باقي زكي … مفتاح كسر صهيون

فاطمة ناعوت
2018 / 6 / 30


أقفُ أمام نعشِه الأبيض، لأودّع فارسًا عظيمًا ترجّل عن صهوة جوادِه؛ مُغادرًا أرضَنا الطيبة، ليدخلَ كتابَ الخلود. عاش عمرَه المديدَ يعطي وطنَه، غير عابئ بحصد الأوسمة وأنواط التكريم. منح مصرَ مفتاحَ كسر شوكة العدو، غير مكترث بأن يشغلَ صفحةً في دفتر الشرف. لكنه، إن لم يكترث ولم يعبأ بأن يُحفَر اسمُه في سجّل النبلاء، فإننا، نحن المصريين، نعبأ ونكترث. ليس من أجل تخليد اسمِه، فاسمُه خالدٌ بأعمال صاحبه، بل من أجل أبنائنا نهتمُّ ونُصِرُّ أن يتعلّم أبناؤنا صحيحَ تاريخ بلادهم، ويعرفوا مَن جاءهم بالنصر ومَن منح وطنهم مفتاح العزّة والكرامة.
رحل الفارسُ العبقري اللواء أركان حرب مهندس باقي زكي يوسف ياقوت، صاحب فكرة تصديع الساتر الترابي لخط برليف في حرب 73، وابن الكلية الجميلة، التي أتشرّف بالتخرج فيها: هندسة عين شمس. رحل في هدوء تاركًا مصرَ وقد حطّمت أسطورةً نسجها صهيونُ أمام العالم عن حصن منيع لا يسقط، فأسقطته فكرةٌ نيّرة أشرقت في عقل ذلك المهندس اللامع. تصدّع الساترُ الترابيّ أمام شلالات المياه الهادرة من المضخّات، كما تتصدّع ورقةُ شجر يابسة تحت أقدام الفرسان، وعبر جيشُنا الباسل إلى حيث ثكنات العدو، ودحرناه، ليرتفع علمُ مصر زاهيًا، وتصدح أغنياتُ العبور من مذاييع البيوت في كل أرجاء الوطن.
كلُّ ما سبق جميلٌ وماجدٌ وفاخر. ولكن، من غير الجميل ألا يعرفَ صغارُنا ذلك الجمالَ وألا يعرفوا صُنّاعَه. ليس جميلا ألا يعرفَ النشءُ المصريُّ الجديد اسمَ ذلك الضابط العظيم الذي كسر أنفَ صهيون: اللواء "باقي زكي يوسف ياقوت”! ليس جميلاً ألا يعرف النشءُ المصريُّ الصغيرُ اسمَ العميد: "شفيق متري سدراك"، والرقيب: "محمد حسين محمود"، أول شهيدين في حرب أكتوبر الشريفة! وكأن اللهَ تعالى قد شاءت حكمتُه أن ترتوي أرضُ مصرَ، في أولى ساعات الحرب، بدماء رجلين نبيلين تنوّعا في العقيدة، واختلفا في الرتب العسكرية، واتفقا في حب مصر. شهيدان كريمان، ينظران إلى الله الواحد الأحد من زوايا مختلفة، وينظران إلى الوطن العزيز من زاوية مشتركة.
لو تعلّم صغارُنا مبكرًا، درسَ الوطنية الرفيع هذا، في سنوات أعمارهم الأولى، أُجزمُ مطمئنةً أن فيروس الطائفية الكريه لن يقدرَ على إصابتهم في مقبل أيامهم، فيكونون رجالا نبلاء صالحين مُشرّفين لأوطانهم نافعين للإنسانية.
لكل ما سبق، كتبتُ هنا في زاويتي بجريدة "المصري اليوم"، منذ سبع سنوات، في مايو 2011، مقالا ناشدتُ فيه وزيرَ التعليم آنذاك بأن يُدرج اسمُ هذا الباسل القبطي العظيم "باقي زكي يوسف" في مناهج التعليم ليعرف النشءُ الصغير عظماءَ بلادهم العظيمة. وها أنا أعيدُ طلبي اليومَ للدكتور المثقف الصديق طارق شوقي، وزير التعليم، مضيفةً اسمي الشهيدين البطلين، وأنا واثقة أنه لن يرد رجائي. كما أتمنى من دولة رئيس الوزراء، الصديق وزميل الدراسة مهندس مصطفى مدبولي، أن يأمر بإقامة تماثيل شرفية في ميادين الوطن، لأولئك العظماء الذين صنعوا مجد مصر بعقولهم ودمائهم. تعليم النشء الصغير أولى دروس الوطنية هو الضامن لأن ينشأ هذا الصغير غير متطرف.
أؤمن أن إضافة مثل تلك الرموز الناصعة إلى الوعي الجمعي، ليس وحسب إضاءة مناطقَ مشرقةٍ من تاريخنا المصري المشرّف أمام عيون الصغار، بل أيضًا تعليمهم درسًا مهمًّا في المواطَنة. كونها علاقةً بين مواطن شريف، ووطن يحتضن الجميع، من دون أن يسأل عن عقائدهم. ذاك أن العقيدةَ شأنٌ فرديٌّ بين الإنسان وبين السماء، بينما الهويةُ المجتمعية والمواطَنهُ شأنٌ جمعيّ يُتوّجُ الجميعََ بهالة من نور تقول بصوتٍ عال وفخور: "هذا المواطنُ، مصريّ."