بزوغ عصر النهضة /الحداثة على يد المفكرين والفلاسفة من كل أنحاء القارة الأوروبية (3-18)

غازي الصوراني
2018 / 6 / 25


25/6/2018

إن تحليل مفاهيم عصر الحداثة والمجتمع المدني سيقودنا إلى استكشاف عمق التباين بين مجتمعاتنا وبين المجتمعات الأوروبية، ليس فقط من حيث التطور الاجتماعي التاريخي وشكله ومحتواه، بل من حيث التطور المعرفي الذي تواصل في حركة متجددة صعودا في الغرب، في حين انه عاش في الشرق حالة انقطاع وجمود معرفي أو ضمن حلقة دائرية منذ القرن الثالث عشر الميلادي إلى يومنا هذا، عبر استمرار سيطرة النظام القديم وأدواته ورموزه السياسية والاجتماعية، في ظل عوامل داخلية وخارجية مترابطة، أغلقت السبل في وجه كل محاولات النهوض أو محطاته في التاريخ العربي المعاصر، وذلك على النقيض مما جرى في سياق التطور الأوروبي الذي تفاعل عبر الصراع الحاد مع أفكار التنوير والنهضة وأدواتهما وأفسح المجال لنمو الدور الرائد والهام للبورجوازية الصاعدة وتعاظمها، في مقابل تراجع سلطة النبلاء والكنيسة أو السلطة المطلقة.
فقد ترافق صعود البرجوازية في تلك المرحلة مع ظهور العصر الكلاسيكي لنظرية المجتمع المدني، أو عصر النهضة، الذي تمت فيه صياغة هذه النظرية التي تبلورت عبر حصيلة نوعية من أفكار التنوير للعديد من المفكرين والفلاسفة من كل أنحاء القارة الأوروبية وعلى مدار أربعةِ القرونِ السابقةِ على القرن التاسعَ عشرَ.
وقد كان نيقولا ميكافيللي ( 1469- 1527 ) من أوائل المنظرين السياسيين أو المبشرين بالعصر الجديد، فقد حاول في مؤلفاته، البرهنة على أن البواعث المحركة لنشاط البشر هي الأنانية والمصالح المادية. فالفردية والمصلحة عنده هما أساس الطبيعة الإنسانية، وقد وجدت البرجوازية الصاعدة -آنذاك- في هذه المفاهيم ملاذا ومدخلا لتطورها وصعودها. وفي هذه المرحلة، ظهرت كتابات نيقولا كوبرنيكس (1473 – 1532 ) التي أسهمت في تحطيم الأيديولوجية اللاهوتية، ووضعت كما يقول »انجلز« الأسس الأولى لبداية تاريخ تحرر العلوم الطبيعية من اللاهوت. هذه الأسس تبناها -فيما بعد- الفيلسوف والعالم الفلكي »جوردانو برونو« (1548 – 1600) صاحب النظرية العلمية التي تقول بـ»لا نهائية المكان أو لا نهائية الطبيعة«، وهو القائل بأن »الكلمة الأخيرة في كل مجال من مجالات المعرفة تكمن في العقل وحده«. (وبسبب موقفه العقلاني هذا، حكمت عليه الكنيسة بالموت حرقاً).
كما كان للعلماء الطبيعيين – ليوناردو دافينشي وجاليليو وغيرهما – إسهامهم في هذا الجانب، إذ أنهم صاغوا النظرة الديئية Deism(*) إلى الطبيعة التي أسهمت إلى جانب النزعة الإنسانية، في تعزيز الفلسفة العقلانية والمنهج العلمي وتطورهما كمنطلقات أساسية للبرجوازية الأوروبية الصاعدة تمهيدا لولادة عصر النهضة.
و بتأثير هذه الأفكار، التي أسهمت في تفسخ العلاقات الاجتماعية – الاقتصادية في النظام الإقطاعي الأوروبي، تراجع الدور السياسي الذي لعبه الدين في المجتمع، وتراجعت معه الهيمنة الثقافية الفكرية اللاهوتية، لحساب تنامي الظروف الموضوعية والعوامل الذاتية، التي أدت إلى انتشار العلاقات الرأسمالية وتفشيها في مسامات المجتمع الإقطاعي. وقد اتخذت هذه العملية مساراً تدريجياً في منطلقاتها وأهدافها الفكرية والفلسفية العامة، فبدأت خطواتها الأولى تحت غطاء النزعة الدينية الإصلاحية التي تزعمها مارتن لوثر (1483– 1546) الذي أعلن مطالبته بالإصلاح إلى جانب انه أنكر دور الكنيسة ورجال الدين في الوساطة بين الإنسان والله. وكان لهذا الموقف دور هام في فتح آفاق القطيعة بين الدين والدولة وتعميق تطور مفاهيم المجتمع المدني والمثل السياسية البورجوازية والدولة الديمقراطية.
ومع تواصل الحراك والتناقض والصراع الاجتماعي والفكري بوتائر متفاوتة في تسارعها بين القديم والجديد، ظهرت أفكار الفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون (1561-1626) التي تدعو إلى إقامة منهج علمي جديد يرتكز على الفهم المادي للطبيعة وظواهرها، كما تدعو إلى »النزعة الشكية فيما يتعلق بكل علم سابق كخطوة أولى نحو الإصلاح وتطهير العقل من الأوهام: أوهام القبيلة، وأوهام الكهف، وأوهام السوق، وأوهام المسرح«.
لقد كان فرنسيس بيكون –كما يقول ول ديورانت- »أعظم عقل في العصور الحديثة، قام بقرع الجرس الذي جمع العقل والذكاء، وأعلن أن أوروبا قد أقبلت على عصر جديد« .ويتبع

--------------------------------
(*) الديئية أو الربوبية هي الاعتقاد بوجود اله كسبب أولي لا شخصي للعالم، والعالم من وجهة نظر هذه الفلسفة، محكوم أو متروك لفعل قوانينه الخاصة بعد أن خلق – من أنصارها فولتير وروسو في فرنسا، وجون لوك ونيوتن في إنجلترا