حول نشأة مفهوم المجتمع المدني (1-18)

غازي الصوراني
2018 / 6 / 23


في سياق انتقال مجتمع أوروبا من النمط الزراعي الإقطاعي محدود الأفق إلى النمط الجديد التجاري الصناعي الرأسمالي بآفاقه المفتوحة، وعبر صراع وتناقض نوعي متعدد الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية، بدأت تراكماته الأولى في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، في هذه المرحلة الانتقالية، تولدت المفاهيم والأفكار والمدارس الفلسفية معلنة بداية عصر جديد للبشرية،عصر الحداثة، عصر النهضة والتنوير، عصر المواطنين الأحرار، عصر المجتمع المدني والديمقراطية.
لكن ولادة هذه المفاهيم لم تكن عملية سهلة في المكان أو الزمان، ولم تتم أو تظهر معالمها دفعة واحدة، ولم تتخذ شكل القطع منذ اللحظة الأولى مع النظام أو الحامل الاجتماعي القديم. إذ أن هذا الانقطاع لم يأخذ أبعاده في الانفصام التاريخي بين مفاهيم العصر الإقطاعي القديم، ومفاهيم عصر النهضة والتنوير الجديد، إلا بعد أربعة قرون من التراكم والنفي، شهدت صراعاً مادياً وفكرياً هائلاً من جهة، وتحولات ثورية في المدن والتجارة والاقتصاد والاكتشافات العلمية من جهة أخرى. هذه التحولات كانت بمثابة التجسيد لفكر النهضة والإصلاح الديني والتنوير والديمقراطية، وسيادة القانون في إطار الحداثة، وهي التي أرست في الوقت نفسه القواعد الأساسية التي استند إليها »المجتمع المدني« وارتبط بها فيما بعد عبر علاقة جدلية متجددة أو قابلة للتجدد.
وفي هذا السياق يقول د.صادق العظم »إن ما يميز العصر الأوروبي الحديث، هو هذا الاتحاد العضوي الفريد الذي تم بين المصالح الحيوية للطبقات التجارية الصاعدة وبين الاكتشافات العلمية والاختراعات التقنية والميكانيكية الجديدة، لقد أضحى لرأسِ المالِ مصلحة حيوية في العلم، كما أصبح للتقدم العلمي مصلحة لا تقل حيوية في رأس المالِ، وهذه دينامية حضارية جديدة تماما لم يعرفها الإنسان من قبل، هذا المزيج الجديد، برهن أنه طاقة متفجرة وهائلة الى أبعد الحدود، مدمرة وخلاقة في وقت واحد، هذه الطاقة هي التي صنعت ما يسمى بالحداثة، وشكلت العالم الحديث وقضت على القديم، كان شعارها: المعرفة قوة، وكان للعلم دورٌ حاسمٌ في الإنتاج التدريجي للفلسفة الحديثة، تماماً كما كان حاسماً في إنتاج نوع جديد من المعرفة بالطبيعة وظواهرها، وبالمادة وبقوانين حركتها عبَّر عن نفسه بمقولات جديدة. فإذا رجعنا، أو حاولنا مراجعة أبرز المقولات والتصورات التي سيطرت على الخطاب الفلسفي وتفسيره للعالم قبل عصر النهضة أو قبل المرحلة الحديثة، نجد أنها تضم التالي: الماهية، الجوهر، المُثُل، الفيض، الغاية، الوجود بالقوة، الصورة، الهيولي، الفكرة المطلقة، أو الصانع الأول، التسيير، التخيير، الغيب.. الخ، فإذا انتقلنا الى الفلسفة الحديثة وخطابها، فماذا نجد؟ نجد تراجعاً بطيئاً ولكن متزايداً ومؤكداً لهذه المقولات والتصورات الغيبية جميعا لصالح صعود نوع مغاير منها، أخذ يحتل مواقع السيطرة على الخطاب الفلسفي الحديث (خطاب ومقولات عصر النهضة)، مثلا: المكان، الزمان، الجسم المادي، الذرة، الحركة، العلة الفاعلة، الصفات الأولية، الصفات الثانوية، قوانين الحركة، الاستقراء. وكل هذه المقولات مستمدة ومشتقة من العلم الحديث وخطابه ونظرياته. باختصار، لقد فرضت الكوزمولوجيا العلمية الجديدة (المادية الميكانيكية تحديداً) على الفلاسفة والفلسفة خطابا وتصورات ومقولات علمية نقيضه ونافية للفكر الغيبي القديم ومقولاته«..............يتبع