صلح وستفاليا والشرق الأوسط والمستقبل

عبدالجواد سيد
2018 / 7 / 4

صلح وستفاليا والشرق الأوسط والمستقبل
أكنا فى مقالنا السابق على أن أزمة الوعى الفكرى فى الشرق الأوسط الحالى ، هى نفس أزمة الوعى الفكرى الأوربى فى القرن السابع عشر، والتى تمثلت فى الصراع بين الدين والعقل، أو بين الدين والحياة الجديدة التى بدأت أوربا تعرفها مع الإنجازات العلمية والثورة الصناعية وإزدهار المدن وتراكم الثروة، وعلى أنه يجب التصدى للفكر الدينى الإسلامى ، بنفس الشكل الحازم الذى تصدى به سبينوزا للفكر المسيحى اليهودى فى كتابه الثورى رسالة فى اللاهوت والسياسة الذى أصدره سنة 1670 ، وفى هذا المقال نود أن نؤكد ، وبنفس المقاربة مع التاريخ الأوربى ، على أن أزمة الوعى السياسى فى الشرق الأوسط الحالى ، هى أيضاً نفس أزمة الوعى السياسى الأوربى فى القرن السابع عشر، وأن التصدى لها يجب أن يتم أيضاً بنفس الشكل الذى تصدت به الإرادة السياسية للشعوب الأوربية لأزمتها السياسية الدينية التى تفجرت فى حرب الثلاثين عام بين الكاثوليك والبروتستانت من خلال المصالحة الإقليمية الكبرى التى عُرفت فى التاريخ بإسم صلح وستفاليا والذى تم التوصل إليه سنة 1648 لإنهاء ذلك الصراع الذى دمر أوربا ، فى حالة مماثلة لما يحدث فى الشرق الأوسط الآن بين الشيعة والسنة وبين السنة وبعضهم البعض ، ذلك أنه بدون المبادرة السياسية سوف يظل الفكر مجرد موجات مهما بلغت ضخامتها فإنها تتحطم وتضيع على الشطآن فى النهاية ، لكن المبادرة السياسية هى التى تحقق الفكر الجديد على أرض الواقع ، والواقع أن رسالة سبينوزا قد وصلتنا فعلأ وبدأنارحلة نقد المقدس الإسلامى ، ولكن رسالة وستفاليا السياسية مازلت بعيدة.
أنهى صلح وستفاليا الحروب الدينية الأوربية - بإسستثناء إنجلترا - ووضع أسس السلام الأوربى لفترة طويلة، قبل أن تنزلق أوربا فى حربيين عالميين بعد ذلك بعدة قرون لأسباب قومية صرفة ، وذلك على أساس مبدأين أساسيين ، هما مبدأ سيادة الدول ومبدأ حرية العقيدة ، أى أسس الدولة الوطنية الحديثة الذى رسم العالم الغربى منطقة الشرق الأوسط فى فى إطارها بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية دون أن تكون المنطقة وستفالية فى الواقع ، ولذا وفى اللحظة المناسبة وبعد رحيل هذا العالم الغربى عنا، تفجرت صراعاتنا الدينية فجأة لتحطم إطاراتنا السياسية الكرتونية التى رسمها الغرب، وتعيدنا إلى قروننا الوسطى مرة أخرى.
الفكر يعمل منذ القرن الماضى لكنه كان يضيع دائماً ضحية للسياسة، وسوف يظل يضيع مهما بلغ نضجه دون أن تخرج الإرادة السياسية لشعوب الشرق الأوسط بصلح وستفاليا الخاص بها و تستطيع تحقيق الدولة الوطنية الحديثة على نفس أسس وستفاليا فى مبدأ سيادة الدول وحرية العقيدة، وقطع الطريق على أى صراعات أخرى فى المستقبل بين قومياته الكبرى من عرب وترك وفرس ويهود وكرد ومصريين وغيرهم من خلال الإنطلاق نحو تعاون إقليمى بدلأ من الصراع، فبدون ذلك فربما تتجاوز حروب الشرق الأوسط الدينية فى مداها الزمنى وآثارها المدمرة حروب الثلاثين عام الأوربية.
أهم المراجع
1-هنرى كيسنجر- النظام العالمى
2-هاشم صالح- مدخل إلى التنوير الأوربى
3-عبدالجواد سيد- مابعد الدين والقومية