حقيقتنا في كتاب -تاريخ الإلحاد في الإسلام- عبد الرحمن بدوي

رائد الحواري
2018 / 7 / 4

حقيقتنا في كتاب
"تاريخ الإلحاد في الإسلام"
عبد الرحمن بدوي
هناك مشكلة عند من يتعاطى مع تاريخ الفكر الإسلامي، فالبعض يقدمه لنا بصورة وردية، فيبدو مزدهرا ناصعا متألق، إن كان من خلال تناول الأحداث ام الشخصيات والحركات الفكرية، وهنا نتوقف عندها طويلا، فقد كانت السلطة السياسية/الدينة تقمع كل من يعارضها أو يعرض رجال الدين فيها، فمثلا بن المقفع تم قتله والنيل منه ومن مكانته الفكرية قبل وبعد قتله، ولم تكتفي السلطة بذلك بل مثلت بجثته، ليكون عبر لمن يتجاوز السلطة/الدين.، والملفت للنظر أن غالبية المفكرين والعلماء الذين ظهروا في العصر العباسي وقبله الأموي تم إلصاق تهمة الزندقة/الإلحاد بهم، من ثم تعرضوا لأشرس عمليات القمع والتشريد، من النفي والسجن إلى التعذيب والقتل.
في هذا الكتاب يوضح لنا الكاتب العديد من المسائل الغائبة عمن يقدم الصورة الوردية للتاريخ العربي الإسلامي، في البداية يقدم لنا طبيعة الأسس التي اعتمد عليها الملاحدة فيقول: "وعلى هذا فإن الإلحاد لا بد أن يتجه إلى القضاء على هذه الفكرة التي تكون عصب الدين وجوهره لدى تلك الروح، وهذا يفسر السر في أن الملحدين في الروح العربية الإسلامية إنما اتجهوا جميعا إلى فكرة النبوة وإلى الأنبياء وتركوا الألوهية، بينما في الحضارات الأخرى كان يتجه مباشرة إلى الله" ص8، هذه المعلومة مهمة جدا لمعرفة طبيعة الإلحاد في المنطقة العربية تحديد، فهي لم تنكر/يتناول الله بل الأنبياء، وكان لهذا هدف وغاية خاصة بهم، ويبن لنا الكاتب الدوافع وراء هذا الأمر، انكار النبوة ليس انكار وجود الله: "... وهذه العوامل المساعدة هي الانتقام الشعوبي من جانب المغلوبين وما يستتبعه من تعصب لدينهم القديم، لأن العصبية في الحضارة العربية كانت تقوم دائما على أسباب من الدين بوصف الدين هو العامل الحاسم في تكوين القوميات والدول في بلاد تلك الحضارة" ص9، إذن دوافع انكار النبوة كان يحمل بين ثناياه شيء من رفض الحكم العربي الإسلامي لتلك الشعوب والأمم التي (فتحت) مما جعل أهلها يشعرون بالقهر والاضطهاد، فتجهوا إلى فكرة إلغاء النبوة من العرب كنوع من الأنكار "للفتح العربي) ورفض له.
وهناك فرق بين بنية المجتمع الديني العربي والمجتمعات الأخرى: " فإن القانون القديم، اليوناني والرماني، صادر عن الذاتية، لأن الافراد هم الذين يوجدونه كنتيجة لتجاربهم العملية، بينما الروح العربية تعد القانون صادرا عن القوة العليا أو الله،... فالحكم دائما يجب أن يكون مستمدا من هذه القوة العليا، وإلا فسد الحكم، ولهذا عد الحاكم دائما رجل دين" ص26، هذا هو الواقع الموضوعي في المطقة العربية والإسلامية، وهذا التباين هو احدى المعضلات التي تحول دون المماثلة بين الواقع الأوروبي والواقع العربي/الإسلامي.
أما الطريقة التي تعامل بها رجال الدين والسلطة السياسية مع هؤلاء الملاحدة فكانت بهذا الشكل: "حتى أنه لو أتيح لنا أن نبحث في تكوين النظريات المختلفة التي يشمل عليها مذهب المعتزلة بحثا دقيقا،... إذا لوجدنا للزندقة أكبر الأثر وأعظم الخطر في هذا التكوين.... ثم اتسع المعنى من بعد اتساعا كبيرا حتى أطلق على كل صاحب بدعة وكل ملحد، بل انتهى به الأمر أخيرا إلى أن ينطلق على من يكون مذهبه مخالفا لمذهب أهل السنة أو حتى من كان يحيا حياة المجون من الشعراء والكتاب ومن إليهم" ص29 و30، رغم أن الكاتب يتحدث عن زمن يتجاوز ألف وثلاثمائة سنة، إلا أنه يبدو قريب جدا من واقعنا اليوم، فها هم الجماعات الدينية والجهادية تكفر وتزندق والبح دم كل من يخالفها أو حتى لا يتفق معها، فكثر القتل والموت وتفشى بيننا حتى أننا لم نعد نعرف لماذا يتقتل بعضنا بعضا.
فخطر تحالف رجال الدين والسلطة أدى إلى قتل وتشريد وسجن كل معارض/لا يؤيد الحاكم ورجال الدين: "فقد اتخذ الخلفاء من هذا الاتهام وسيلة للقضاء على خصومهم من الهاشميين" ص36. وهذا ما يحدث الآن في دولنا، فنجد الدواعش والنصر وجيش الفتح وجيش الإسلام وجيش... يقومون بفعل العجائب بالناس وبالأوطان باسم وسلطة الله خلفائه على الأرض.
يقدم لنا الكاتب نماذج من الافكار التي طرحها الملاحدة، ما يتعلق بالجنة وما فيها: "...ولما وصف (محمد في القرآن) الجنة قال: فها أنهار من لبن لم يتغير طعمه (سورة 47:15) وهو الحليب ولا يكاد يشتهيه إلا الجائع، وذكر العسل، ولا يطلب صرفا، والزنجبيل، وليس من لذيذ الأشربة، والسندس، يفرش ولا يلبس، وكذلك الاستبرق، الغليظ (سورة 44:53) من الديباج، وقال ومن يتخيل إنه في الجنة يلبس هذا الغلظ ويشرب الحليب والزنجبيل، صار كعروس الأكراد والنبط" ص151، وهذا الحجج /الأقوال/الأفكار من المفترض أن يرد عليها رجال الدين بأفكار وحجج وأقول، لا بقتلهم والبطش بهم، لان الحوار يفتح آفاق أمام الطرفين لتطوروا أفكارهم ومفاهيمهم ويدعموا حججهم.
أما حججهم في نقض النبوة فجاءت بهذا الشكل: "إ الذي يأتي الرسول، لم يخل من أحد ارين: إما أن يكون معقولا، أو أن لا يكون معقولا، فأي حاجة لنا إلى الرسول؟، وإن لم يكن معقولا فلا يكون مقبولا، إذ قبول ما ليس بمعقول، خروج عن حد الإنسانية، ودخول في حد البهيمة.
...فأنه إن كان يأمرنا بما ذكرناه من المعرفة والشكر، فقد استغنينا عنه بعقولنا، وإن كان يأمرنا بما يخالف ذلك، كان قوله دليلا ظاهرا على كذبه.
... قد دل العقل أن للعالم صانعا حكيما، والحكيم لا يتعبد الخلق بما يقبح في عقولهم." ص160، اعتقد أن الحوار مهم جدا في الرد على مثل هذه الافكار، لأنهم بالتأكيد ستعمق فهم وإيمان المؤمنين بدينهم وعقيدتهم، وتفتح لهم آفاق يستطيعون من خلالها أن يردوا على مثل هذه الأفكار، أم أن تقمع ويقتل اصحابها، فهو هو الإجرام بحق العقيدة والإيمان قبل أن يكون إجرام بحق هؤلاء.
الكتاب من منشورات المركز الأكاديمي للأبحاث، العراق ـ تورنتو ـ كندا، طبعة بيروت الأولى 2014.