الباحث محمد حسين آل ياسين: هل تدارك الأخفش الاوسط على الخليل بحره العروضي الأضداد اللغوية طارئة أم أصيلة؟

شكيب كاظم
2018 / 6 / 27

إذا كان أبو علي محمد بن المستنير، قطرب، المتوفى سنة 206، قد إبتدأ الكتابة في علم الاضداد اللغوية، وقطرب، يقرأ بالتثليث، أي بالرفع والنصب والجر، فأن الباحث المعروف الدكتور محمد حسين آل ياسين، قد جاء إلى أطراف المجد من كل نواحيها، بدرسه لظاهرة الأضداد في اللغة العربية، ولم يترك- كما أرى- زيادة لمستزيد، من خلال البحث والتنقيب والتنقير عن هذه الظاهرة اللغوية، التي قد لا يوجد ما يماثلها في اللغات الاخرى، وتتبعها منذ بداية الكتابة فيها، وحتى العصر الحديث وآخر ما كتب عنها وفيها، ولقد صَبَّ هذا التتبع والدرس والبحث في رسالة جامعية لنيل درجة ماجستير في آداب اللغة العربية، ناقشتها مناقشة علنية صباح يوم الخميس 21/ من حزيران/ 1974، لجنة مؤلفة برياسة الدكتور إبراهيم السامرائي، المتوفى عام(2001) وكان- أيضاً- مشرفاً على إعداد الرسالة وكتابتها وعضوية الدكتور مهدي المخزومي (قرأت نعيه بالصحف يوم الاحد 14/ رمضان/ 1413-7/3/1993) والاستاذ كمال إبراهيم، المتوفى مساء اليوم ذاته، وأستمرت المناقشة العلمية الضافية ساعات طويلة، وحتى المساء، وقرأت حديثاً عنها في اليوم التالي نشرته الصفحة الاخيرة لجريدة (الجمهورية) كتبه الباحث اللوذعي عبد اللطيف عبد الرحمن الراوي.
كمال ابراهيم الشهيد الجامعي
نعى فيها الباحث كمال إبراهيم، الذي فارق الحياة، وهو يتمتم بتقدير الدرجة للرسالة، والذي وصفه آل ياسين بـ(الشهيد الجامعي) هذا الشهيد الجامعي، الذي كنا نرجع طويلاً إلى كتابه المهم في علم الصرف أيام الدرس الجامعي والموسوم بـ(عمدة الصرف) وكتبت عنه الباحثة الدكتورة إسراء عامر شمس الدين، رسالة ماجستير عنوانها (الجهود اللغوية عند كمال إبراهيم. ت 1993هـ - 1973م) نوقشت في شهر تموز من عام 2002-1423هـ.
الذي قدم لنا وللقراء والباحثين، بحثاً رصيناً عنوانه (المجتمع العراقي في شعر القرن الرابع للهجرة). نشرته مكتبة النهضة ببغداد بطبعته الاولى عام 1974، وهو في الاصل رسالة ماجستير قدمت الى جامعة بغداد، ونالت مرتبة أمتياز، وكتبت بأشراف أستاذي الفاضل الدكتور علي جواد الطاهر، (ت 1996) حتى إذا كتب إطروحته للدكتوراه عن الفكر الاشتراكي والتي كان من المؤمل أن تناقشه مساء الثلاثاء 6/4/1976 لجنة مؤلفة من الدكاتره يوسف عز الدين والباحث المصري عبد العزيز الاهواني، والياس فرح وأستاذي صلاح خالص ولقد ذهبت الى كلية الآداب لحضور جلسة المناقشة إلا أنها - لاسباب قاهرة كما ذكر في أعلان التأجيل- أجلت الى يوم 10/ 4، أقول منذ ذلك الوقت لم أقرأ شيئاً للباحث المتمكن الدكتور عبد اللطيف عبد الرحمن الراوي. ترى ماذا حل بالراوي؟!!
ولقد دلت الرسالة العلمية الرصينة التي كتبها الباحث محمد حسين آل ياسين، على تمكنه من مادة البحث، وتتبعه للمظان والمخطوطات والكتب، ولم يترك شاردة ولا واردة في مجال الكتابة في ظاهرة الأضداد اللغوية، إلا أحصاها ووقف عندها. ممهداً للحديث عنها، بالوقوف عند بدايات ظهور العربية، من خلال دراسة النقوش التي عثر عليها المنقبون، والتي أفاضتْ في درسها والحديث عنها، كتبُ فقة اللغة، وهي التي تعاور الدارسون على كونها تمثل فجر ما يمكن عده لغة عربية، ولقد وقفتُ كثيراً عند هذه الظاهرة، فالبون كبير وشاسع بين اللغة العربية التي وصلت إلينا، والتي يمثلها الشعر الجاهلي، وسجع الكهان، الذي يرقى الى مئة أو مئة وخمسين، أو حتى مئتي سنة قبل البعثة المحمدية (611م) وبين هذه النقوش البدائية البسيطة بعيدة الصلة بالعربية، إذ أن أقدم النقوش التي عَثَر عليها المنقبون من المستشرقين، والتي تمكنوا من فك رموزها، تكاد ترقى الى المدة الواقعة بين القرن الخامس قبل الميلاد، والقرن الرابع الميلادي، وهي النقوش الثمودية واللحيانية، نسبة الى قبيلتي ثمود ولحيان، والصفوية التي عثر عليها في تلال أرض الصفاة، في منطقة جبل الدروز، وخطوط هذه النقوش تُشْبِه خطوط اللغة العربية الجنوبية القديمة، والتي تعرف بأسم اللغة الحميرية، وتكتب من الشمال الى اليمين، كما عثر المنقبون على نقوش أربعة مكتوبة بالخط النِبْطي المتأخر وهذه النقوش هي: نقش النمارة ونقش زَبَدْ ونقش حران، ونقش أم الجِمال، وأقدمها نقش النمارة، إذ دُوِّن عام 328 بعد الميلاد، في حين ورد في كتاب الدكتور آل ياسين مؤرخاً في 228، ترى هل كانت هذه المدة القصيرة كافية لبلورة لغتنا التي وصلتنا بشكلها الانيق، وبين لغة هذه النقوش؟ أمام هذه التساؤلات التي لم أجد لها جواباً حتى الآن، لم يبق أمامنا سوى إفتراض واحد هو: الشك في صحة النقوش، الشك في صحة العهد الذي ترقى إليه وترجع، إننا حتى لو ملنا الى رأي المستشرق إسرائيل ولفنسون في كتابه (تأريخ اللغات السامية) " لذلك يحتمل أن تكون بعض نقوش، على الاحجار والصخور، أو كتابات على الرق لم تكتشف بعد...." فأن المدة التي تفصل – كما قلتُ – بين لغة هذه النقوش، واللغة الرائعة التي وصلت إلينا، لا تسمح بمثل هذه التطور.
وأكاد أميل إلى أن نقوشاً عربية خالصة لم تكتشف بعد، فالنقوش التي عثر عليها هي في مواقع بعيدة عن الجزيرة العربية، وقد يأتي الوقت الذي تكتشف فيه، وعند ذاك سيتمكن الباحثون من متابعة التطور اللغوي لها.
إن هذه الظاهرة اللغوية العجيبة، لمما يحيرالألباب والعقول، إذ أن هناك – كما أزعم ثغرة كبيرة – لم يتمكن الباحثون من فك رموزها ودراستها حتى الآن – بين لغة هذه النقوش البدائية، التي لا تكاد تقدم صورةً عن حياة أهلها، أو ما يقرب من هذه الحياة، إذ هي عبارة عن نقوش على القبور والكنائس، تكثر فيها الاسماء، لعلها أسماء الموتى، أو إسماء من أسهم في بناء دار العبادة هذا، وبين تلك اللغة المشرقة الموحية المتكاملة، نحواً وصرفاً وبناءً وإعراباً، التي جاء بها العرب في العصر الجاهلي، أو تلك التي نزل بها القرآن الكريم.
كيف السبيل إلى وصل هذا بذاك؟ هل هناك نقوش ظلت مطمورة تحت التراب، تنتظر من يشمر ساعد الجد، كي يزيل عنها التراب ويفك رموزها؟ ولماذا أقول يفك رموزها، ولا أقول يضعها في سياقها من التطور اللغوي الذي مرت به العربية؟
وإذ ينتهي الباحث محمد حسين آل ياسين من درس هذه النقوش ولغتها، يقف عند دراسة خصائص اللغة العربية مثل: القلب والابدال والاشتقاق بنوعيه الأصغر والأكبر ومن ثم النحت والأتباع والمجاز والاستعارة واُلمَعرَّب والدخيل والمترادف اللغوي والمشترك اللفظي.
في هذه الرسالة العلمية الرصينة، التي نشرت كتاباً سنة 1974، ساعدت جامعة بغداد على نشره، والتي كنتُ شغوفاً وحريصاً على الحصول على نسخة منه، وأخيراً حصلت على نسخة مصورة، قرأتها بأمعان وشغف، مستغلاً هذه الفرصة لأرجو مبدعها الباحث الرصين آل ياسين، أن يتحف عالم البحث والقراءة، بأعادة طبعه، أقول في هذه الرسالة، يقف الباحث موقف المتسائل عن صدقية هذه الظاهرة، ظاهرة الأضداد في اللغة العربية، ليرى: " فليس لنا أن ندعي أن في العربية مشكلة إسمها (الأضداد)، وإنما هناك الفاظ تداخلت معانيها وتطورت أصوات دلالاتها، فَعَلَقَتْ بها الضدية علاقةً طارئة غير أصيلة، وإذا كانت ثمة مشكلة حقيقية فهي في ضخامة كتب الأضداد." ص242
كتب الاضداد
ضخامة هذه الكتب الاضدادية التي أحصاها الباحث، إحصاء المدقق المنقب الحاذق ناصاً على الذي وصل إلينا مخترقاً حُجُب الزمان والمكان، مثل كتاب قطرب (206هـ) والأصمعي (216هـ) وأبن السكيت (244هـ) وأبو حاتم السجستاني (248هـ) وأبو بكر محمد بن القاسم بن الانباري (328هـ) صاحب كتاب (الزاهر في معاني كلمات الناس) الذي حققه ودرسه الباحث حاتم صالح الضامن ونال عنه درجة الدكتوراه، حيث ناقشت أطروحته مساء الاربعاء 25/5/1977، لجنة ترأسها الدكتور محسن غياض وعضوية الدكاترة: أحمد ناجي القيسي وباكزة رفيق حلمي وعدنان محمد سلمان الدليمي، وأشرف عليها أستاذي الدكتور عبد الحسين الفتلي – رحمه الله -، وأبو الطيب اللغوي (351هـ) وأبن الدهان (569هـ) والصيغاني (650هـ)، واقفاً عند المحدثين مثل: عبد الهادي نجا بن رضوان نجا المصري الأبياري (1305) أو محمد بن سليمان بن محمد التنكابني المتوفى قبل (1320هـ) والذي لم يصل إلينا كتابه.
ولم يقتصر في تقصيه البحثي عند الكتب التي وصلت إلينا وحققت ونشرت، بل أحصى الكتب التي ضاعت، وأضاعها الزمان مثل كتاب الفراء (ت 207هـ) وأبو عبيدة معمر بن المثنى (ت 210هـ) وأبو عبيد القاسم بن سلام (ت 224هـ) وأبو محمد عبد الله بن محمد التوَّزي (233هـ) وأبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب (381هـ) وأبو عبد الله جعفر بن درستويه (347هـ) والحسن بن بشر الأمدي (370هـ) وأبو الحسن أحمد بن فارس بن زكريا الرازي (395هـ) وإن كنت أفضل أن لا يذكر جده ولقبه، مما يوقع في اللبس والابهام والايهام، فهذا اللغوي الجليل عُرف بأسم أحمد بن فارس، إذ اللقب يجعلنا نذهب الى الرازي المفسر البلاغي، وخاصة للقارئ غير المدقق وغير العارف بسنوات الوفيات، مشيراً الى أن الدكتور ماهر مهدي هلال درسه بلاغياً، ببحث نال عنه درجة ماجستير من جامعة بغداد، في حين ان الاستاذ الدكتور محسن عبد الحميد درس، فخر الدين الرازي هذا مفسراً ونال عنه درجة الدكتوراه من كلية الآداب/ جامعة القاهرة وبأشراف الباحث الكبير الدكتور يوسف خليف.
وكذلك أبو البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري (577) الذي لم يصل إلينا كتابه في الأضداد وصاحب الكتاب النحوي الرائع (الانصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين) واقفاً – بهذه المناسبة – لازالة اللبس الذي يقع فيه كثير من الباحثين ولا يمكنهم التمييز بين أبن الأنباري والأنباري، فأبن الأنباري هو أبو بكر محمد بن القاسم (ت 328) وأشرت آنفاً الى كتابه الشهير الذي حققه الدكتور حاتم صالح الضامن. أما الأنباري فهو أبو البركات عبد الرحمن (577هـ) كما وَهِمَ الباحثون بين مسكويه وأبن مسكويه، وليس هناك أبن لمسكويه، بل مسكويه صاحب كتاب (تجارب الامم).
كما أشار الباحث الى وَهمَ من وَهِمَ وهو الباحث علي الخاقاني، صاحب المكتبة الشهيرة، وصاحب المعجمات مثل: شعراء الغري وآخر بأسم شعراء الحلة. وقد أطلعت عليهما في مكتبة ناحية العزير بالجنوب العراقي، يوم كنت أعمل هناك موظفاً نفطياً في مستودع نفط العزير في النصف الثاني من العقد الستيني (1965-1968). الذي أشار الى وجود كتاب في الأضداد للثعالبي (430هـ)، وإذ لم ينص على أسم علي الخاقاني في بحثه، فأنه ذكره لدى نشره لتحقيقه (ثلاثة نصوص في الأضداد) بطبعته الاولى (1417هـ - 1996).
الباحث الرصين آل ياسين، لا يمنعنه حكم أصدره أيام الدرس، ومن خلال التفلية والتنقيب، يصل الى حقائق تناقض ما ذكره وتوصل إليه سابقاً، لا يمنعنه ذلك من الاقرار بالحقيقة والجهر بها، فهو إذ ذكر في رسالته الرصينة (الأضداد في اللغة) عدم وصول كتابيْ أبي عبيد بن سلام، وأبي محمد التوَّزي أو التوَّجي فأنه بمزيد من الصبر يصل الى هذين الكتابين، فينشر الاول في مجلة المجمع العلمي العراقي عام 1987، وينشر الثاني في العدد الثالث من مجلة (المورد) الفصلية عام 1979، ولم يكتف الباحث المدقق آل ياسين، بنشر الكتابين في المجلتين الرصينتين، بل أعاد نشرهما كلاً على حدة في (دار عمار) للنشر والتوزيع بالعاصمة الأردنية عمان، عام 1430-2009، وكذلك كتاب (رسالة الأضداد) لشيخ الحرمين محمد بن بدر الدين محمود المنشي، المتوفى سنة 1001هـ، عن الدار ذاتها. وهو الكتاب الذي لم يذكره في ضمن سرده لكتب الأضداد، في رسالته العلمية موضوع بحثنا هذا، مما يؤكد مواصلة البحث والدرس في هذه الظاهرة اللغوية.
الباحث المحقق آل ياسين، ما أكتفى بذلك بل جمع هذه التحقيقات الثلاثة، ونشرها بكتاب بعينه أسماه (ثلاثة نصوص في الأضداد).
علم ابيه الشيخ
إن إحترامه لعلم أبيه الشيخ محمد حسن آل ياسين – رحمه الله- وابوته، لا يمنعانه من مناقشة رأي أبيه العلامة في قضية كتاب أبي زكريا يحيى بن زياد الفراء في الأضداد فهو لا يملك ذكراً للكتاب في المصادر والفهارس القديمة إلا إشارة إبن الدهان، والذي سوغ له وجود كتاب للفراء في الأضداد أن إبن الدهان يذكره مع جمهرة من مؤلفي كتب الأضداد مثل: الاصمعي والفراء وقطرب وأبن السكيت وأبو العباس ثعلب وأبو حاتم السجستاني وأبو بكر بن الأنباري، وكل كتب هولاء وصلت إلينا، إلا كتاب ثعلب مما يرجح تأليف الفراء لكتاب في الأضداد، لا يمنعه ذلك من مناقشة رأي أبيه العلامة الذي حقق كتاب ابن الدهان ونشره في النجف عام 1952، وأعاد طبعه في بغداد سنة 1963 الذي لم يأبه بأشارة إبن الدهان الى وجود كتاب في الأضداد ألفه الفراء، ناصاً على رأي أبيه الشيخ محمد حسن القائل: "ليس له كتاب في الأضداد، ولكنه يشير الى الكلمات المتضادة في تضاعيف مؤلفاته".
في حين يرى الباحث محمد حسين آل ياسين، والظاهر أنه كتاب صغير، ولصغره ظل متداولاً في أوساط ثقافية ضيقة جنباً الى جنب مع الكتب المعاصرة في الأضداد، حتى إذا ظهرت كتب إبن الأنباري وأبي الطيب وغيرهما من المصنفات الضخمة في هذا الباب، تلقفتها الأيدي وأكبت عليها بيوت العلم، فقل شأن الكتاب الصغير، حتى ضاع فلم نسمع به إلا على لسان إبن الدهان بهذا الشكل الضعيف، شأنه في ذلك شأن كثير من الكتب التي ذابت في خضم المصنفات الكبيرة المؤلفة في بابها فضاعت ولم نسمع بخبرها، وبهذا نستطيع أن نفسر إغفال (الفهرست) لابن النديم المتوفى سنة (377) وهو أقدم من ذكر مصنفات المترجمين بأستيعاب – لأضداد الفراء- تراجع ص341-ص342.
ولأنه يريد البرهنة، على ما ذكره من وجود كتاب للفراء في الأضداد، ولأن الباحث آل ياسين من جيل الكبار، الذين لا يكفيهم إلا خوض الغمرات والسباحة في عباب إليم، بعيداً عن المياه الضحلة، فأنه ألزم نفسه بالبحث عن أراء، وأقوال الفراء في الأضداد، مفلياً المظان والمصنفات، ناصاً على أماكن وجود أقواله فيها، موضحاً معالم المنهج الذي سار عليه الفراء، مؤكداً الرأي الذي يميل إليه آل ياسين من عدم وضوح المدلول الشامل للمعنيين المتضادين، أي أن الضدية لم توضع أصلا في اللغة، فلا يعقل أن يتكلم قوم بعبارة فُهِمَ مدلولها، ويغايرونها الى ما يخالفها ويضادها لأننا في هذه الحالة نكون كمن يتحدث إحجيات وطلاسم لا يعرف مرادها، لكن الضد قد جاء من إنك هَدَفْتَ الى معنى معين في لغة من لغات قبائل الجزيرة العربية، لكنه جاء بما يخالف هذا المعنى في لغة قبيلة اخرى ومن ذلك القصة التي قرأناها في اكثر من مصدر ومرجع، وذكرها لنا استاذنا في فقه اللغة ايام الدرس الجامعي 1974 – 1975 الاستاذ الدكتور حسام سعيد النعيمي، وان كنت لا اميل الى صحتها، ولعلها رويت للتدليل على صحة اللفظة الضدية، ومفادها ان خرج رجل من بني كلاب، او من سائر بني عامر بن صعصعة الى ذي جدن، فاطلع الى سطح والملك عليه، فلما رآه الملك قال له ثِبْ وهي بلغة حمير واليمن اجلس، وهي في لغة الجزيرة وبني كلاب تعني الوثوب، فوثب الرجل وتحطمت عظامه، فأستغرب الملك من فعلته، فاوضحوا له ان الوثب لديهم يعني القفز والطفر، فقال الملك ليست عربيتنا كعربيتهم، ومما يؤكد عدم صحتها ان الرواية لم تذكر اسم الملك ولا زمنه ولا مكان ملكه، فضلا على انه من المستحيل ان يطلب رجل من ضيفه الوثوب الذي يعني التكسر والموت!!
وتطور هذا المعنى وتَزَيَّدَ فيه اللغويون والاخباريون والرواة للدلالة على علو كعبهم في هذا المجال وانهم وصلوا الى ما لم يصل اليه غيرهم، وربما اخذوا بالضعيف والحوشي لبيان المكانة، وربما قالوا ما لم تقله الناس، ونحلوهم اقوالهم، للتزيّد فقط، وهو ما نص اليه الباحث محمد حسين آل ياسين في خلاصة بحثه (الايمان بقلة الاضداد الحقيقية، وبعدم اصالة الضدية فيها عند وصفها الاول. وضرورة البحث بدقة عن الالفاظ التي قيل انها من الاضداد، والتأكد من عددها في اللغة، وصحة ورودها عن العرب، وتنقية اللغة باطّراح الالفاظ التي جرى التعسف في عدها من الاضداد. تراجع ص564.
لقد كنت وانا اعوم في هذا العباب المتلاطم من الآراء والتخريجات والمناقشات و..و.. اسائل نفسي، كيف تسنى لهذا الشاب وهو في بدايات عقده الثالث ان يتوصل الى هذه التوصلات، وان يقرأ كل هذه المصادر والمراجع ليخرج بهذه الرسالة العلمية الرصينة؟ ولم يعدوا؟ - اساتذته المناقشون – الحقيقة ووقائع الحياة والاشياء – وهم يمنحون الرسالة ومن خلالها الباحث المدقق والشاعر الانيق المحلق محمد حسين آل ياسين، تقدير الامتياز.
باحث دؤوب
شاب باحث، هذا دأبه، وهذه امكانياته، ما كان له ان يقف عند هذا الحد، لذا واصل البحث والمسير، لنيل الدرجة العلمية العليا، الدكتوراه وقد عقلها وتوكل على حد تعبير العلامة مهدي المخزومي، ولأنه شغوف بالدرس اللغوي، وبعد ان افاض في الماجستير بدراسة الاضداد، فانه عقلها وتوكل ليتناول – في الدكتوراه – الدراسات اللغوية عند العرب الى نهاية القرن الثالث وقد استغرق منه الامر نحو اربع سنوات واضعين في الحسبان انه في الماجستير نوقش في 21/6/1974 وتشكلت لجنة من العلماء الاعلام والجهابذة الكبار لمناقشة رسالته لنيل شهادة الدكتوراه في آداب في اللغة العربية وهم كل من:
1- الدكتور ابراهيم (احمد) السامرائي – رئيسا.
2- الدكتور مهدي المخزومي – عضوا.
3- الدكتور احمد ناجي القيسي – عضوا.
4- الاستاذ ابراهيم الوائلي – عضوا.
5- الدكتور فاضل (صالح) السامرائي (المشرف) عضوا.
نوقشت مناقشة علنية ظهر يوم الاربعاء 17/ من مايس/ 1978.
الدكتوراه
واذا كان الامتياز في الماجستير فلابد ان يكون – الامتياز – حصة له في الدكتوراه، ولأن الكثير من الرسائل والاطاريح تبقى في خزانات الجامعات، ومكتبات الاساتذة المناقشين، فإن رسالة على هذا المستوى من العلمية والرصانة، ما كان مكانها خزانة الكليات ومكتبات الاساتذة المناقشين، بل ضرورة جعلها في متناول الباحثين والدارسين وطالبي العلم لذا فقد احسن الدكتور محمد حسين آل ياسين صنعا، اذ وضع هذه الاطروحة العلمية اللغوية الرصينة بين ايادي القراء والباحثين، من خلال نشرها، في ضمن منشورات دار مكتبة الحياة ببيروت، وصدرت طبعتها الاولى عام 1400 – 1980، واراها قد نفدت من اسواق الكتب، ويا حبذا لو يعيد طباعتها، ولانه معتز ببنوته لابيه الشيخ وعلمه وخلقه، فقد اهداها الى استاذي الاكبر.. ابي.. الشيخ محمد حسن آل ياسين، اعترافا بابوته النادرة.
وانا اقرأ هذا الكتاب (الدراسات اللغوية عند العرب الى نهاية القرن الثالث) الذي اقتربت صفحاته من الخمس مئة ونصف المئة، زاد اعجابي بعلم الرجل وصبره ومطاولته وتفليته المصادر والمظان، راجعا الى المراجع الحديثة معززا رأيا يطلقه، او دحضا لفرية يعرفها آخرون، وكنت اقول ماذا ترك السابق للاحق؟ اتساءل وماذا ترك محمد حسين آل ياسين، لمن يأتي بعده؟ ولقد اشفقت، على من يأتي بعده للكتابة في الموضوع الذي كتب فيه الدكتور او المواضيع القريبة منه، ماذا يجد؟ بعد ان عبدته (حادلة) الباحث الرصين آل ياسين، وسبر موضوعاته بمسباره الدقيق، الذي يقترب من مسبار (هابل) في مجال دراسة ظواهر الكون البعيد الذي اطلقته الولايات المتحدة ربيع عام 1990؟
ولأن الكثير من الدارسين – وخاصة الاجانب – لا يريدون الاعتراف بأمكانات العرب وعقلياتهم العلمية الأبتكارية، في مسألة إبتكار النحو، أو نَقْط الاعراب أو الاعجام، مرجعين ذلك الى أقوام أخرى، كاليونان والهنود وغيرهم، فكان لابد للباحث آل ياسين من أن يدرس هذه الاراء التي تحاول بخس العرب أشياءهم، وتطفيف كيلهم، ويناقشها مناقشة علمية رصينة – وهو أهل لها وأبن بجدتها – ناصاً على رأي اللغوي أحمد بن فارس (ت 395) من أن النحو كان من معارف العرب القديمة، غير أنهم لم يكونوا في حاجة دافعة إليه بسبب سلائقهم القويمة، حتى تُرِكَ أي النحو وخاصة بعد الاسلام مباشرة، حيث شُغِلوا بالدين وبالفتوحات فنسيه الناس، حتى جاء أبو الاسود فبعثه من جديد – تراجع ص62 -.
ويناقش اراء من ذهب الى أن أبا الاسود لم يضع العربية ويبدأها ضوابط وقواعد وإن ما نسب إليه من وضع هذه الضوابط، أو ما أشار إليه الامام علي من تقسيم الكلمة الى اسم وفعل وحرف، لا تنسجم وعقلية العرب في أول عصر الثقافة التي بدأوها، وإنها نشأت بعد تطور الفكر العربي وتأثير الفلسفة والمنطق اليونانيين على العقلية العربية ليقول: إن هذا الرأي لا يسنده دليل مقبول، فقد وجدنا من عرضنا لاغلب المصادر القديمة إنها تنص على أن أبا الاسود وضع ضوابط نحوية أولية بأشارة من الامام علي في صحيفته المعروفة بـ(التعليقة) وهو عمل مستقل عن وضعه النَقْط في القرآن، وبعد أن يعرض لاراء المستشرق دي بور، والدكتور أحمد أمين في كتابه (ضحى الاسلام) والدكتور إبراهيم بيومي مدكور، الذي أصبح في السبعينات إميناً عاماً للمجمع اللغوي بالقاهرة وكذلك جرجي زيدان، يأتي ليقول أن دعوى التأثر بالنحو السرياني لا يسندها دليل علمي، ذلك أن نظرية العامل - مثلاً – لا وجود لها في أي نحو آخر، (...) واما ما زعمه دي بور من تأثر النحو العربي بالبصرة بالحكمة الاجنبية، فلا دليل عليه في مرحلة النشأة الاولى حتى عصر الخليل (...) ولو تتبع الدارس المتفحص أثر العرب في الدراسات اللغوية الاجنبية، لعجب من مزاعم هؤلاء في تأثرهم بالهنود والسريان واليونان وغيرهم، تراجع ص63. ص94.
الباحث الدجني
وفي منتصف السبعينات قرأتُ كتاباً علمياً رصيناً، هو في الاصل رسالة في الماجستير عن نحو أبي الاسود الدؤلي كتبها الباحث فتحي عبد الفتاح الدجني، ناقش فيها هذه المسائل ودحضها، وللدجني – الذي لم أعثر له عدا هذين الكتابين على أي بحث أو أية دراسة - بحث رصين، هو أطروحته للدكتوراه درس فيها (ظاهرة الشذوذ في النحو العربي)، ترى أين فتحي عبد الفتاح الدجني ومن يعرف عنه شيئاً؟!!
ولأن بعض الباحثين لا يريدون أن يتركوا لنا أية فضيلة، ولقد أوغر علم الخليل بن أحمد الفراهيدي - قدماء ومحدثين – صدرهم بالحسد والحقد، هذا العقل العلمي المبتكر الجوال السابر للأغوار الذي إلف أول معجم لغوي، على غير ما تعارف عليه المصنفون، الذين ألفوا المعاجم حسب حروف الهجاء، أو الحروف الابجدية، ومنهم من ألفها حسب الحرف الاخير للكلمة.
إذ ألفه الخليل على أدْخَلِ حرف منها في الحلق، أي أبعد حرف ينطلق من حلق الانسان وعلى أساس مخارجها من هذا الجهاز، فبدأ بحروف الحلق، وهي حروف: ع. ح. هـ. خ. غ. والثانية اللهوية لأن مبدأها من اللهاة وحرفاها: ق. ك. والثالثة الشجرية لأن مبدأها من شجر الفم أي مفرج الفم وحروفها: ج. ش. ض. والرابعة الأسلية لأن مبدأها من أسلة اللسان حروفها: ص. س. ز. والخامسة نطعية لأن مبدأها من نطع الغار الاعلى وحروفها: ط. د. ت. والسادسة لثوية لأن مبدأها من اللثة وحروفها: ظ. ث. ذ. والسابعة الذلقية لأن مبدأها من ذلق اللسان، وهو تحديد طرفي ذلق اللسان وحروفها: ر. ل. ن. والثامنة شفوية لأنها تبتدئ من الشفة وحروفها: ف. ب. م. والتاسعة والاخيرةهوائية، لأنها لا يتعلق بها شيء وهي حروف العلة: و. ا.ي. والهمزة، هذا العقل المبتكر وهذه التوصلات التي لم يسبقه إليها أحد، من قومه ومن الاخرين، والخليل بن أحمد الفراهيدي فوق أنه أبتكر هذا اللون من الوان المعجمات، له فضل على الشعر، بأبتكاره أوزانه الستة عشر، وهو ما عرف بالعروض العربي، فضلاً على جهوده النحوية، لذا أحسن العلامة الدكتور مهدي المخزومي القول إذ وصفه بعبقري من البصرة، بكتاب خصه به أطلق عليه هذا العنوان، إذ حاول البعض نكران نسبة المعجم إليه والى قومه العرب، فشمر الباحث الثبت الدكتور آل ياسين ساعد الجد والبحث لاحقاق الحق وتبيان الفضائل، متسائلاً عن ماهية الأثر اليوناني في كتاب (العين) والخليل لم يعرف اليونانية، ولا غير اليونانية من اللغات القريبة والبعيدة? حتى الساميات، فلم ينسب إليه أنه أتقن أحداها. ولا نذهب الى ما ذهب إليه الدكتور رمضان عبد التواب من معرفة الخليل بالكنعانية، تراجع ص91.
تفنيد مزاعم الحاسدين
ويفند الباحث آل ياسين مزاعم أبي علي القالي (ت 356) الناتجة عن تحاسد المتعاصرين والمتجايلين، ولقد قيل قديماً: المعاصرة حجاب إذ تدفعهم الأَثَرةُ والحسد الى نكران فضل الفضلاء وهل ننسى حسد الحساد لأبي الطيب المتنبي الشامخ، مما يدفع بأبن خالويه الى أن يشج رأسه بمفتاح كان يحمله بعد مناقشة لغوية في مجلس سيف الدولة الحمداني أفحمه فيها المتنبي ودفع ذلك بالشانئين الحاسدين الى تأليف عشرات الكتب للحط من شأنه، والابانة عن سرقاته المزعومة، إلا عثمان بن جني الذي ألف كتاباً أسماه (معجز أحمد) وأحمد هو إسم المتنبي فشبه أشعاره بالاعجاز.
حتى إذا ذهب الزمان بهم وهدأت النفوس وذهبت المجايلة، عادوا يدرسون بعقل وضمير واعيين، لذهاب السبب الاول المعاصرة والمجايلة، فمن مزاعم القالي، أنه لما ورد كتاب العين من بلد خراسان في زمن أبي حاتم، أنكره أبو حاتم أشد الانكار ودفعه بأبلغ الدفع، وقد غَبَرَ أصحابُ الخليل بعده مدة طويلة لا يعرفون هذا الكتاب ولا يسمعون به، منهم: النضر بن شميل، ومؤرج (السدوسي) ونصر بن علي، وأبو الحسن الاخفش، وامثالهم، ولو أن الخليل الف الكتاب لحمله هؤلاء عنه، وكانوا اولى بذلك من مجهول الحال، غير مشهور في العلم تفرد وتوحد بالنقل له، تراجع ص236، من الكتاب نقلاً عن مزهر السيوطي 1/48.
ويعقد الباحث آل ياسين محاكمة علمية لمناقشة هذا الرأي المتعسف الذي جاء به أبو علي القالي مفنداً إياه، فقرةً، فقرة، مما يمكن الرجوع إليه في الكتاب، لينتهي الى كون هذه الاقوال، إعجاباً دفيناً ودهشة غامرة غطى عليها التعصب على الخليل والحسد من الليث.
ليصل الى أن العين للخليل بدليل النقل والعقل وذلك لكثرة من نسبه إليه من القدماء، سواء في ذلك رواته، أم سواهم من اللغويين والنحاة وأصحاب الطبقات، ممن عرضنا لهم جميعاً فيما مر من البحث. ص245
ولا بد لي أن أشير الى شدة تقصيه وبحثه في هذا الكتاب المدهش، أي العين، - وهذا ما دونته ملاحظةً على الحاشية وأنا أقرأ كتاب الباحث آل ياسين – أنه يوم كتب بحثه العلمي هذا، ما كان معجم العين قد حقق ونشر، بل كانت هناك شذرات حققها الاب انستاس ماري الكرملي – رحمه الله - (ت 1947) ونشرها عام 1914، فضلاً على قطعة أكبر حققها الدكتور عبد الله درويش، بل كان التحقيق العلمي الجامع لمعجم العين، قد تولاه العلامتان الدكتور إبراهيم (أحمد) السامرائي والدكتور مهدي المخزومي، وصدر جزوءه الاول عام 1980، وقد اقتنيته بأجزائه كلها، لكني إضطررت الى بيعه وجزء كبير من مكتبتي خلال سنوات الحصار والجوع، ومازلت أذكر بكل الاسى بيعي لأروع كتاب نحوي حديث، (النحو الوافي) للأستاذ عباس حسن بأجزائه الأربعة، لكن ما آلمني إشتجار الخلاف بين العالمين الجهبذين في مسألة تحقيق معجم العين، ووصول الخلاف الى صفحات الصحف، وكان المؤمل أن يكونا اكبر من ذلك – رحمهما الله -.
ولانه موكل بفضاء العلم يذرعه، فلا يدع مسألة خلافية لغوية إلا أحصاها ووقف عندها، مرجعاً الحق الى أهله، إو نافضاً غبار الايهام والأبهام، كاشفاً حقائق الامور، وهذا لا يتأتى إلا لمن أوتي من العلم حظاً عظيماً، و أوتي قسطاً وافراً من الصبر والمصاولة والمطاولة، فهو بعد أن إطمأن لأعادة الحق الى نصابه في معجم العين للخليل، عاد ليناقش قضية نسبة معجم الجيم لأبي عمرو الشيباني، متوصلاً توصلاً علمياً رصيناً وبعد تعب ونَصَبْ الى أن الذي وصل إلينا هو كتابه (الحروف) وإن أسم الجيم الذي أطلق على هذا المعجم الذي بين أيدينا لحق الكتاب سهواً من كتاب الجيم الذي لم يصل إلينا، إذ لم تتحدث عنه المصادر القديمة بـ(سوى أنه ضاع بعد أن ضن به مؤلفة على الناس، ولأن أبا الطيب اللغوي في كتابه (مراتب النحويين) متحدثاً عن كتاب الشيباني ذكر "وأما كتاب الجيم فلا رواية له، لأن أبا عمرو (الشيباني) بخل به على الناس فلم يقرأه عليه أحد".
في الفصل الاول من الباب الثالث، الذي تحدث فيه الباحث آل ياسين عن مناهج اللغويين العرب في دراستهم للغة، واقفاً عند طريقتهم في الكشف عن الحقائق اللغوية ووصفها وتقعيد قواعدها، ومدى شمولها للغة العرب، واقفاً عند اراء النحويين واللغويين في النص على القبائل التي تؤخذ عنها اللغة، شرط ان تكون بعيدة عن أطراف الجزيرة العربية خشية التأثر بلسان الامم المجاورة، ناصاً على قول الفارابي (ت 350هـ): "الذين عنهم نقلت اللغة العربية وبهم اقتدي وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم: قيس وتميم واسد، فأن هؤلاء هم الذين عنهم اكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم أتكل في الغريب وفي الاعراب وفي التصريف، ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين. ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم. وبالجملة فأنه لم يؤخذ عن حضري قط، ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الامم الذين حولهم" ص329. نقلاً عن الاقتراح والمزهر 1/211.
لماذا التعويل على لغة قريش؟
وأتساءل هنا كيف أصبح المعول على لهجة قريش أو لغتها؟ والمتقدمون ما كانوا يأبهون للفرق بين التعبيرين أي اللهجة واللغة ولا يميزون بينهما كما نميز نحن الآن، فنطلق اللغة على الفصيحة، واللهجة على العامية، لان لغة قريش هي لغة الحاضرة والمدن، فضلاً على وفود التجار إليهم من كل ركن وصقع، وأنعقاد أسواق الأدب، أرى أنما جاء ذلك، بسبب نزول القرآن الكريم، بلهجة قريش وأصبحت – بسبب الدين الجديد – لها السياسة والسيادة وقيادة المجتمع، وإن ذلك إنما جاء (مجاملةً) لقريش صاحبة الدين والحكم كما يقول المستشرق نولدكه في كتابه (اللغات السامية) هم الذين كانوا يقولون: "لم أرَ بدوياً أقام في الحضر إلا فَسَدَ لسانهُ، غير رؤبة والفرزدق" فكيف أجازوا الركون الى لهجة قريش أو لغتها وهم من سكنوا حاضرة مكة، فضلاً على أن مساكنهم ما كانت في أواسط جزيرة العرب؟!!
كما أنهم لم يحتجوا بشعر ذي الرمة، لأنه طالما اكل المالحَ واَلبَقَلْ في حوانيت البقالين، كما يقول الاصمعي عبد الملك بن قريب (ت 216) كما انه وصف الكميت بن زيد الاسدي بـ(الجرمقاني) من أهل الموصل ولم يحتج بشعره.
بعضهم يجد أن حصوله على الشهادة، الدكتوراه خاصة، تبيح له أن يستنيم الى بهرجها وما تحققه له من حظوة فيمضي بقية العمر لا يقرأ ولا يكتب إلا لغرض الحصول على الترقية ولو لا الترقية، لجعل رسالة الدكتوراه مخدة ينام عليها، إلاه هذا الباحث المنقطع لدنيا البحث والكتابة، إنه في تعلم مستمر وبحث دائب، فها هو يتحف المجلات المحكمة الرصينة ببحوثه: المورد. مجلة المجمع العلمي العراقي، مجلة البلاغ المتحجبة، التي كان لي شرف الكتابة فيها بدراستي المعنونة (من أجل تيسير النحو) العدد الثامن. السنة السادسة 1397هـ - 1977 وكان رئيس هيئتها الادراية الشيخ محمد حسن آل ياسين، ونائبه أستاذي الدكتور محسن جمال الدين – رحمهما الله - مجلة الرسالة الاسلامية. مجلة دراسات الاجيال التي كانت تصدرها نقابة المعلمين. مجلة كلية الآداب جامعة بغداد، نشرها في السبعينات والثمانينات الماضيات من عمرنا، وقد وصف هذه الدراسات، بأنها إكمال لما بدأ به في رسالتيه للماجستير والدكتوراه التي أفضتُ في الحديث عنهما بداية دراستي هذه ورسم صورة شاملة للعربية الكريمة تاريخاً ومادةً وظواهر ومصادر في مراحلها الفنية الاولى ولأنه خشي على هذه البحوث الرصينة أن تبقى ثاوية في أماكن نشرها الاولى بعيداً عن أنظار القراء والباحثين، فأنه جمعها – مُحْسِناً صُنْعاً – ونشرها في كتاب يقع في مئتين وثلاث وستين صفحة. صدرت طبعته الاولى عن عالم الكتب سنة 1417هـ - 1996م وفي الكتاب بحث رصين عن نظريات نشأة اللغة عند العرب، والوقوف عند هذه النظريات ومناقشتها ومنها: نظرية التوقيف والالهام، أي أن الله تعالى ألهم الناسَ لغاتهم وأوقفهم عليها، مستندين الى الأية الكريمة: وعلم أدمَ الاسماء كلها، ونظرية التواضع والاتفاق: أي يتفق الناس فيما بينهم على أسم لمسمى، ويطلقونه ويؤكدونه ثم يفشو بين الناس، والثالثة نظرية محاكاة الاصوات الطبيعية، أي تنطلق اللغة من محاكاتها وتقليدها لهذه الاصوات،إصوات الحيوانات وإصوات الالات مثل صليل السيوف وصوت الرعد، وعصف الرياح. ورابعة نظرية الوقف، أي الجهل بحقيقة نشأة اللغة، لعدم وجود ما يدل على ذلك، مما أفاضت به كتب اللغة مثل: (الخصائص) لأبي الفتح عثمان بن جني (ت 392هـ) والصاحبي في فقه اللغة لأحمد بن فارس (ت 395) والاقتراح للسيوطي (ت911هـ) دون أن يقطع الباحث برأي محدد في هذا المجال، والميل الى نظرية من النظريات. ومن الف سنة احتار اللغوي الضليع إبن جني في الاخذ بأحدها وأكاد أميل الى ان اللغة فطرة أنسانية فطرنا الله عليها، وهي أكبر من أية نظرية أو قواعد أو قوانين، وإنها تأخذ من كل نظرية من النظريات آنفة الذكر بسبب ووتد، وإلا لما إختلفت اللغات واللهجات على مستوى القومية الواحدة، أو الشعوب الاخرى.
في بحثه الرصين (في المدارس النحوية) يدرس الباحث الدكتور محمد حسين آل ياسين نظرية المدارس النحوية واقفاً عند آراء الباحثين أمثال: الدكتور مهدي المخزومي في كتابه (مدرسة الكوفة) والدكتور شوقي ضيف في كتابه (المدارس النحوية) الدكتور أحمد مكي الانصاري وكتابه (الفراء ومذهبه في النحو واللغة) وإذا كان هناك من يغلو ويغالي، فينكر وجود أية مدرسة نحوية عربية، أو يمدها ليجعلها ستاً، مضيفاً الى مدرستي الكوفة والبصرة، مدارس بغداد ويمثلها المبرد والرماني والسيرافي والموصل ورأسها إبن جني. ومصر وممن يمثلها إبن هشام الانصاري ومدرسة الاندلس ومن أعلامها إبن حيان النحوي الذي كتبت فيه الدكتورة خديجة عبد الرزاق الحديثي دراسة قيمة نالت عنها الدكتوراه، وإبن مضاء القرطبي وإبن سيده وغيرهم.
وأرى أن كلا الرأيين متطرفان، وحقائق الدرس والبحث تقف عند مدرستي الكوفة والبصرة النحويتين ولا أرى غيرهما، وهذه الآراء المتناثرة لا تمثل مدارس أخرى.
والباحث آل ياسين لا يقف عند هذا الرأي الذي قلته، بل يجعل كل وكده النص على الذي يقف على رأس المدرستين، ليخلص الى أن ما سماه الدكتور أحمد مكي الانصاري "بـ(مظاهر النزعة البصرية) عند الفراء، ليست هي نزعة بَصرية، وإنما كان بعضه من طبيعة الدرس الكوفي وبعضه الاخر من خصائص الفراء نفسه (...) كما نخلص من بحثنا هذا كله الى أن مدرسة الكوفة حقيقة لا مناص منها، وإنها لم يوجهها وجهتها الكوفية يونس بن حبيب كما رأى {المستشرق} (فايل) ولا الاخفش كما رأى شوقي ضيف، ولم يكن الفراء المؤسس الحقيقي لمدرسة بغداد كما رأى الدكتور أحمد مكي الانصاري، إنما النتيجة الصحيحة لكل ذلك هو ما ذهبنا إليه أولاً والذي ذهب إليه قبلنا أستاذنا الدكتور المخزومي من أن مدرسة البصرة تأسست على يد سيبويه ومدرسة الكوفة على يد الكسائي وكلاهها تلمذ للخليل، وما يونس والخليل إلا علما ن في المدرسة البصرية، وما الفراء إلا متمم لبناء مدرسة الكوفة مع إحتفاظ كل منهم باستقلاله العلمي وآرائه الشخصية". ص100 – ص101
في بحثه الرصين (الاخفش وعروض الخليل) يناقش الباحث آل ياسين مناقشة علمية هادئة – ولله دره – قضية أصبحت من المسلمات العلمية، لينسفها نسفاً علمياً كما ناقش نظرية الاضداد في اللغة العربية، وهي أن الاخفش الاوسط سعيد بن مسعدة هو من تدارك على الخليل بحوره الخمسة عشر، ببحره السادس عشر الذي سمي مرة بـ(المتدارك) لتدارك الاخفش عليه وما هو إلا بحر (الَخَببْ) وإن هذا الذي ينسب إليه، ما هي إلا اوراق الخليل إنتحلها الاخفش ونسبها لنفسه، بعد أن أودعها سيبويه لديه فضلاً على كتابه (الكتاب) وهو قد أزمع رحيلاً عن البصرة نحو بلاد فارس، بعد تلك الخيبة التي مني بها في مجلس الرشيد، في المناظرة التي أفاض الدارسون بذكرها، بين سيبويه والكسائي فيما عرفت بـ(المسألة الزنبورية) ومات سيبويه في رحلته تلك، وما أراه إلا مات هماً وغماً بسبب ذلك الانكسار فيعقد الباحث آل ياسين مقارنة ذكية تدل على بحث وتتبع ومدارسة بين نصوص مما ورد في (الكتاب) لسيبويه ونصوص من كتاب (القوافي) المنسوب للأخفش، ليصل الى نتيجة علمية مفادها: "هذه الامثلة من النقل المباشر وغير المباشر عن (الكتاب) كافية لاثبات قالتنا أن الاخفش استقى علمه في العروض من سيبويه لا من أحد سواه، خصوصاً أنه ليس في أيدينا ما هو أقدم من كتاب سيبويه يمكن أن يكون مصدراً للأخفش، وإلا لوجدنا نقولاً أخرى عن كتب أخرى.
هل استدرك الاخفش؟
نخلص الى ان الاخفش تَلْمَذَ في العروض لسيبويه لا للخليل، وإنه تلمذ له في النحو واللغة كذلك. فسيبويه هو أستاذه المباشر وهو الطريق الى الخليل، أو بعبارة أخرى هو الحلقة المفقودة بين الخليل – مستنبط العروض ببحوره الستة عشر جميعاً – وبين الاخفش طريق الدارسين الى هذا العروض" ص117
ولأنه يحترم علمه وعلميته، ولا يريد أن يقطع بشيء دون التأكد منه، ولأن الشك يوصل الى اليقين، كما يقول الامام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي (ت 505)، الذي سبق ديكارت بقرون في إطلاقه قولته وقالته تلك، فأنه يردف توصلاته هذه بقوله: "ومهما يكن من أمر فأن المسألة تحتاج الى بحث أعمق ودرس أوفى، خصوصاً بعد أن يرى كتاب الأخفش (العروض) النور {وأرى أن دقة العبارة أن نقول كتاب (العروض) للأخفش}، لنرى بوضوح مصادره ورواته واسانيده. وليكون الحكم أقرب الى الصواب". ص117
الكتاب هذا الموسوم بـ(أبحاث في تأريخ العربية ومصادرها) إحتوى فضلاً على الدراسات التي وقفت عند أكثرها فيما سبق من سطور، أشتمل في بابه الثاني على عدة دراسات فيما يعرف بعلم (نقد التحقيق) فوقف عند أكثر من عمل في تحقيق ونشر المخطوطات، منها كتاب (الفتح الوهبي على مشكلات المتنبي) لأبي الفتح عثمان بن جني. تحقيق الدكتور محسن غياض عجيل – رحمه الله - الصادر في بغداد عام 1393 – 1973، وكذلك الجزء الاول من ديوان أبي الفوارس شهاب الدين سعد بن محمد التميمي المولود ببغداد سنة 492هـ والمتوفى سنة 574هـ والمعروف بـ(حَيْصَ بَيْص) تحقيق مكي السيد جاسم وشاكر هادي شكر والمنشور ببغداد سنة 1974.
وكان بودي ذكر إسميّ من شاركه في التحقيق، ذلك أن الدكتور علي جواد الطاهر، كلفهم ثلاثتهم أيام دراسة الدكتوراه أن يقوموا بنقد أثر محقق فأختاروا هذا الديوان.
وثالثاً كتاب (البديع في نقد الشعر) لأسامة بن منقذ الصادر في القاهرة عام 1380 – 1960 وقام بتحقيقه ونشره الدكتور أحمد أحمد بدوي والدكتور حامد عبد المجيد، الذي لم أقرأ له شيئاً في عالم تحقيق المخطوطات، ويبدو أن بدوي وضع أسمه مجاملة، كما وضع أحمد صقر إسم أحمد أمين في الكثير من تحقيقاته، ولم نعهد في أحمد أمين مؤهلات في هذا العلم، وربما وضع لزيادة الاهمية والعلمية، وهذا نوع من التدليس في عالم الكتب. وفي العراق حصل هذا أكثر من مرة ولا نريد النص عليه. محقق مبتدئ يضع اسم أستاذه، أو محقق معروف، لتأكيد علمية عمله!! ومادمنا في مجال علم نقد التحقيق، فلا بد لي من أنص على جهود المحقق الضليع الاستاذ هلال ناجي، وكذلك الاستاذ عباس هاني الجراخ، في علم نقد التحقيق.
جهوده في التحقيق
الاستاذ الدكتور محمد حسين آل ياسين، الذي حباه الله بمواهب عديدة: البحث والكتابة وشاعرية فياضة ثره، حباه الله المكوث والمطاولة على الدرس، فقدم جهوداً باهرة في عالم تحقيق المخطوطات، ولقد قدم في كتابه هذا، تحقيقين لكتابي (التبيان) لأبي جعفر الطوسي (385 – 460) و (متشابه القرآن) المنسوب لعلي بن حمزة الكسائي، وأقف أنا عند رأيه بالرسم القرآني، الذي يراه أصبح عائقاً مهماً أمام قراءة جمهرة كبيرة من الناس للقرآن، وصار شكوى كثير منهم، ذلك أنهم لم يتعودوه ولم يألفوه... تراجع ص135، وأرى أن لا نتراجع أمام كسل الناس، وتراجع علميتهم، فمنذ سنوات (1988) أطلق الدكتور هادي الحمداني - رحمه الله - قولته بالغاء الهمزة، لصعوبة نطقها ورسمها والاقتصار على رسمها هكذا (ءَ) وهذا رأي خطير يمس قدسية اللغة، كذلك تحوير الرسم القرآني، ليوافق النطق وقد بدأ به المغاربة فيرسمون عبد الرحمن، هكذا (عبد الرحمان) فالرسم القرآني الذي جاءنا من الآباء والاجداد، مقدس، ولا يجوز المس به ورسمه بأي شكل من الاشكال. بحجة شكوى الجهال منه، ومتى اعتد أناس يحترمون أنفسهم بآراء هؤلاء؟!!
ولأن الباحث آل ياسين، لا يرغب في – مجال العلم والبحث - السير في الطرق الممهدة ولأنه جعل نصب عينيه أن كل عمل لابن آدم غير مكتمل البتة لاستيلاء النقص على جملة البشر، فأنه لم يكتف بهذا الذي قدمه في تحقيقه لكتاب (متشابه القرآن) إذ يحصل على تفرغ علمي سنة 1991 – 1992 من عمادة كلية الآداب ورياسة قسم اللغة العربية فيها، فيواصل البحث، ليقدم للقراء الجادين هذا الكتاب محققاً تحقيقاً رصيناً، جاعلاً من مخطوطة مكتبة جستر بيتي بدبلن، النسخة الاصل، كما أفاد من القطعة المأخوذة من النسخة الباريسية وقد نشر هذا الجهد بكتاب يقع في مئتين وإثنتي عشرة صفحة، صدرت طبعته الاولى عن دار عمار للنشر والتوزيع بالعاصمة الاردنية عمّان سنة 1428 – 2008، وقد أقف عنده يوماً بدراسة مفصلة لأني أراه قميناً بها.
ولأنه كما أسلفت في بحث دائب وقد ألزم نفسه منذ أن وضع كتابه (الاضداد في اللغة) رسالة للماجستير عام 1973، للعناية بهذه الظاهرة، ودوام البحث فيها وأعني ظاهرة الاضداد، فقد واصل البحث عن كتاب الاضداد لأبي محمد عبد الله بن محمد التوَّزي المتوفى سنة 233هـ، إذ حسبه ضائعاً ولم يصل إلينا، كما ورد في موضعين من رسالته آنفة الذكر على الصفحة 313 وثانية على الصفحة 386، إلا أنه بعد بحث ومطاولة عثر على نسخته الوحيدة مصورة في معهد المخطوطات العربية في القاهرة، عن الأصل المكتشف في المغرب، فحققه ونشره في مجلة (المورد) الفصلية العراقية – العدد الثالث من المجلد الثامن عام 1979، وأعاد نشره في كتاب صدرت طبعته الاولى عن دار عمار بالاردن سنة 1430 – 2009، أهداه – محقاً – الى الخليل الثاني، عالم العربية الكبير أستاذي وأستاذ الاجيال مجدد الدرس اللغوي الدكتور مهدي المخزومي، وفاءً وحباً وأفتقاداً في ذكراه الخالدة.
كما حقق نصاً آخر من نصوص الاضداد وهو (رسالة الاضداد) لشيخ الحرمين جمال الدين محمد بدر الدين محمود المنشي (ت 1001هـ) واصدره – هو الأخر – بطبعته الاولى عن دار عمار – كذلك – سنة 1429 – 2008.
كما قدم نصاً آخر من نصوص هذه الظاهرة اللغوية، ونشره في مجلة المجمع العلمي العراقي سنة 1987، وأعني به باب الاضداد لأبي عُبَيْد القاسم بن سلام (ت 224هـ) وقد إجتمعت له من هذا النص صور أربع نسخ نفيسة: إيطالية وتركية وتونسية وعراقية، هذا النص الذي وَهِمَ المستشرق الالماني الشهير كارل بروكلمان في كتابه الموسوعي (تأريخ الأدب العربي) وَهِمَ في نسبته الى أبي عبيد، فقد تبين أن هذه المخطوطة برقمها الذي ذكره هي كتاب الاضداد لأبي حاتم السجستاني (ت 255هـ)، وإذ بعد العهد بنشرة المجلة، فقد أعادت نشر هذه الدراسة دار عمار الاردنية بطبعة أولى سنة 1430 – 2009.
ولأن الباحث الدكتور محمد حسين آل ياسين، يخشى على جهوده العلمية عاديات الزمن، الذي يعصف دورانه بكل شيء، ولأنه حادب عليها حدبه على أبنائه، فقد جمعها – ليطمئن عليها – هذه التحقيقات الثلاثة في كتاب بعينه، لم تفته فيه الالتفات الى الاقدمية، فنشر نص أبي عبيد القاسم بن سلام (ت 224) ليليه نص التوَّزي (ت 233هـ) مثلثاً بنص المنشي (ت 1001 هـ). وصدر الكتاب عن عالم الكتب بطبعته الاولى سنة 1417 – 1996.
في الفقرة الثانية والعشرين من باب (كتب معاني الشعر) من بحثه الموسوم (ما وُضِعَ في اللغة عند العرب الى نهاية القرن الثالث) المنشور في مجلة (المورد) العدد الرابع، المجلد التاسع 1400 – 1980، والذي أعاد نشره في كتابه (أبحاث في تأريخ العربية ومصادرها) الذي درسناه آنفاً، يرد قوله لدى ذِكْر أبي الحسن بن كيسان (ت 299هـ) له: شرح السبع الطوال الجاهليات: نسخته المخطوطة الوحيدة في مكتبة برلين رقمها (7440). أملك صورة منه، وأعمل على تحقيقه.
هذا ما ذكره الباحث عام 1980، ولانه لا يطلق الكلام دون أن يحققه، لكن قد تُشغل الانسان الشواغل، وها هي الحرب الضروس تطحن الناس والحياة، ولأن ما لايدرك كله، لا يترك جله، فقد آن للباحث أن يخرج قسماً من هذا المخطوط، ريثما يتم تحقيق سائر أقسامه، وهذا القسم هو شرح قصيدتي امرئ القيس وطرفة بن العبد، أو ما بقي من شرح القصيدتين، وكان دافعه الى تحقيقها – مع نقصها – أنها تمثل أقدم ما وصل إلينا من الكتب الموضوعة لشرح المعلقات، مع ما فيها من فوائد لغوية مبكرة، تدّل على اصالة العلم، ودقة المأخذ، وعمق المنهج، لذا حقق لنا – وهو الذي وعدنا بذلك ولم يَعِدنا!! – هذا السفر النفيس واصدره بكتاب عن دار عمار بعمان سنة 1430 – 2009 أهداه بعبارات رقيقة الى أبنائه: دانية والطيّب وليلى، الى من لا أقدم لهم – حاضراً بينهم – خيراً من الكتاب ولا أترك لهم – غائباً عنهم – خيراً من الكتاب. واطال الله بقاءك يا أبا الطيّب كي تخدم لغة العرب والقرآن.
جدوى التفرغ العلمي
جميل هو التفرغ العلمي، يمنح للعلماء الاعلام، وللجهابذة المتبحرين في دنيا الدرس والبحث.
فما بالك بتفرغ علمي يمنح للباحث الاصيل محمد حسين آل ياسين، فقد مَنَّ اللهُ عليه بتفرغ علمي منحته إياه أم الجامعات العراقية، جامعة بغداد مدة عام دراسي كامل (2007 – 2008) يقضيه في رحاب الجامعة الاردنية ومكتبتها العامرة، فوجد الفرصة سانحة وليست بارحة لأتمام (رسالة التعريب) للمنشي (1001هـ) وتحقيقها وفهرستها، وتعود صلة الباحث بالمنشي منذ أن عكف على دراسة رسالته في الاضداد ونشرها في مجلة المجمع العلمي العراقي سنة 1984، كما أسلفت ذكر ذلك، فحقق هذا النص اللغوي الرصين، وتولت نشره دار عمار بالعاصمة عمّان سنة 1430 – 2009 أهداه الى الجامعة الاردنية ونجمتها المتألقة: كلية الآداب، وروضتها الغناء: مكتبتها العامرة.
وبعد فهذا غيض من فيض علم الاستاذ الدكتور الباحث الرصين محمد حسين آل ياسين وما أراه – هذا المنقطع للعلم – سيقف عند هذا الذي أخرجه للناس، فهو سيواصل البحث والكتابة، وستكون لنا معه وقفة ووقفات – إن أراد الله - ولا راد لارادته.