الفانتازيا في قصة -اسئلة صامتة- سرحان الركابي

رائد الحواري
2018 / 6 / 25

الفانتازيا في قصة
"اسئلة صامتة"
سرحان الركابي
تعد الفانتازيا أحدى أهم الوسائل التي نعبر فيها عما نحمله على الواقع، فعندما تصل الأمور إلى مستوى لا يطاق، يتجه الكاتب/الشاعر إلى هذا النوع من الأدب، يعبر من خلاله عن سخطه على هذا الواقع/الحدث/الشخص/المكان/الزمن، والأهم في الفانتازيا أنها تعطينا المتعة رغم قساوة الفكرة/الحدث وحتى اللغة، لأنها أبعد من العقل، وتتجاوز الواقع، كما أن الدهشة التي تحدثها فينا تعد بحد ذاتها ميزة تحسب لهذا النوع من الأدب.
"سرحان الركابي" يعبر سخطه على تفشي حالة الموت من خلال حديثه عن شخص يجد جثة أمام بيته، وعندما يذهب إلى المخفر ليخبر عن الجريمة/الجثة، يقرر الضابط المسؤول أن يبعث فرقة للكشف عن الجثة/الجريمة، يتفاجأ الشخص المخبر أنها الجثة ترتدي نفس قميصه " فقد لمحت طرف قميصي قرب الجثة او فوقها , لا اعرف كيف , لكنه هناك فعلا ,
وحينما نظرت بفضول الى الرجل الميت رايته يرتدي قميصا من قمصاني , انه امر مرعب حقا
يا الهي , انه قميصي فعلا , وانا اعرفه جيدا فذلك القميص هو الذي اشترته لي زوجتي بمناسبة عيد زواجنا العاشر , لكن كيف استطاع هذا الرجل الميت ان يرتدي قميصي ؟" هنا يبدأ المتلقي يفكر بأن هناك خيانة من قبل زوجة الشخص المخبر لزوجها، وإلا ما كان ليرتدي قميصه، ما كان أمام باب بيته، وعندما يجد الضابط الدهشة على محيا المخبر يسأله عنما إذا كان يعرف القتيل: "عاد الضابط وكرر اسئلته التي ظلت بلا جواب مني وانا شارد الذهن وافكر كيف وصل قميصي الى هذا الرجل الغريب ؟" التوقف عن القميص الذي ترتديه الجثة يعد أهم (تمويه) يحدثه القاص في القصة، فهو يأخذنا إلى فكرة خيانة الزوجة، وإلا لما ركز عيه كل هذا التركيز، لكن تتابع الاحداث تأتي بغير هذا التفكير، وتجعلنا نندهش من حقيقة ما يجري: "ورحت اتطلع في وجه الرجل المقتول علني اتعرف على ملامحه لكني صعقت مرة اخرى عندما اكتشفت انه يشبهني تماما , نعم انه يشبهني , ما هذا الرعب ؟ " وهنا أيضا يأخذنا التفكير إلى: لعل القتيل قريب/أخ المخبر، وإلا ما كان هذا الشبه، وهنا تكون الجريمة أشد وقعا وهولا على المخبر وعلى القارئ، فكيف يقوم الأخ بخيانة أخيه؟، ومع من مع زوجته!!.
إذا ما توقفنا هنا، يمكننا القول أن القصة أوصلت فكرة بشاعة الخيانة الأخ والخيانة الزوجية، لكن هناك هدف أبعد وأعمق من هذه الفكرة، والذي يتمثل موت الإنسان، موت المخبر نفسه، فهو ما يتحدث عن جثته هو، وليس عن جثة شخص آخر: "فيما انسحب رجال الشرطة تاركين الجثة ملقاة امام باب بيتنا , وعندما ركضت خلفهم كي اسالهم عن الجثة قال لي الضابط , عد الى المقبرة ايها الرجل , وعندما قلت له لماذا اعود الى المقبرة ؟ قال لي انت ميت منذ زمن بعيد فلماذا تتبعنا ؟"، وهنا تنتهي القصة بهذه الدهشة، بهذه والوقعة المدوية، لقد أصبح الجثث تخبر عن ذاتها، عن نفسها، وهذه اشارة إلى تعاظم ظاهرة الموت، بسبب أو بدون سبب، فربما يأتينا ونحن في عرس، أو في بيت عزاء، أو في السوق، أو في بيت الله، أو ونحن في بيوتنا، أليس هذا ما يحدث الآن في وطننا؟.
الجميل في القصة أن لغتها جاءت سلسة وبسيطة، وقدمت الحدث بطريقة تصاعدية، إلى أن أوصلتنا إلى الذروة، والمتمثلة بفكرة "الجثة الحية"، أو بالأحرى "الحي الموت"، الذي لم يجد له مكان يدفن فيه، لم يجد مكان في "المقبر" لكثرة الأموات، لهذا يبحث عمن يهتم بجثته.
القصة منشورة على صفحة القاص على الفيس يوك.