-الملقب مطيع وولده ازدادا قناعة- إبراهيم مالك

رائد الحواري
2018 / 7 / 6

التقديم الجميل في كتاب
"الملقب مطيع وولده ازدادا قناعة"
إبراهيم مالك
من ميزات العمل الأدبي الجيد تحقيق المتعة للقارئ، ومن ثمة تأتي الفكرة/المعرفة، في هذا الكتاب هناك متعة حاضرة ومستديمة تبدأ من فاتحة الكتاب وحتى الخاتمة، كما أن طريقة واسلوب تقديم الأفكار عند "إبراهيم مالك" كانت مميزه، فهذا الكتاب فيه شيء من السرد الطويل، ما يشبه السرد الروائي، وفيه ما يلامس الخاطرة والمقالة، وفيه شيء من النقد الأدبي، ويتناول الأسطورة أيضا، ونجده واقعا، وأحيانا أخرى نجده رمزيا، احيانا يقدم أفكارا بطريقة عادية، وأخرى يقدمها بالإيحاء، وهو يجمع بين الاسطورة وبين الفلسفة وبين التاريخي والواقعي، بين الأممي/العالمي وبين الوطني/المحلي، فلا يوجد أي فواصل أو فصول في الكتاب، فالكاتب يقدمه لنا كوحدة واحدة رغم تنوع وتعدد المواضيع والأفكار، وتعدد الاشكال الأدبية، كل هذا يجعل من الكتاب منسجما على مستوى الأفكار/المضمون وبين الشكل الأدبي المستخدم، فكلاهما يخدم فكرة التعدد والتنوع في الأدب وفي الأفكار الاجتماعية.
الجمع بين الأسطورة وبين الفلسفة
التوحيد بين ما تحمله الأسطورة افكار وبين الأفكار الفلسفية الحديثة ليس بالأمر السهل، لكن "إبراهيم مالك" يقدمهما لنا بطريقة مذهلة، يقول عن "طائر الفينيق":
"... بات مُنذُها حالما ومقتنعا بضرورة انتفاض الإنساني على ما حوله من رماد ذاته المحروقة،
وهذا الانتفاض يشترط فهم ذاته،
حين تنشأ ضرورة حياة,
ضرورة التجديد الذاتي، فهذه الضرورة كذلك، هي شرط حياة، وبعد الانتفاض على الذات وما فيها من سلبيات يبدأ التحقيق المحيي" ص16و17، فكرة خروج الحي من الميت، أو تجديد الحياة مما هو قديم، فكرة وجدت منذ القدم، ونجد ذلك في الملحمة السومرية "في العلا عندما" فبعد أن ينتصر الإله "مردوخ" على "تيامات وإبسو" يقوم بخلق الكون وما فيه من جسديهما، لكن ربطها بما جاء بجدلية "ماركس وهيجل " هو الشيء المذهل والمدهش:
"تعلمت منه جدلية الحياة،
جدلية الطبيعة وأهميتها طاهرة الشيء ونقيضه،
فلا حياة بلا موت ولا موت بلا حياة،
وعندها أدركت،
أن الموت هو شرط حياة
وأن ى نور بلا ظلمة
وأن لا شيء يتبدل إلا إذا أنوجد نقيضه" ص82، وهذا الجمع هو الأجمل، فالكاتب يعطس سياق الحياة بطريقة سلسلة، فرغم الهوة الزمنة بين ما جاء في فكرة "طائر الفنيق" الأسطورية، إلا أن العقل الحديث، والذي يستخدم المادية بعيدا عن الخيال والوهم، يؤكد فكرة أسطورية إنوجدت قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، فهل كانت الفينيقيون يفكرون بطريقة "هيجل وماركس" ؟ أم أن تأملهم في الطبيعة وما فيها من ليل ونهار، وشتاء وصيف، ربيع وخريف، جعلهم يصلون إلى ما وصل إليه "هيجل وماركس"؟.
الإيحاء والواقع
دائما الابتعاد عن المباشرة في طرح الأفكار يمنح النص جمالية، فهو يدل على احترام الكاتب لعقل القارئ، كما أنه يعطيه فسحة من التأمل والتفكير، وهذا ما جعل المتلقي يذهب إلى ما يريده الكاتب/الكتاب، يقدم لما "إبراهيم مالك" واقع الفلسطيني من خلال هذا المشهد:
" هو ما حكته لي امرأة عجوز من عرب الكمانة، في عرب السواعد، وكنت أتيها، شابا لأكتب عن حالها،
جئت من مسرب وعري قادني إليها،
يقع عند تخوم البيوت الشاهقة التي بنيت حديثا على ما كان يوما من أراضي البعنة ودير الأسد ونحف.
كانت تسكن في براكية إبتناها زوجها قبل قتله،
فأورثها البراكية والشقاء.
أكتب يا ولدي،
عن حالنا وما أصابنا.
وقالت بصوت شبه باك:
قصتنا،
حقيقة،" ص22ة23، أولا نجد تعدد الرواة في المشهد السابق، فهناك العجوز، الراوي، فتدخل الراوي جاء بشكل ايحائي، دون أن يدخل في التفاصيل كما هو لحال عند العجوز، فهو يقول "فأورثها البراكية والشقاء"
بينما العجوز تقول: "أكتب يا ولدي،
عن حالنا وما أصابنا.
وقالت بصوت شبه باك:
قصتنا" وهذا التمايز بين رواية/لغة العجوز وبين لغة/رواية الراوي يعطي القارئ الفرق بين المستوى الثقافي والأدبي بينهما، رغم أنهما يتحدثان عن واقع محدد وواضح.
ومن المشاهد الرائعة التي تجمع بين الواقع والإيحاء:
" تذكر سعيد عندها ما حدثه صاحب ذات يوم عن ديك الحجل الذي كان منتشرا في وادي القرار القريب من قرى البروة (المهجرة) جولس، شعب، (الدامون، الرويس المهجرين) ومجد الكروم، حدثه ذات يوم:
كان في زمن ارتحل منذ زمن طويل،
كدنا ننساه وإن كنا لا نزال نتوجع من جراح ما كان" ص30، فنجد الطرح الواقعي في المقدمة، لكن في الخاتمة نجد الإيحاء، رغم ما يحمله من واقع، اعتقد أن الكاتب تعمد أن يضع بين قوسين الأسماء العربية وليس العبرية، لكي ينبهنا أكثر إلى ما آلت إليه أحوالنا، فقد أصبحنا نسمي أماكننا بما أطلقه المحتل عليها، بحيث نسينا ما سميناها نحن، وهذا يتوافق تماما مع الفقرة الأخير التي قال فيها: "كدنا ننساه وإن كنا لا نزال نتوجع من جراح ما كان" فالتوافق لم يكن في الفكرة المباشرة فحسب، بالشكل أيضا، فالوجع كامن في استخدام اسماء غير حقيقية، اسماء دخيلة، وهذا ما يجعل الفكرة والشكل يتوحدان معا، فيكون وقع النص أقوى على القارئ.
التنوع والتعدد
فكرة التنوع والتعدد حاضرة في الكتاب وتعد من أهم ميزاته، لأن التعدد والتنوع حالة تميز المجتمعات المدنية عن سواها من المجتمعات التي ما زالت في ذيل السلم الحضاري، فنجد الكاتب يستخدم شيء من القرآن الكريم، وشيء من الإنجيل، وشيء من الأسطورة، وشيء من الحكاية الشعبية، وشيء من الواقع، ويذكرنا بكتاب عرب وآخرين عالميين.
يقدم لنا الكاتب قصة في الصفحة 24 و24و25، قصة تتشابك فيها القصة الدينية/الإسلامية المسيحية التوراتية مع القصة التراثية، فهي قريبة من قصة "هابيل وقابيل" كما أنه تم اضافة شيء من الحكاية الشعبية، مما يجعلها حالة مميزة، بحيث تنسجم مع الفكرة العامة للكتاب، ومع الشكل، الاسلوب فيه.
من نماذج هذه التعدد "ألقى الأخ الأكبر عصاه على الأرض
فإذا هي حية تسعى" ص25، فالتناص مع القرآن الكريم حاضر، ويقول في موضع آخر:
"إن الملوك إذا دخلوا قرية،
أفسدوا أهلها" ص68، ولثقافة الدينية الإسلامية لم تقتصر على القرآن الكريم، بل نجده يستحضر حديث نبوي: "إن الله لا يغير ما بقوم
ما لم يغيروا ما بأنفسهم" ص68، هذا فيما يتعلق بالثقافة الإسلامية، أما فيما يتعلق بالثقافة المسيحية فيقول:

"لا تشتهي بيت أخيك وما حوله من زرع وضرع" ص26، وهذا الكلام يتماثل مع قول السيد المسيح: "لا تشتهي زوجة جارك"، ويقول في موضع آخر: "ليس بالخبزة وحده يحيى الإنسان" ص 83، وإذا ما اضفنا تطرق الكاتب إلى غاندي والحلاج، يمكننا القول أننا أمام باقة جميلية، ما يميزها التنوع والتعدد في الألوان والأشكال والمضامين، كل هذا يجعل الكتاب متمتع وسهل التناول ومفيد فكريا.
الشكل الأدبي
نجد الكاتب يستخدم الشكل الشعري فيما يقدمه لنا في كتاب "الملقب مطيع وولده ازدادا قناعة"، وهنا يجعلنا نطرح سؤال لماذا استخدم هذا الشكل، علما بأنه يعلم تماما، إنه يكتب نص نثري؟، اعتقد أنه أراد به أن يجعلنا نتوقف أكثر امام ما يريد تقديمه لنا، فنحن في ـ القعل الباطن ـ نوقف أكثر متأملين في النصوص المقطعة أكثر من تلك التي تأتي متتابعة ومتلاصقة، وهذا الشكل، أعتقد، أنه شكل جديد في تقديم النصوص النثرية، ويستحق التوقف عنده، خاصة إذا علمنا أن الكاتب اقنعنا بضرورة هذا التقطيع وأهميته في الكتاب.
لكتاب مطبوع في مطبعة سما ـ معليا، الطبعة الأولى 2018.