الفيلسوف المناضل الماركسي انطونيو جرامشي والمجتمع المدني (7-18)

غازي الصوراني
2018 / 6 / 30

29/6/2018

المعروف ان تكريس مفهوم المجتمع المدني وتطبيقاته في إطار بلدان المعسكر الرأسمالي كمقولة أساسية من البنية الفوقية للمجتمعات الرأسمالية، تمحورت في الدفاع عن الليبرالية وحرية السوق وحرية المنافسة والديمقراطية السياسية الشكلية في تلك المجتمعات من ناحية، واستخدمت فيه كوسيلة أيديولوجية في الهجوم على الماركسية-اللينينية ومنظومة البلدان الاشتراكية عبر شعارات »الحرية« و»الديمقراطية« و»حقوق الإنسان« انطلاقاً من المصالح الرأسمالية وفي خدمتها، سواء في مرحلة الحرب الباردة وما سبقها، أم في مرحلة العولمة الرأسمالية الراهنة.
وهذا ما تنبه إليه الفيلسوف والمناضل الأممي أنطونيو غرامشي (1891-1937) الذي »استعار مصطلح المجتمع المدني والمجتمع السياسي من منظومة الفكر البرجوازي، وتحديدا من كتابات هيجل، وقام بتحويل هذين المفهومين الهيجليين تماما مثلما فعل كل من ماركس وانجلز مع مفاهيم هيجيلية أخرى، وكانت نتيجة هذا التحويل، أن أصبح تعبير المجتمع المدني مقطوع الصلة بدلالاته السابقة، فبعد ما كان يشير الى دائرة التنافس الاقتصادي بين الأفراد، أصبح جزءاً من البنية الفوقية يشير به »غرامشي« الى المؤسسات الطبقية والاجتماعية التي تختص بالوظائف الأيديولوجية.
لقد تأسس مشروع جرامشي النقدي على محاربة تأويلات معينة للماركسية تنكر أي دور فعال للبنية الفوقية، وتتعامل مع الوعي الاجتماعي بوصفه مجرد انعكاس سلبي للقاعدة الاقتصادية، وبالتالي فقد عالج جرامشي موضوعات البنية الفوقية بوصفها تعبيراً عن إرادة جماعية وطبقية، فالسيادة الطبقية التي تمارسها الطبقات الحاكمة في الغرب الرأسمالي لا تقوم على قمع الأجساد فقط، بل على أسر العقول أيضا، من خلال إشاعة أنماط معينة من الثقافة والقيم، وعلى هذا الأساس، يمكن فهم اهتمام جرامشي بقضايا الثقافة والمثقفين ودور الحزب (الذي يطلق عليه صفة المثقف الجمعي)، كما يمكن فهم رؤيته للعمل السياسي وتأثيره في البنية الفوقية، حيث يقول، أن هدف العمل السياسي هو إخراج الجماهير من حالة الركود والاستنقاع التي تعيشها، ولن يكون ذلك ممكناً ما لم يتم رفع هذه الكتلة الجماهيرية الى مستوى البنية الفوقية كميدان للفعل الجماعي والإدارة الخلاقة، أي ارتقاء وعي البشر من وعي البنية التحتية الى وعي البنية الفوقية، وهذا يعني أيضاً الانتقال من الموضوعي الى الذاتي أو من »الضرورة« الى »الحرية«« .
والطريق الى ذلك هو تفعيل البعد المعرفي-الثقافي داخل الحزب بهدف إيجاد وبلورة العلاقة العضوية بين شعارات الحزب السياسية وأيديولوجيته الماركسية من ناحية وبين قواعد الحزب وكوادره وجماهيرِه، لتكوين مثقفين عضويين من أصول كادحة فقيرة أو بروليتارية، للوصول الى الوحدة بين القوى المادية والأيديولوجيا الكفيلة وحدَها بخلق ما يسميه جرامشي بـ»الكتلة التاريخية«، وهنا تكمن الأهمية القصوى لعملية التثقيف وأدواتها »للانتقال بوعي العمال (والكادحين) من حالة الوعي بالبنية التحتية (الوعي الاقتصادي العفوي) الى حالة وعي البنية الفوقية (الوعي السياسي والمعرفي والأخلاقي)« .
وعبر هذا الطريق وحده يمكن الانتقال بالصراع الطبقي من القاعدة الاقتصادية أو البنية التحتية، الى مجال الصراع السياسي والحزبي الأيديولوجي. ولا يتوقف جرامشي عند هذا الحد، بل »ينتقل الى الجزم في أن الطبقة العاملة تستطيع أن تصل الى السلطة فقط بعد أن يحقق فكرها هيمنة ثقافية لأفكار العدالة الاجتماعية« .
ولكن كيف يمكن تحقيق هيمنة ثقافية لأفكار العدالة الاجتماعية الجديدة على المجتمع، دون سيطرة اقتصادية أو سياسية عليه بواسطة رأس المال أو بواسطة الدولة؟ ويجيب عزمي بشارة على سؤاله بقوله »هنا تبرز أهمية مفهوم المجتمع المدني عند جرامشي، المرتبط ارتباطاً مباشراً بمفهوم الهيمنة مقابل مفهوم السيطرة. هنالك حيز اجتماعي تطور في ظل الرأسمالية هو ساحة الهيمنة الثقافية على المجتمع، وهذا الحيز ليس حيز الاقتصاد، بل هو جزء من المبنى الفوقي، ولكنه ليس ضمن حيز الدولة، فالمجتمع المدني هنا، هو بالمفاهيم الماركسية، حسب جرامشي، مبنى فوقي، وهو المبنى الفوقي الذي لا تتم فيه مجرد انعكاسات للصراع الاقتصادي، بل إنه المجال الحاسم نحو تأجيج الصراع الاقتصادي وحسمه عبر الحزب الاشتراكي تحديداً، القادر على الهيمنة الثقافية، وعلى التحول من ثقافة النخبة الى ثقافة الجماهير« وصولا الى الهيمنة الأيديولوجية الكفيلة وحدها -كما يقول جرامشي- بإزالة الفرق بين الدولة والمجتمع، وبالمقابل، حينما تضعف الأيديولوجيا الثورية عن التحول الى ثقافة الهيمنة، يزداد استبداد الدولة وعنفها.
وبنهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، غاب أو توارى مفهوم المجتمع المدني طوال مرحلة الحرب الباردة، التي امتدت حتى انهيار منظومة البلدان الاشتراكية ومنظومة التحرر القومي من جهة، والانحسار أو التراجع المريع -ولكن المؤقت- للبنية الأيديولوجية لقوى الاشتراكية والتحرر القومي من جهة ثانية، وفي سياق هذا التحول المادي الهائل الذي انتشر تأثيره في كافة أرجاء كوكبنا بعد أن تحررت الرأسمالية العالمية من كل قيود التوسع اللامحدود، وبتأثير التطور النوعي الهائل في مجال الاتصالات وثورة المعلومات والتقدم التكنولوجي، وقيام التكتلات الاقتصادية العالمية العملاقة، كان لا بد من تجديد نظم السيطرة السياسية والاقتصادية والمعرفية في إطار المركز الرأسمالي الغربي تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية كنظام مسيطر أحاديِّ المنحى يسمى اليوم نظامَ العولمة، الذي تكرس -في اللحظة التاريخية المعاصرة- بفضل هذا المناخ المهزوم والمنكسر في بلدان العالم الثالث أو الأطراف، وأصبح جاهزا للاستقبال والامتثال للمعطيات الليبرالية الجديدة وآلياتها السياسية والاقتصادية والمجتمعية تحت عناوين: تحرير التجارة العالمية، إعادة الهيكلة، والتكييف والخصخصة، والانفتاح، وتعميق التبعية والخضوع والتخلف، تحت ستار زائف من الشكل الديمقراطي الليبرالي، هدفه المزيد من إحكام السيطرة على بلدان العالم عموما، والعالم الثالث على وجه الخصوص، للأخذ بالشروط الجديدة التي تمثل »أول مشروع أممي، تقوم به الرأسمالية العالمية في تاريخها لإعادة دمج بلدان العالم الثالث في الاقتصاد الرأسمالي من موقع ضعيف، بما يحقق مزيدا من إضعاف جهاز الدولة، وحرمانها من الفائض الاقتصادي، وهما الدعامتان الرئيستان اللتان تعتمد عليهما الليبرالية الجديدة« .
وبنشوء هذا الفراغ السياسي، الاقتصادي، الأيديولوجي، أصبحت الطريق ممهدة أمام المخططات التوسعية للرأسمالية، صوب المزيد من السيطرة على مقدرات العالم بأسره، ويتجلى هذا الأمر بوضوح في منطقتنا العربية، وبالذات على مشروعنا الوطني الفلسطيني من أجل التحرر والاستقلال، عبر هذا التحالف العضوي بين الإمبريالية الأمريكية المعولمة والحركة الصهيونية... يتبع