مسرحية -لماذا رفض سرحان سرحان ما قله الزعيم عن فرج الله الحلو في ستيريو 71- عصام محفوظ

رائد الحواري
2018 / 6 / 28

مسرحية
"لماذا رفض سرحان سرحان ما قله
الزعيم عن فرج الله الحلو في ستيريو 71"
عصام محفوظ
ما دفعني لقراءة هذه المسرحية، رواية "من يتذكر تاي" لياسين رفاعية، فهو يتحدث عن مجموعة من الكتاب ومنهم "عصام محفوظ" فالمجموعة المثقفة التي ذكرت في الرواية بمجملها لها مكانتها في الساحة الثقافية والسياسية، في هذه المسرحة نجد تمردها على كل شيء في المسرح، وخارج المسرح، الشخصيات تتمرد على المخرج، الممثلين يتخطون خشبة المسرح، يتجاوزونها ليخاطبوا الجمهور بطريقة غير مألوفة، الجمهور يتقدم من المسرح مشاركا ومبدي رأيه فيما يقدم من عرض مسرحي، الشخصيات الرئيسة تمثل حالات متناقضة فكريا، "سرحان سرحان، فرج الله الحلو، انطون سعادة" لكنها يجمعها الاستشهاد/الموت في سبيل قضية وطنية، إنسانية/أممية، قومية، فلكل شخصية من هذه الشخصيات وضع/حالة تمرد على ما هو كائن، فعندما يتم محاكمة "سرحان" بقزل له القاضي :
" القاضي ـ لو كله متلك شو هالتعتير ...
سرحان ـ لأن كلهم مش متلي ... شوف التعتير" ص42،
ويوضح "سرحان" حقيقة ما تقوم به اميركيا،داخليا وخارجيا:
"سرحان ـ نعم ما في حرية حقيقية بأمريكا .. لانو ما في عدالة .. وين هي العدالة الامريكية..
بتبعتو لاسرائيل الخنجر .. وبتبعتولنا قطن وسبيرتو .. هيدي هي العادلة؟" ص53، المسرحية عرضت في بيروت عام 1971، لكن أحداثها ما زالت مستمرة حتى الآن، وما تقوم به إسرائيل تفاقم اكثر، والعرب يدفعون الفاتورة من دمائهم واموالهم وحياتهم.
وعندما يحاول القاضي أن يجمع الصهيونية والشيوعية معا، ويضعهما في مكانة واحدة، نجد "سرحان" يفرق بينهما من خلال قوله:
" سرحان ـ بكرههم .. بكرههم.. أنا بكره الصهيونية قد ما انتو بتكرو الشيوعية" ص64،
ويسمعنا افكار "فرج الله الحلو" من خلال إيمانه المطلقة بالقضية الطبقية فيقول:
"فرج ـ أنا ما بقدر أفصل حياتي عن قضيتي" ص72.
ونجد صوت المحققين والقضاة في أدنى مستوى المسؤولية من خلال تفكيرهم الضحل والسطحي:
"الشرطي ـ عميعترف بالحقيقة. عميعترف بالحقيقة.
المسؤول ـ عظيم، عظيم.
فرج ـ حقيقة انكم مأجورين.
المساعد ـ عميحكي عن الاجر.
الشرطي ـ أجور الشغيلة؟
المسؤول ـ لأ، عن اجورنا
فرجـ لو جمعتوها كلها ... ما بتساوي حق شكوى انسان واحد مش قادر يعيش بكرامة.
المساعد ـ عميحكي عن الكرامة
الشرطي ـ ايه نحنا شو خصنا" ص75و76، بهذا اشكل يتم تعرية النظام الرسمي العربي وادواته التنفيذية، التي لا تفقه شيء مما يقوله هؤلاء العظماء، وإذا ا توقفنا عن المستوى الفكري/الثقافية/المعرفي/المبدئي سنجد هو شاسعة بينعناصر النظام وبين المفكرين الثوريين.

وعندما يتحدث عن "انطون سعادة" نجده يستحضر العديد من أفكار ومقولات "سعادة" التي تمثل خلاصة أفكاره ورؤيته في الحياة الاجتماعية:
"الزعيم ـ لسنا ضعفاء إلا إذا أردنا.
لنحصل على السلام، يجب أن يكون لنا حق فيه.
يجب أن يكون لنا جيش قوي
يجب ايجاد جبهة عربية واحدة تقف سدا منيعا ضد المطامع الاجنبية" ص49.
من يعود إلى المبادئ الاساسية للحزب القومي السوري الاجتماعي، سيجد عين هذه الافكار، والملفت للنظر، أن "عصام محفوظ" يستخدم اللغة المحكية عندما يتعلق الأمر بالقاضي والجنود، واللغة الفصحى عندما يتحدث "سعادة" وكأنه من خلال هذه اللغة يريد أن يشير غلى سذاجة المحكمة والقضاة والجنود من جهة، ومكانة الرفيعة ل "سعادة" من جهة أخرى.
وايضا نجد مسافة كبيرة بين ثقافة وفكر "سعادة" وبين طريقة تفكير اعضاء المحكمة الرسمية:
" العريف ـ دافع عن نفسك .. حتى نبري ذمتنا ونفرجي الناس ليشب تستحق القتل|..
الزعيم ـ الحق الحق اقول لكم ان مصيبتنا بالصهاينة الداخليين أعظم من مصيبتنا بالصهاينة الأجانب
العريف ـ طبعا بتعرفو انو جريمتو بلشت سنة 25 لمن كتب يقول ..
الزعيم ـ "إذا تركتم الصهاينة ينفذون مطامعهم ويمتلكون فلسطين .. فنحن المسؤولين" ص79، بهذا الشكل يكسر "عصام محفوظ" الزمن المسرحي، وكأنه من خلال كسر الزمن يؤكد على ضورة التمرد والثورة على كل شيء، فالحال/الواقع يُوجب على كل حر أن يتمرد وتثور، فالخطر عظيم ويتقدم بسرعة وقوية معا.
ويقدم لنا الجريمة التي اقترفها النظام اللبناني بحق "سعادة" عندما تم اعدامه بدم بارد:
" الضابط ـ عصبو عينيه ..
الزعيم ـ مش ضروري، أنا مش خايف
عسكري ـ القانون بيقول هيك (يععصبون لع عينيه)
الزعيم ـ شكرا
الضابط ـ اركعوه
الزعيم
ـ اسمحو لي ما راح اركع
عسكري ـ القانون بيقول هيك .. (يركعونه)
الزعيم ـ شكرا
عسكري ـ مرسوم رقم 15530 بناء على احكام القانون.
الضابط ـ شوف شو بدو
(يقترب عسكري من الزعيم)
الزعيم ـ (ببرودة) في بحصة تحت ركبتي عمبتضايقني
الضابط ـ كاردي فو
الزعيم ـ احكي عربي
الضابط ـ متل ما بدك؟ نار
(يطيق ما يشبه النار)
شاب ـ "الاجيال الطالعة ستبحث في الماضي القريب عن انسان يحب بلاده حتى الموت" ص82و83، استشهاد "سعادة" والطريقة التي حوكم فيها وطريقة تنفيذ حكم الاعدام، كلها تعري النظام الرسمي العربي، وتجعله ـ حقيقة ـ اخطر علينا من "الصهاينة الاجانب"، فها هم الثلاثة العظام يتم اعدامهم بدم بارد وبيد اخوتهم، بيد من ضحوا من اجلهم واجل ابنائهم، وهنا تظهر جريمة ثانية، الضحية تدافع وتحاول ان ترفع من مكانة الجلاد، وتقدمه إلى الأمام، لكنه غارق في مستنقع الجهل.
المسرحية من منشورات دار الطليعة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1971.