ماركس والمجتمع المدني (5-18)

غازي الصوراني
2018 / 6 / 27


في مواجهة المنطلقات الفكرية للفيلسوف الألماني »هيجل« عموما، ونظام الملكية الخاصة وعلاقات السوق ومبدأ الحرية الذاتية خصوصاً، قدم ماركس (1818-1883) تعريفه للمجتمع المدني على أنه »حلبة التنافس الواسعة للمصالح الاقتصادية البرجوازية، فالمجتمع المدني عنده هو المجتمع البرجوازي، انه فضاء الصراع الطبقي، وهو بالتالي الجذر الذي تمخضت عنه الدولة ومؤسساتها المختلفة«، إذ أن الدولة (الرأسمالية) -لدى ماركس- »ليست بأي حال من الأحوال قوة مفروضة على المجتمع من خارجه، وليست هي واقع الفكرة الأخلاقية كما يقول »هيجل«، لكنها نتاج المجتمع نفسه عند درجة معينة من تطوره، اقتضت في النهاية وكما يقول انجلز »ظهور قوة تقف ظاهريا فوق المجتمع«، وبالتالي فإن وجود الدولة -في المجتمع البرجوازي- يعني وجود مجتمع مدني، كما أن وجود المجتمع المدني هو الذي أفرز الدولة ذات السلطة العامة والقوة المسيطرة الخاضعة للنظام والقانون، وهو أمر لم يسبق وجوده في التنظيم العشائري، أو التشكيلات الاقتصادية الاجتماعية القديمة، وقد أشار انجلز الى الدور الذي امتلكته الدولة البرجوازية بقوله »إن أصغر شرطي في الدولة المتمدنة يملك سلطاناً يفوق سلطان جميع هيئات المجتمع العشائري« وهذا يقودنا – كما تقول الباحثة السورية سلوى السيد - الى استنتاج أن مقولة المجتمع المدني لا تستخدم إلا في ظل الملكية الخاصة أو المجتمعات التي تعتمد هذه الملكية«
لقد تصدى ماركس لمُنَظِّري الإصلاح الاجتماعي في عصره، الذين – كما يقول المفكر د.صادق العظم " نظروا الى الجماهير الأوروبية البائسة والمعدمة بصفتها موضوع الإصلاح والتغيير الذي سيتم لمصلحتها ولكنه لن يأتي أو يتم على يدها أو بفعلها، إن هذه الجماهير، موضوع الإصلاح والمستفيد منه، ولكنها ليست الذات الصانعة للثورة أو التغيير، لقد رفض ماركس هذه الصيغة الفوقية، وتجاوزها جدليا الى ما هو أرقى، أي الى تأكيده المعروف بأن المهمة الإصلاحية والثورية إياها غير قابلة للإنجاز إلا على يد أصحابها الذين سيحولون أنفسهم ووعيهم ومجتمعهم (المدني) من خلال الصراع الطبقي«.
إن وضوح هذه الرؤية »استند في الواقع الى المفاهيم العلمية الاستراتيجية الجديدة التي أشاد عليها ماركس المادية التاريخية، ومن أهمها- كما يضيف د. العظم -«:
1- »مفهوم البنية الفوقية، الذي تطور عند ماركس وتبلور نتيجة النقد الراديكالي الذي وجهه ماركس الى ظواهر مثل الدين والحق والفكر والثقافة والدولة.. الخ وبخاصة الى الفلسفة السائدة وقتها في ألمانيا التي كانت ترجع تلك الظواهر الى مصادر إلهية أو روحية متعالية«.
2- »مفهوم قوى الإنتاج، وهو أهم أداة معرفية-علمية حاسمة قدمها ماركس الى علوم الأفعال، وقد استخدم هذا المفهوم الجديد، كأساس علمي لنقد سجالي شديد ومدمر وجهه الى تلك النظريات والفلسفات السائدة يومها، القائلة بأن الحياة الاجتماعية بمؤسساتها هي نتاج لروح تاريخية معينة أو لقيم ثقافية أو تأملات ميتافيزيقية مثالية شائعة بكثرة في تلك الأيام في ألمانيا (وهي ما زالت شائعة -وفاعلة- في بلادنا ونحن في القرن الحادي والعشرين!!؟)
إن ماركس بتقديمه لفكرته عن قوى الإنتاج، ومضامينها، أكد أن الحياة الاجتماعية بمجمل تجلياتها وظواهرها، لا تتكون في الأساس عشوائيا أو تتشكل روحيا، أو تتطور ذاتيا وإراديا، بل ترتكز الى قاعدة موضوعية محددة ومتحركة يلخصها نوع معين من قوى الإنتاج المادية«.
3- »مفهوم علمي استراتيجي آخر قدمه ماركس، هو مفهوم علاقات الإنتاج، وقد نشأ هذا المفهوم نتيجة استيعاب ماركس ونقده وتجاوزه لفكرة المجتمع المدني التي استخدمها هيجل، فقد أحل ماركس مفهومه العلمي الجدي، ليس محل فكرة المجتمع المدني فحسب، بل محل فكرة »العلاقات الاجتماعية« أيضا، وعبر النقد المستمر، تجاوز ماركس مفاهيم مثل »المجتمع المدني« و»العلاقات الاجتماعية« و»علاقات التبادل الاقتصادي« لصالح مفهوم علاقات الإنتاج. كذلك تجاوز ماركس عبر مفهومه الجديد، أفكارا شائعة ومتداولة حول خصائص المجتمع المدني وتفسير نشأته«.
ويستطرد د. صادق العظم قائلا : »لقد تجاوز ماركس نقدياً النظرية الأقوى يومها التي ردت المجتمع المدني الى »ميل الإنسان الطبيعي الى المقايضة والمبادلة والتجارة على حد قول »آدم سميث«، وبذلك أصبح مفهوم علاقات الإنتاج (الرأسمالية) تأكيدا للمنشأ التاريخي »للمجتمع المدني«، الى جانب الدور الحاسم لقوى الإنتاج في تحديد طبيعته وخصائصه المميزة، يتجلى ذلك في قيام ماركس، بإعادة زرع رأس المال ذاته في بنية علاقات الإنتاج الاجتماعية-التاريخية، بحيث لا تتميز به إلا تشكيلة اقتصادية تاريخية معينة ومحددة لا أكثر -المجتمع البرجوازي أو التشكيلة الرأسمالية- وبذلك تتكشف -عند ماركس- حقيقة رأس المال كمركز لبنية من علاقات الإنتاج الرأسمالية، التي يرى بحق، أنها تشكل في الوقت ذاته علاقات إنتاج استغلالية أيضا، كما يبين -من ناحية ثانية- أن »الذات الاقتصادية« البرجوازية قد بنيت تاريخياً وصُنعت مرحلياً، ولم تكن دوماً موجودة أو مهيمنة.
في ضوء ما تقدم، فإن الديمقراطية الليبرالية البرجوازية (أو ديمقراطية المجتمع المدني الرأسمالي) تتسم بالطابع الشكلي والأحادي، الذي يقتصر ويتوقف عند الجانب السياسي وتعدديته المحكومة بسقف النظام الرأسمالي وقوانينه، وهي بالتالي تفتقر في مضمونها -وبصورة شبه كلية- لأية مقومات أو أسس فعالة لتطوير البعد الاقتصادي والاجتماعي بما يحقق العدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص، وهو أمر ندرك أنه غير ممكن التحقيق في ظل نظام الدولة الرأسمالية عموما، وأنظمة الرأسمالية التابعة والمشوهة، كما في بلادنا وبلدان العالم الثالث خصوصا، فالتفاوت الكبير في الدخل والثروة، بين القلة الحاكمة من جهة والجماهير الشعبية من جهة ثانية، يحول دون انتقال الديمقراطية من شكلها السياسي الى أي شكل اقتصادي أو اجتماعي متقدم، ذلك أنه في ظل ضعف أو غياب القوى والأحزاب الثورية-الديمقراطية، الناجم عن ضعف علاقتها العضوية المنظمة بالجماهير الفقيرة، الأداة الرئيسة وصاحبة المصلحة الأولى في إنجاز عملية التغيير، فإن استمرار هيمنة وسيطرة الحلف الطبقي الحاكم يشكل القاعدة الأساس أو السقف النهائي الذي تتوقف عنده الديمقراطية السياسية في النظام اللبرالي عموما وفي بلداننا العربية، بصورة خاصة.
فالشرط الأول للديمقراطية الليبرالية، وجود الطبقة أو التحالف الطبقي المهيمن الذي يفرض ديكتاتوريته -المكشوفة أو المستترة حسب الظرف- من ناحية، وجماهير أو طبقات شعبية مسحوقة لا تملك (هي وأحزابها وفصائلها) سوى حق الكلام والتنديد أو إصدار البيان السياسي الذي لا يتضمن -في كثير من الحالات- بصورة مباشرة تشهيرا سياسيا واضحا بممارسات رموز ذلك التحالف التي فاقت في بشاعتها كل وصف، وهو أمر لا يدعو للغرابة لأن الدولة البرجوازية (أو الدول التابعة، ذات الأنظمة الليبرالية، المحكومة بعلاقات رأسمالية طفيلية ومشوهة) تسود فيها -استناداً لماركس- »ديمقراطية البرجوازية وديكتاتوريتها ضد الطبقة العاملة، فهي ديمقراطية من حيث علاقتها بالفرد المجرد الذي يمكن أن يتمتع بحقوق سياسية، ولكنها -من ناحية أخرى- ديكتاتورية في علاقتها بالإنسان المنتمي الى الطبقة المحرومة من الملكية، فالديمقراطية في هذه الحال تقتصر على ممثلي الاحتكارات في السلطة، في مقابل أن الديكتاتورية يتم فرضها على الطبقة العاملة (والجماهير الفقيرة) لحرمانها من أي مشاركة في السلطة الفعلية، على الرغم من كل الشعارات البراقة، حول الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تتاجر بها عمليا لتضليل الجماهير وبعض الواهمين من المثقفين ذوي الأصول أو النزعة البرجوازية، الذين يبنون مواقفهم وفق رغباتهم ومصالحهم الخاصة، فنرى كيف يروجون لفكرة تبادل السلطة سلمياً«، علما بأن البرجوازية -حتى في ظل العملية الانتخابية والبرلمان- لا يمكن أن تسلِّم السلطة بإرادتها للجماهير إلا في حالة إدراكها لعجزها عن المواجهة أولاً، ولقوة ضغط الجماهير وطليعتها الاشتراكية الديمقراطية الثورية المنظمة ثانياً...يتبع