء أو المصدر الأول لتأسيس المؤسسات والجمعيات والأحزاب اليسارية والقومية والدينية بمختلف أيديولوجياتها وأساليب عملها وأهدافها وحجم حركتها واتساعها حسب هذا الظرف أو هذه المرحلة وطبيعة الطبقة السائدة فيها، المهم أن هذه الطبقة ما زالت قادرة على التأثير الإيجابي في مجرى التطور الاجتماعي العربي، إذا وجدت التنظيم أو الحزب القادر على إثبات وجوده وتأثيره ووضوح أهدافه، إذ أنها طبقة ذات طبيعة مزدوجة نتيجة لوضعها المزدوج، وترجّحها بين الارتفاع والهبوط، وبالتالي فهي حين تشكل لنفسها تنظيماتها، لا تنجح عادة في الاحتفاظ باستقلالها السياسي، حيث تترعرع فيها المظاهر الضارة من المحسوبية والتكتلات والانشقاقات وعدم التجانس أو التوحد الفكري والسياسي فهي »حين تحارب ضد البورجوازية الحاكمة، فإنما تحارب بوسائل المجتمع البورجوازي نفسه«(1) ، ولذلك يسهل قيادتها من خارجها –في ظروف محددة- عبر حركة منظمة، أو حزب قوي بغض النظر عن أيديولوجيته أو هويته السياسية والفكرية، والمثال الصارخ على ذلك، ما يجري الآن من اتساع غير اعتيادي، من حيث حجم وعدد عناصر البورجوازية الصغيرة الذين يشكلون الأغلبية الساحقة في الجسم التنظيمي للحركات الدينية السياسية وتنظيماتها في بلداننا العربية، في المرحلة الحالية، نظراً لتراجعِ قوةِ الأحزاب القومية اليسارية الديمقراطية وحضورِها وتأثيرها فيها.
أمام كل ذلك، ليس بإمكان القوى الديمقراطية اليسارية العربية تخطي واقعِ هذه الطبقةِ ووجودِها على الرغم من تقلبها وعدم ثباتها، وذلك لاعتبارين، أولهما، أن أوضاع هذه الطبقة عموماً، والشرائح المتوسطة والدنيا فيها خصوصاً، تواجه الآن في الدول العربية غير النفطية بالذات، حالة من التدهور الكبير الذي أودى بأوضاعها الاجتماعية والاقتصادية إلى الحضيض بسبب انخفاض مستويات دخولها ومستويات معيشتها انخفاضاً كبيراً، والانتشار الواسع للبطالة في صفوفها، الذي أدى إلى هبوط أعداد كبيرة منها الى عداد الطبقة العاملة أو الشرائح الفقيرة عموماً، وذلك على أثر تطبيق السياسات الليبرالية الجديدة والخصخصة وبيع القطاع العام وإلغاء الدعم، وثانيهما، يتمثل في الضرورة الموضوعية التي تفرض على جميع قوى اليسار الديمقراطي العربي، أن يجدد قواه، ويستعيد دوره الطليعي على الصعيد الاجتماعي والسياسي الداخلي، في ظل هذه الظروف المتردية التي تعيشها جماهيرنا الشعبية اليوم، والتي استطاعت الحركات الدينية السياسية، عبرها، أن تتفاعل معها بما أدى الى اتساع أطرها، وضخامة تأثيرها السياسي ودورها على الرغم من عدم وضوح برامجها الاقتصادية والاجتماعية من جهة، وعدم تناقض هذه البرامج مع جوهر الليبرالية الرأسمالية وأنظمتها من جهة أخرى.
إن وجوب تفاعل قوى اليسار الديمقراطي مع الشرائح المتنوعة للبورجوازية الصغيرة، يفرضه حجمها ووجودها الكمي الذي تزيد نسبته عن 50% من مجموع السكان في بلداننا من ناحية، كما يفرضه شكل وطبيعة الصراع الطبقي وضعف تبلور الوعي به من ناحية ثانية، خاصة في أوساط العمال والكادحين الذين لم يتبلوروا بعد »كطبقة بذاتها«، تعبر عن وجود متبلور ومحدد المعالم أو حالة موضوعية، فعمالُنا وكادحونا ما زالوا يشكلون »طبقة لذاتها« تمكنهم من التعبير عن وجودهم الذاتي، وليس الطبقي العام، إن الفرق هنا هو فرق بين الموضوعي والذاتي، وبكلام آخر، إنه الفرق بين الوعي الطبقي، أي الإحساس بالظلم ومقاومته، والوعي الزائف الذي لا يدل ويكشف عن حقائق الواقع، ويلجأ الى الأسباب الشكلية أو التراثية أو القدرية أو الاقتصادية على أحسن تقدير، وهنا تكمن الحاجة الماسة، أو الحتمية في ضرورة إعادة تجديد واستنهاض دور القوى اليسارية الديمقراطية العربية، التي تملك وضوحاً في الرؤية الأيديولوجية، ووضوحاً في البرنامج الاجتماعي/الاقتصادي، ووضوحا في الموقف القومي والسياسي العام، بما يحول دون تأثير المظاهر والصفات الضارة، من تذبذب وتردد ونزوع نحو التكتل والشللية من جهة، ويضمن لهذه القوى وأطرها قيادة ملتزمة بقضايا الجماهير الشعبية الفقيرة وإخراجها من هذه الأزمة الاجتماعية التي تكاد تعصف بوجودها ومستقبلها. ..... يتبع
د. فؤاد مرسي –مصدر سابق – ص16.