الجيلية هل هي الخلاص...

حمزة بلحاج صالح
2018 / 7 / 5

التشبيب الخطاب و الشعار الديماغوجي...

أو

كيف تعوض الكفاءة و تقصى و تعوم بتخندقات الجهات و الأعمار و الجنس ..

" من أعطاب العقل العربي اعتقاده ان التغيير و التحسين يحصل فقط على يد الشباب دون غيرهم و هي أطروحة مفخخة تفترض أن الكفاءة محددة بعمر ...

بل هي زفة من زفات الأنظمة العربية التي تسوق لإستهلاك هذا الخطاب و تغذيه...

نحن أمام وزراء و إطارات عليا في الدول العربية شباب و كهول هم أسوأ شهادة على العجز و الإخفاق و الفساد ...

عندما تجبني إنه تم اختيارهم على أساس المحاباة ..فأنت تعود تلقائيا للتأكيد بأن في الشباب فاسدين و رديئين كما عند الشيوخ كما عند الرجل و المرأة كما عند الجنوبيين و الشماليين ...الخ ...

و أن المعيار هو الكفاءة..فلنتحدث عن الكفاءة فهي تستوعب العلم و الخبرة و المهارة و القدرة او الاستطاعة و التأهيل و خصائص القيادة...الخ

الشاب الذي تنتجه الجامعة الجزائرية عموما اليوم و يعد من مخرجاتها هو أحد مدخلاتها التي هي منتوج و مخرجات المنظومة التربوية التي توصف بالفاشلة

تماما كما هي الجامعة و عبر المؤسستين يتناسل و ينتج الإخفاق و الفشل بل الرداءة...

الكفاءة لا عمر لها..

الكفاءة لا جنس لها...

الكفاءة لا جغرافيا لها داخل الوطن..

الكفاءة لا إثنية لها ...

و أحيانا لا لغة لها...مع بعض التحفظ و التدقيق...

في كل الأعمار و الشرائح المجتمعية و العمرية رداءة و فساد و جودة و نبوغ و رشاد...

ليس لان الشاب شاب فهو يحمل معه الجديد و البديل...

و لا لأن المتقدم في العمر متقدما في عمره و الكهل كهل فهو لا يحمل جديدا...

اما موقع هذا الخطاب مما يحصل في العالم من تبدلات قيمية فهو جدير بالتأمل و النقد العلمي العميق المتبصر....

التشيء و فقدان الخصوصية و النمطية و التميع و الهلامية و الديماغوجية التي انطبع بها العالم اليوم علامة واضحة مع تباين التجارب العالمية في الحكم ...

ينبغي التعاطي معها على أساس اعتبارات عديدة منها أزمة هرم المجتمعات في بلدان كثيرة في بعض الدول الغربية حيث تتقلص نسبة الشباب فيها و تشيخ هذه المجتمعات

لتصبح الفتوة ظاهرة تمثل الكثرة الغالبة مع غلبة أعداد الشباب من المهاجرين و ضرورة التعاطي مع هذه الفئة بما يحقق استقرار هذه البلدان...

ليست كل التبدلات القيمية الحاصلة في الدول و الأنظمة الغربية ظواهر صحية و مصدر استلهام مجدية...

الحكم الحصيف و الراشد هو من يعتمد في مقاربته على الكفاءة بعيدا عن النظريات العنصرية و التبجيلية في المجتمع و التي تتمظهر ببطانة التوازن و النزعة الحقوقية

مثل نظرية النوع genre و مكافحة التنميط أو النمطية Stériotypes و المساواة بين الجنسين و التوازن الجهوي و التي تعكس تطور منظومة حقوقية تقوم على الحريات في أبشع صورها الإباحية...

مرة أخرى إن الكفاءة لا عمر لها و كل اعتقاد بأن الخلاص يأتي به الشباب دون الكهول و المتقدمين في الأعمار إنما هو اعتقاد أعرج يفترض الكفاءة عمرا لا كسبا علميا و خبرة...

حصر الكفاءة في عمر يعكس الحنقة التي يحملها بعض الشباب على الجيدين من الذين لم يحكموا يوما الجزائر في مواقع القرار و صنعه ...

و يزعم هؤولاء الشباب أن الاستقلال و الانفتاح و التحرر ....الخ مصدرها الشباب..و أن الوصاية و الأبوية و الإنغلاق و محدودية النظر موطنها من تقدموا في الأعمار و هي رؤية قاصرة و خاطئة ...

و هي نظرة سطحية تقيس الشاهد على الغائب الذي هو " الاخر" في بعض الخصوصيات في المجتمعات الغربية قياسا أرسطيا مهلهلا و عقيما يعجز عن تمثل الخيارات خارج منطق الفئة و الولاء و الوصاية

فمن عمر إلى عمر اخر مقابل يتزحزح و ينتشر و يتناسل الإستبداد...

عرفت عند الجيل الحاكم أبشع النماذج و السلوكات في الفئتين الشباب و الكهول و الشيوخ ...

عرفت إطارات شابة لا جديد عندها إلا أنها جديدة إلى الحياة. و جديدها هو عمرها أو شهادة تلتبس مع الكفاءة ..

عرفت شبابا ينتحل و يسرق الأطروحات العلمية في بحوثه و يبيح الغش و يستحل الفساد في الجامعات و يكذب ويساوم و يتملق و يبيع و يشتري...

عرفت في العالم كله كبار المفكرين و الإستراتيجيين و العلماء من عمر متقدم ينهل من علمهم الشباب من غير عقدة نقص بل يتفاخرون بهم و بجوارهم...

إن الإستقطاب الحاصل في العقول هو من يجعل الناس يرددون المقولات الخشبية الديماغوجية و يعتقدون أن الخلاص في التشبيب أو منح المرأة مكانة إستراتيجية...

فلتكن الكفاءة هي المعيار رجلا كان أو إمرأة شابا أو كهلا أو شيخا ناضجا غير عاجز عن أداء مهامه و العجز هو تقدير طبي ينطبق على كل الأجناس و الأعمار و ليس إنطباعا شخصيا...

في كثير من دول العالم عودة لتمديد عمر التقاعد ليس فحسب لاعتبارات البطالة بل لشح المورد البشري النوعي و تثمين الخبرة المتراكمة الى اخر رمق....

في كثير من بلدان العالم يتم نقل المهارة و الخبرة و الكفاءة عبر جسر من التواصل المهني في كل مواقع المسؤولية و هكذا يتم نقل الكفاءة التي لا تتوقف فقط على الشهادة العلمية لكن على الخبرة و المهارة و خصائص شخصية...

إلا عندنا رأيت شبابا يريد أن يقفز على المراحل لتقلد المسؤوليات الكبيرة دون تدرج و مرحلية و تراكم خبرة فكيف ننعته بالكفاءة...

إلا عندنا يخلط الناس بين مناصب الدولة و وظائفها االعليا و الإستوزار من جهة و بين وظائف إنتخابية ...

المناصب و الوظائف العليا في دول العالم المتقدمة التي تحترم نفسها تتم عبرالإختبار الشفاف النزيه إضافة الى شروط الإلتحاق التي تستوي فيها كل الأعمار على العموم

الا استثناءات لخصوصيات تقتضيها ظروف العمل ..تنشر قوائم الناجحين بشفافية مطلقة....فلا محاصصة عمرية و لا جهوية و لا جنسية ..

أريد مرة أخرى أن أفهم لماذا جل و كبار عمالقة الفكر و الفلسفة شيوخ كبار وهم مراجع و أصول تعليم عند شباب يفتخر بهم إلا عندنا كل أمة تلعن سابقتها...كأن لا أصل للفرع إلا العدم...

إن كبار السوسيولوجيين و الفلاسفة و المفكرين و الألسنيين و اللغويين و القامات العلمية مثلا في فرنسا و غيرها هم كبار و متقدمين في السن منهم من مات و من هم على قيد الحياة ..

بيار بورديو..ميشال فوكو..جاك دريدا..ألان توران..جاك بيرك..ماكسيم رودنسون...محمد أركون...بول ريكور...نعوم شومسكي (أمريكا) ..إدوارد سعيد...جوليا كريستيفا و القائمة طويلة...

هل نطلب منهم التقاعد..و ننهى و نمنع الشباب من التعلم و التمدرس على أيديهم و فهم السياسة و الحكم منهم....