التلقي البصري عند الصم والبكم .

محمد كريم الساعدي
2018 / 6 / 24

تعد حاسة البصر الحاسة الرئيسية عند الصم والبكم في تلقي المعلومات والمعارف عن الأشياء الموجودة من حوله في البيئة . وأن اللغة الأساسية التي يعتمدونها في التخاطب هي لغة الإشارة التي تعتمد اعتماداً كلياً على حاسة البصر في التواصل مع الآخرين . وعن طريق حاسة البصر ولغة الإشارة يستطيع الأصم الأبكم أن يحقق تواصل فعال وفهم لغوي ، وبشكل عام فأن هذا يعني استعمال الإشارات لتوضيح المعنى ، واستغلال الوسيط البصري إلى أقصى الحدود ، وبما أن حاسة البصر سليمة عند الأصم فهناك تأكيد على ما يستطيع الأصم أن يفعله لاكتساب المعرفة وتلقي المعلومات من خلال الوسيط واستعمال الإشارات للوصول إلى معاني الأشياء لتأكيد التواصل المعرفي في الحياة .
والتلقي البصري عند الصم والبكم يأخذ طابعاً خاصاً تعتمد فيه هذه العملية على مجموعة خطوات أساسية لابد من توافرها ليتم تلقي المعلومات بصرياً ، على اعتبار أن الأصم الأبكم فاقداً لحاسة السمع التي يأتي من خلالها توليد المنبه كالصوتي ، الذي يرافق الإشارة المرئية في تلقي المعلومات وعملية التواصل مع الآخرين ، إلا أن الأصم الأبكم يحتفظ بالجزء الثاني من المنبهات وهو المنبه البصري الذي يأتي من خلال البصر ويستطيع إدراك وجوده عن طريق الملاحظة التي تأتي من خلال حاسة البصر .
إن الخطوات الأولى العملية التلقي البصري والواجب توافرها في تلقي المعلومات بصرياً لديه هي ( الملاحظة والانتباه ) . فأي فكرة يريد الأصم الأبكم تلقيها وإدراك معناها عن المواد والأشياء فلا بد من أن يتعامل معها بصرياً ، أي لابد أن يشاهد المادة حاضرة أمامه كوسيلة إيضاحية لتلك الفكرة المراد معرفتها ، فعلى سبيل المثال : أن المعلمة في معاهد الصم والبكم تجعل من الأصم والأبكم يلاحظ ويحقق من خلال ملاحظاته على الفكرة التي تريد نقلها إلى ذهنه عن هذه المادة كوسيلة إيضاحية عن تلك الفكرة . وترافق الملاحظة عملية الانتباه من قبل الأصم والأبكم ، فالانتباه هو تركيز الشعور في الشيء أو المادة الموجودة أمامه ، والتطلع بها جيداً ، وقد يختلف الانتباه تبعاً لطبيعة المادة الموجودة وأهميتها وارتباطها بحاجات المتلقي النفسية المؤقتة أو الدائمة ، فقد يكون الانتباه قسرياً أو تلقائياً أو إرادياً .
فالملاحظة والانتباه لا يمكن تجاوزهما في عملية التلقي البصري للصم والبكم لأنهما يعتبران المدخل الرئيسي للخطوة الثانية وهي الإدراك الحسي البصري .
والإدراك الحسي البصري هو عملية عقلية معرفية بنائية يتم بموجبها تحويل طاقة المثير التي تسقط على المستقبل الحسي ( العين ) بالمعلومات إلى مراحل عليا في الدماغ من أجل تكوين بنى أو صور ذلك الشيء المدرك في ذهن المتلقي بصرياً . وعملية الإدراك البصري هي ناتج لعمليتين مندمجتين مع بعضهما وهما ( الإحساس ) الذي يقوم بتسجيل المثيرات البيئية ، بينما يضطلع الإدراك بتفسير هذه المثيرات وصياغتها في صور يمكن فهمها ، أي أن عملية الإدراك الحسي البصري يتم فيها تأويل الاحساسات تأويلاً يزودنا بمعلومات عما في عالمنا الخارجي من أشياء.
ويتم الإدراك الحسي البصري لدى الصم والبكم من خلال ثلاثة مستويات . أي أن الاحساسات تتكون لدى المتلقي الأصم الأبكم بعد ملاحظة الشيء المراد معرفته ، حيث تقوم العين بتسجيل المثيرات الموجودة في الشيء ، من حيث اللون والشكل والحجم والحركة وخط الاتجاه ، هذا المستوى الأول (المستوى الحسي العضوي)، وتحويل تلك الاحساسات إلى نبضات عصبية تنتقل إلى الدماغ ، وهذا المستوى الثاني ( المستوى الحسي العصبي ) ، وبعدها تعالج في الدماغ لتكوين معنى للشيء المرئي نتيجة لتحول تلك الاحساسات إلى إدراك عقلي ، وهو المستوى الثالث ، ومن هذه المستويات الثلاث يحصل الأصم الأبكم على مدرك حسي بصري بسيط لشيء معين .
ويأتي دور الخطوة الثالثة التي يتم فيها ربط المدركات الحسية البصرية مع بعضها البعض لتكوين الفكرة المعقدة ، أي أن الفكرة المعقدة لا تبنى إلا من خلال ربط مدركات حسية بسيطة جداً تضاف هذه المدركات الحسية مع بعضها وتترابط حتى تتكون الفكرة المعقدة. وتساهم في تكوين هذه الفكرة المعقدة عملية التكرار والتنوع التي تعمل على دمج الاحساسات المدركة لتتحول فيما بعد إلى مدرك كلي ، تحدده مجموعة من العوامل الأخرى كحاجات وميول ودوافع الأصم والأبكم وغيرها.
ويستفيد الأصم الأبكم من عملية التكرار والتنوع في تثبيت صور الأشياء داخل عقله من جهة وللتمييز بين الأشياء المدركة بصرياً من جهة أخرى ، فمثلاً أن الطفل الأصم الأبكم الذي تعلم للتو كلمة أخضر من خلال الدلالة على شجرة فقد يستخدمها فوراً للإشارة إلى الشجرة نفسها وليس إلى اللون الأخضر المميز ، ولكن بعد تكرار التجارب الحسية التي تختلف في هذا اللون من الكتب والنباتات والثياب والأهداف الأخرى التي تحمل اللون الأخضر يدرك الطفل بأن كلمة أخضر تشير إلى اللون الذي تشترك به هذه الأشياء جميعها وكلما فهم الطفل هذا المصطلح فهماً جيداً وخصه بالإشارة إلى صفة ثابتة وليس للإشارة المختلفة ذاتها لتحويل تلك الصفة الثابتة إلى رمز يقوم مقام مدرك كلي يستخدمه الأصم الأبكم للوصول إلى تعميم ثابت عن ذلك اللون ، على اعتبار أن الرمز مدرك حسي يقوم مقام مدرك كلي لذلك نجد أن الرموز تستثير مدركات كلية عن الأشياء لا الأشياء نفسها للوصل إلى مفاهيم ثابتة عن تلك الأشياء .
فالمدركات والمفاهيم التي يحصل عليها الصم والبكم هي الأدوات الأساسية في عملية اكتساب معلومات ومعارف جديدة ، فالمدركات هي صور ذهنية نشأت من خبرة حسية ، والمفاهيم هي أفكار نشأت من تلك الخبرة ، والمدركات والمفاهيم يمكن تذكرهما ، والتعبير عنهما ، والتفاهم مع الآخرين خلال صور أو رموز تحولت إلى إشارات وأصبحت جزءاً من لغة الإشارة التي يستخدمها الصم والبكم في التخاطب مع الآخرين والتفاعل معهم وبذلك يستطيع ربط ما تعلمه من مدركات ومفاهيم سابقة مع ما يريد أن يتعلمه من مواقف جديدة للوصل إلى التوافق والانسجام مع هذه المواقف . فالربط بين المفاهيم السابقة والموقف الجديدة المراد تعلمها هي الخطوة الرابعة والأخيرة في عملية التلقي البصري عند الصم والبكم. وللذاكرة دور أساسي في الخطوة الرابعة من عملية اكتساب المعلومات الجديدة فمن خلال المعلومات القديمة المخزونة في الذاكرة يتم تفسير وتأويل المعلومات الجديدة ، لذا تعد الذاكرة المصدر الأساسي والمفسر الذي يستند عليه الصم والبكم في تلقيهم للمعلومات فالذاكرة هي المخزن الذي تحفظ فيه الخبرات المتكررة ودون الخبرة لن تساهم الذاكرة مساهمة حقيقية في التطور المعرفي للصم والبكم . بدون الخبرات المخزونة في الذاكرة لا يستطيع الصم والبكم اكتساب المعرفة ، وبالتالي سوف يبقى الصم والبكم رهينة الإعاقة السمعية التي تعزلهم عن بيئتهم الاجتماعية وتجعل منهم أناساً غير فاعلين بل يصبحون عالة على المجتمع . إذاً فلا بد من توفر عملية تلقي بصري سليمة تقوم على خطوات صحيحة ومتكاملة لكي يستطيعون التفاعل مع الآخرين ومع البيئة التي ينتمون إليها . وكذلك يمكنهم الاستفادة في أي عملية تعليمية لفهم الأشياء والموضوعات من حولهم وتطبيقها في الحياة العملية للوصول إلى تأقلم طبيعي واندماج سليم في الحياة الاجتماعية ، ولو بمستوى أقل من الأفراد السامعين .