يا حكام طهران إني أحذركم!

أفنان القاسم
2018 / 6 / 23

أمس مساء

قرأت على قناة فرانس 24 أن إيران ربما ستنسحب من الاتفاق النووي خلال عدة أسابيع

ماذا يعني ذلك؟

أن إيران وأمريكا بعد انسحاب أمريكا قبل انسحاب إيران متفقتان على التصعيد في حدة العَداء

سأحلل لماذا بطريقة لم يتطرق إليها أحد قبلي بعيدًا عن كل أدلجة تبدأ وتنتهي بالتَّخَرُّصات والتفوه بخَرَقات يقال عنها "تحليل سياسي"، بينما التحليل السياسي المؤدلج هو وَهْمُهُ، التحليل السياسي المؤدلج هو وَهْمُ تحليل وليس تحليلاً، أي هو لا تحليل، لأنه يقومُ على أساسِ حُكْمٍ مُسَبَّق

السياسة كعلم نظري هي علم المثل الأعلى، هكذا يكون تعريفها في الفلسفة، أو علم المذهب، وحسب المذهب هذا أو المثل الأعلى ذاك، على الحُكْمِ أن يُحْكَم. وأنا هنا لن أدخل في متاهات الفلسفة السياسية لأفلاطون ومونتسكيو عما هو النظام الأفضل أو لروسو عما هي المبادئ التي تقوم عليها شرعية الحكم، لأن الحكام الإيرانيين كزملائهم الأمريكيين، هؤلاء بدافع مثلهم الأعلى الرأسمالي وأولئك بدافع مذهبهم الشيعي، يطبقون سلوكهم على الظروف ويرتبون أمورهم، لهذا كان انسحاب الأمريكيين من الاتفاق النووي لظروف تسهل لرأس المال الأمريكي الابتزاز، الابتزاز بالعنف، ولهذا سيكون انسحاب الإيرانيين من الاتفاق النووي لظروف تسهل للمذهب الشيعي الإيراني الانتشار، الانتشار بالعنف

لكن

لأفلاطون السياسة لا تقوم على العنف ابتزازًا وانتشارًا، السياسة تقوم على جمع الشعوب، الشعوب الإيرانية والشعوب الأمريكية، وتوثيق عراها في لحمتها ضامنة لإيران ولأمريكا كل السعادة التي يمكنهما أن ينعما بها، وفي الوقت ذاته ضامنة لإيران انتشارها المذهبي السلمي في الشرق الأوسط ولأمريكا الاستثمار عوضًا عن الابتزاز في دول المنطقة. صحيح أن الحرب أسهل من السلم بكثير وأكثر ربحًا لكن السلم على المدى البعيد ربحه كثير ودائم، الدينمو للاقتصاد، والدينمو للسياسة، الإنسان محورهما، فالسياسة لأرسطو غايتها الخير الإنساني لأنها كعلم تتزود من باقي العلوم، الاقتصاد أولها، وتملي قواعدها على ما يجب فعله وما يجب الكف عنه، وهكذا تشمل السياسة في غايتها كعلم غايات باقي العلوم

وكذلك

في خط السلم دومًا

يرى هوبس أن رجل الحكم، وأنا أعني خامنئي، أو، مجلس الحكم، وأنا أعني الكونغرس، هما هنا للاضطلاع بشخصية الشعب، وهما هنا ليعترف كل واحد بهما، وليعرف كل واحد فيهما نفسه وكأنه هو فاعل ما يفعلان أو ما يكلفان بفعله، بخصوص الأشياء التي تتعلق بالسلم والأمن، وبالتالي سيخضع كل واحد بإرادته وحكمه لإرادة وحكم هذا الرجل (خامنئي) وذاك المجلس (الكونغرس). ويرى هوبس كذلك أن الجمهور، عندما يرى نفسه مُوَحَّدًا في شخص واحد، يكون الجمهورية. فهل الجمهورية الإسلامية (وضمنيًا خامنئي) هي هذه؟ وهل البيت الأبيض (وضمنيًا ترامب) هو هذا؟ ليرى الإيرانيون أنفسهم في خامنئي يجب على خامنئي أن يرى نفسه فيهم: الجفاف الغلاء العناء صعوبات العيش التي لا تعد ولا تحصى والتي أهمها البطالة اللهاث من الصباح حتى المساء الدماء التي تراق هنا وهناك، فكيف يرى الإيراني وهذه ظروف الإيراني التي من أصعب الظروف ظروفه كيف يرى الإيراني نفسه في خامنئي وخامنئي يرى نفسه في السوري بينما السوري لا يرى نفسه فيه في اليمني شرحه في العراقي شرحه في الغزي شرحه في اللبناني شرحه في المريخي شرحه في الزحلي شرحه (صديقي جعفري يريد هذا، أن يصل بالعنف إلى زحل والمريخ!) الشيء نفسه بالنسبة لترامب الذي لا يرى الأمريكي نفسه فيه لأن ترامب لا يرى نفسه في الأمريكي ترامب يرى نفسه في الياباني بينما الياباني لا يرى نفسه فيه في الصيني شرحه في الكوري الجنوبي شرحه ومنذ عدة أيام في الكوري الشمالي شرحينه... هناك أسباب مبيتة شرحتها في مكان آخر

خامنئي يسير معصوب العينين على خطى خميني منذ أربعين عامًا دون أن يفهم أن الزمن قد تغير وأن ظروف الزمن اليوم أخرى، الزمن اليوم هو من يُملي شروطه على الجميع، ولو لم يزل خميني حيًا لفهم مستقبل ثورته مني وعني مارس انتشارها بأداة عصرية، قوس قزح، تجعل منه ليس فقط سيدًا لإيران تنهض من سباتها بل وسيدًا لكل المنطقة سيدًا من أسياد العالم

ترامب يسير كزميله الإيراني معصوب العينين هو كذلك على خطى ماكيافيلي الذي يقول "ليس كل شيء سياسة لكن السياسة تهتم بكل شيء"، فها هو يجر السياسة إلى كل الحروب التي أهمها حرب التجارة مع الصين مع أوروبا مع العالم، وكأنه بذلك يعمل على حل مشاكل الأمريكيين التي لا حل آخر لها غير الاستثمار في الشرق الأوسط والاستثمار والاستثمار وبالاستثمار فقط أنا أفهم السياسة كما يفهمها "فيبر" كمجموعة من الجهود المتضافرة للمشاركة في الحكم أو للحث على توزيع الحكم بين الدول، للحث على توزيع الحكم بين مجموعات في الدولة مافيات لوبيات أحزاب منظمات تراستات... المقصود هنا توزيع المشاريع الكبرى التي تتحكم بالعلاقات بين الدول أمريكا وإيران والسعودية وباقي دول المنطقة كما أرى، وفي داخل أمريكا كل التيارات السياسيو-مالية لا الحمائية كتيار ترقيعي وتفريطي

أيها الحكام الإيرانيون

شخوا على اليمن البلد الخارج من إست التاريخ وتوصلوا إلى اتفاق مع السعودية على أساس لا غالب ولا مغلوب

شخوا على سوريا البلد الخراب

شخوا على العراق البلد الهباب

شخوا على كل مكان ذهبتم إليه وفشلتم فيه ما عدا لبنان لأن حسن نصر الله مثقف وفهمان ورجل بكل معنى التقدم في فعله وعقله وهو يقرأني منذ كان في الجامعة ويعرفني تمام المعرفة ويحبني ويؤيدني

أيها الحكام الإيرانيون

اعتنوا بإيران ولا شيء غير إيران لترقوا بأمتكم بفارس أمة فوق مع باقي الأمم التي فوق، أو، لا تعتنوا بإيران وابقوا أمة تحت مع باقي الأمم التي تحت والتي لن تكون لكم بمشاعرها تكون لكم بمشاعرها ليس بإحراق ملياراتكم تكون لكم بمشاعرها بتشغيل ملياراتكم وتكون لكم شعوبكم تكون لكم طهران سيليكون فالي الشرق الأوسط تكون لكم العواصم الأربع الأخرى الفذة تكون لكم الطاقة المتجددة خير ألف مرة من مفاعل نووي أكل الدهر عليه وشرب