بعض فلاسفة ومفكري عصر النهضة والمجتمع المدني (4-18)

غازي الصوراني
2018 / 6 / 26


26/6/2018

سأبدأ بالفيلسوف الفرنسي ديكارت (1596-1650) الذي كان متأثرا إلى حد بعيد بأفكار الفيلسوف فرنسيس بيكون، فقد ارتكز المذهب العقلاني عند ديكارت على مبدأ الشك المنهجي أو الشك العقلي الذي يرمي إلى تحرير العقل من المسبقات وسائر السلطات المرجعية، وكذلك الأمر بالنسبة لتوماس هوبز (1588-1679) الذي رفض في مذهبه في القانون والدولة نظريات الأصل الإلهي للمجتمع، واستنتج أو استخلص أن كل سلطة مدنية يجب أن تكون انعكاساً لأصل مجتمعي دنيوي، وقد حورب بسبب موقفه هذا الرافض لاشتقاق السلطة المطلقة من الحق الإلهي، إذ أن الوجود الممكن الوحيد للمجتمع عند هوبز هو، المجتمع المدني، المجتمع السياسي المنظم في دولة . فبالنسبة لهوبز »فإن كل نشاط هو نوع من أنواع الحركة، وبما أن الفكر نشاط، فلا بد من الاستنتاج بأن الفكر حركة، والحركة بطبيعة الحال هي حركة جسم مادي ليس إلا، وهذا ما دفعه الى تأكيد الطبيعة الدنيوية والبشرية للسلطة السياسية رافضا بصورة حاسمة المصدر الإلهي لهذه السلطة«.
وفي سياق تطور هذا المفهوم نتوقف قليلا عند جون لوك (1632-1704) الذي كان مباشرا وصريحا في رفضه لمفاهيم المجتمع الإقطاعي، ولذلك فقد كانت رؤيته مغايرة لكل من سبقوه، حينما أعلن أن الحالة الطبيعية للبشر تتأكد عند سيطرة الحرية والمساواة كمفاهيم أساسية تحكم المجتمع، لقد تميز جون لوك بوضوحه فيما انتهى إليه، فالتعاقد الاجتماعي عنده »غاية معلومة لا تكون مع العبودية والخضوع ، فهما نفي لتلك الغاية وإقصاء لها، فالغرض الأساسي من التعاقد الاجتماعي هو المحافظة على الأرواح والملكية الخاصة وإلغاء النظام الملكي المطلق (أو الفردية الاتوقراطية) التي لا تتفق مع طبيعة المجتمع المدني الذي ينطلق في الأساس من مبدأ الإرادة الحرة« .
وفي سياق تطور عملية إنتاج المعرفة في أوروبا، يتواصل تطور مفهوم المجتمع المدني مع شارل مونتسكيو (1689-1755)، أحد أعمدة التنوير الفرنسي، ففي كتابه »روح القوانين« يتفق مونتسكيو مع مضمون المبادئ التي صاغها سلفه الإنجليزي جون لوك، لكنه يتميز بتأكيده على أن الضمانة الأساسية للحرية تكمن في المؤسسات الدستورية الكفيلة وحدها بالحد من العسف وكبحه، إلى جانب رفضه للحكم المطلق الذي اعتبره شكلا مناقضا للطبيعة الإنسانية، ومناقضا للحقوق الشخصية وحصانتها وأمنها، ففي »مجال العقوبات، يضع مونتسكيو حدا فاصلا بين الفعل وبين نمط التفكير، فالعقاب يستحق فقط على الأفعال التي يقترفها الإنسان لا على أفكاره أو آرائه، إذ أن عقاب الإنسان على أفكاره هو امتهان فاضح للحرية«.
ولكن رغم إيمان »مونتسكيو« بسيادة القانون وحرية الفكر، إلا أن »جمهوريته لا تتجلى في حكم الشعب كله، بل في ممثليه من النخبة الأرستقراطية، فهو يخشى حكم الشعب باعتباره استبداد الرعاع، وهو أسوأ أنواع الاستبداد، فالجمهورية هي حكم الرجال الأحرار وليست حكم العبيد ولا أخلاق العبيد« .
وإذا كان لأفكار مونتسكيو، ومن بعده فولتير، وكوندياك، دور هام في وضع أسس المجتمع المدني البرجوازي الجديد، فإن جان جاك روسو(1712-1778) لم يتميز بأهمية أفكاره الفلسفية النظرية فحسب، بل في تلك الأفكار الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والتربوية التي طرحها، وكان »أكثر وضوحاً من كل المنورين الفرنسيين في عهده، فقد وقف مع وجهة نظر البرجوازية الصغيرة الراديكالية والفلاحين والحرفيين، وهي وجهة نظر أكثر ديمقراطية من معاصريه، ففي كتابه »العقد الاجتماعي« يحاول »روسو« البرهنة على أن الوسيلة الوحيدة لتصحيح التفاوت الاجتماعي، هي في ضمان الحرية والمساواة المطلقة أمام القانون، وهذه الفكرة لقيت ترحيبا فيما بعد عند رجال الثورة الفرنسية لا سيما اليعاقبة« كما طرح في »عقده الاجتماعي« نظام الجمهورية البورجوازي الذي أكد فيه أن الحياة السياسية يجب أن تقوم على سيادة الشعب المطلقة، ورفض تقسيم السلطة إلى تشريعية وتنفيذية، واقترح بدلا منها الاستفتاء الشعبي العام في جميع الأمور السياسية الهامة، انه بذلك – كما يقول د. عزمي بشارة، »يؤسس سلطة مطلقة، هي سلطة الشعب، ولكن الشعب يبقى كيانا مجردا إذا لم تتوفر الديمقراطية كشكل لسلطته، أي كيانا معنويا لا توجد وسائل لترجمة وممارسة قوته، ويفرد المجال لمن شاء من الدكتاتوريين الشعبويين للتكلم باسمه«.
إن مأثرة روسو الخالدة، أنه أكد على شرط التلازم بين النسبي وبين الحرية والمساواة، فلا »مكان في عقده الاجتماعي لمواطن غني إلى درجة تمكنه أن يشتري الآخر، وفقير إلى درجة يضطر فيها إلى بيع نفسه، لقد أدخل روسو عنصر المساواة إلى المجتمع المدني، وبذلك جعل العدالة الاجتماعية شرط الحرية«. إن روسو بذلك يعبر عن قناعته -وهي قناعة موضوعية صحيحة- بأن أصل التناقضات في الحضارة البشرية يكمن في التفاوت الاجتماعي »الذي يرجع، بدوره، إلى التفاوت في الملكية –ملكية الأرض، وأدوات العمل. إن المؤسس الحقيقي للمجتمع المدني المعاصر، عند روسو، هو ذلك الرجل، الذي وقف للمرة الأولى، ليسيج قطعة من الأرض ويصيح: »هذا –لي«، ووجد أناس، بسطاء بما فيه الكفاية، ليصدقوا ذلك«.
لقد استحق روسو بحق لقب »رجل الديالكتيك في فلسفة التنوير الفرنسي« الذي أطلقه انجلز عليه.
وبقيام الثورة البرجوازية الفرنسية، لم يعد ثمة مناص من تحطيم العلاقات الاقتصادية – الاجتماعية الإقطاعية، لحساب التطور الرأسمالي الصاعد داخل إطار المجتمع المدني الجديد في بقية البلدان الأوروبية، وخصوصا ألمانيا، التي كان التطور الرأسمالي فيها أبطأ مما كان عليه في إنجلترا وفرنسا، في مقابل التطور المعرفي للفلسفة الألمانية التي كانت أكثر تقدما ووضوحا وشمولية عن مثيلها في البلدان الأوروبية المجاورة. من هنا، جاء وصف ماركس لفلسفة عمانويل كانت (1724 – 1804)، رائد الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، »بأنها النظرية الألمانية للثورة البورجوازية الفرنسية، فكانط الذي عايش تطور الرأسمالية في المجتمعات الأوروبية، هو أول من تنبه إلى خطأ مقولات آدم سميث (1723-1790) حول الطبيعة الاقتصادية والتجارية للمجتمع المدني، التي تناولها في كتابه الشهير »ثروة الأمم« عام 1766 حيث »أكد على مفهومين: الأمة بدل الدولة، والغنى (أو الثروة) بدل السياسة، بما يعني أن المجتمع المدني هو مجتمع للمبادلات التجارية، فالعمليات الإنتاجية والمبادلات التجارية تتمخض من تلقاء نفسها، وبصورة تدريجية، عن حكومة نظامية تضمن للأفراد حريتهم وأمنهم ومصالحهم من دون تدخل الدولة وقوانينها في المجال الداخلي، ويقتصر دورها على المجال الخارجي لتأمين أمن الحدود، فضلا عن القيام بالمشاريع الكبرى التي تعجز عنها المبادرة الخاصة.
وهكذا يكون آدم سميث هو أول من دشّن القطيعة بين الدولة والمجتمع المدني« ، أو الليبرالية، ممهداً -مع غيره من المفكرين والفلاسفة- الطريق للفلسفة الألمانية ودورها الرائد، وخصوصا تلك الفلسفة التي تناولت الطريقة الديالكتيكية والمنطق الديالكتيكي، وصاغت القوانين التي تحكم عملية التطور« ، وهي مأثرة تسجل للفيلسوف الألماني هيجل (1770-1831)، الذي كان أول من نظر إلى العالم الطبيعي والتاريخي والروحي، بوصفه عملية، أي في حركة دائمة، في تغير وتطور مستمرين، وهو أول من صاغ بشكل منظم النظرة الديالكتيكية إلى العالم، وما يوافق ذلك من منهج ديالكتيكي في البحث. لقد صاغ هيجل الديالكتيك باعتباره علماً فلسفياً يعمم التاريخ لكامل المعرفة، وكذلك القوانين الأكثر شمولا لتطور الواقع الموضوعي، ونقصد بها قوانين الترابط والتناقض ونفي النفي، ذلك هو المبدأ الديالكتيكي الهيغلي في وحدة الجوهر والمظهر، إلا أن هذه الوحدة لا تستمر في الحركة الى ما لا نهاية، فهي تتوقف -كما يرى هيجل- عند الدولة الألمانية أو عند مفهوم نهاية التاريخ، وهو ما تصدى له ماركس فيما بعد.
ولكن مأثرة هيجل تكمن في رؤيته التي تقوم على أن تطور التاريخ هو انعكاس لتطور الحرية العقلية المدركة بأن »الأشياء في ذاتها« ليست مستعصية على المعرفة، فليس في طبيعة الأشياء (في الطبيعة أو المجتمع) أية عوائق أو حدود تقف أمام عملية المعرفة، هنا تتجلى بوضوح دلالات فلسفة هيجل التي لا تنفصل عن المضمون الداخلي لعملية التطور الاجتماعي وتناقضاته، وهذا ما أدركه هيجل في نظريته عن المجتمع المدني، التي حاول من خلالها تخفيف الصراعات الاجتماعية عبر رؤية تقوم على التوازن بين الملكية الخاصة والأنانية الفردية من جهة، وإشكالية الإفقار والاغتراب من جهة أخرى، وكما يقول د.عزمي بشارة »هناك محاولة مستمرة –عند هيجل- لحل مشكلة الإفقار والاغتراب الناجمة عن مبدأ الأنانية الفردية والملكية الخاصة، التي يقوم عليها المجتمع المدني، من دون التنازل عن الفرد وحريته وحقه في التعاقد، ومن أجل ذلك ينطلق هيجل من الخطوة الأولى في تأسيس المجتمع المدني، وهي العمل من أجل سد الحاجات البشرية ضمن نظام الملكية الخاصة التي لا تعني شيئاً من دون الاعتراف الاجتماعي بها، فالتبادل بين البشر في علاقات السوق لا يمكن أن يتم من دون القانون ومن دون عملية تنظيم أو إدارة العدالة، فالسوق وحدها لا تنتج قانونا وعدالة، من هنا تنشأ الحاجة إلى السلطة، السلطة العامة (Public Authority)، (سلطة المجتمع المدني) ولكن هيجل يعود إلى القول بأن للملكية الخاصة الفردية حدودها، على الرغم من تأكيده على أن هذه الملكية هي أساس المجتمع المدني«.
إن تأكيد هيجل على أن للملكية الخاصة الفردية حدودها، أو قيودها، يرتبط بمفهومه للحرية الذاتية، التي تتحقق فقط في نظام اجتماعي، يتيح للفرد، حدا معينا ومقبولا من مقومات الحياة بكل جوانبها داخل المجتمع، ففي ظروف الفقر والبؤس والحرمان الاجتماعي، لا يمكن أن تتوفر عوامل التطور الاجتماعي والثقافي للفرد، وبالتالي لا جدوى من الحديث عن الحرية، إذ أنها تصبح –في حال وجودها- بلا أية قيمة أو معنى. ففي غياب حرية الفرد –في ظروف القهر الاجتماعي أو الطبقي- تنتفي أهم ميزات المجتمع المدني وهي تطور الوعي السياسي، بل وينتفي وجود المجتمع المدني كواقع ملموس قائم بذاته، كما نلاحظ في مجتمعاتنا العربية في ظروفنا الراهنة.