جدتي … المعمارية الأولى

فاطمة ناعوت
2018 / 6 / 23

جدتي … المعمارية الأولى

بالأمس، فيما أتجوّل في ميادين تورونتو الكندية، أتأمل ناطحات السحاب الشواهق، تذكرتُ جدتي الحسناءَ الرشيقةَ الأنيقة، أول معمارية في تاريخ البشرية. ولأنها الأولى فهي الأعظم، لأنها التي "ابتكرت" هذا الفنَّ الجميل: العمارة، أمّ الفنون، حاوية الفنون الستة في قلبها. العمارة التي لولاها ما تحضّرتِ البشريةُ ولا انتقلت خطوةً على مسار الحضارة عن عصر الإنسان الهمجيّ الأول. فالعمارة هي الجسرُ الأول بين الإنسان وبين الطبيعة. أينما نظر الإنسانُ حوله ليحاور الطبيعة: فيلاطفُها في لحظات سحرها وهدوئها، أو يحتمي منها في لحظات رعونتها وشراستها، لابد أن يبرزَ "المعماريُّ"، ليترجم هذا الحوارَ بين الإنسان وبين الطبيعة. لأنه الأقدرُ على فهم لغة الطبيعة المعقدة وفك شفراتها، ثم ترجمة تلك الألغاز لصالح الإنسان ورغده. لهذا قال "فرانك لويد رايت": “كلُّ معماريّ عظيم، هو بالضرورة شاعرٌ عظيم. لأن عليه أن يكون مترجمًا عظيمًا لعصره.”
جدتي سيدةٌ جميلة ممشوقة القوام، تحملُ قلمًا في يدها، وعقلا نيّرًا في رأسها، فهي ربّة الحكمة والكتابة. لهذا توّجها المصريون ربّةً للتاريخ، لأنها أول من دوّن وأول من كتب. اسمها "سيشات". وكان لها الدور الأهمُّ في الطقس المقدّس الخاص بتصميم المعابد وتأسيس الهياكل الدينية. ذكاؤها الحادُّ جعلها تبرع في الرياضيات والهندسة الفراغية والهندسة المسطحة، وحساب المثلثات وقياس المساحات والحجوم، وعلوم الإحصاء والتحليل الرياضي والاستنتاج المنطقي. وبعض هذه العلوم نعرفها اليوم باسم "الاستقراء الرياضي، والمنطق الرياضي والهندسة الوصفية". لهذا فقد نالت جدتي لقبًا إضافيًّا، عطفًا على ألقابها الكثيرة الغنية، وهو: “مانحة الحكمة للفرعون". ولبراعتها في علم القلك وحساب مدارات النجوم ودورات القمر والشمس، كان الفلاحُ المصريُّ القديم يعتمد عليها في تحديد مواعيد الفيضان والزرع والحصاد.
"سيشات"، يعني: “التي تُدوّن". فهي التي ابتكرت علم الكتابة والأبجدية وتراها دائمًا ترسم بقلمها شقوقًا على جريدة النخيل، فتُدوّن مرور الزمن، أليست هي ربّة التاريخ؟ والقلم يلزمه دفتر، ولهذا انتزعت لقبًا جديدًا هو: “سيدة دار الكتب"؛ لأنها افتتحت أول مكتبة في التاريخ. وفيها حُفظت اللفائف والبرديات التي تحوي المعارفَ العلوم والفنون. لهذا تعتمر فوق رأسها الشاهق زهرة طويلة الساق لها سبع ورقات مُشعة، تمثّل إشعاعات العلوم الإنسانية: العمارة، الكتابة، الفلك، الطب، الحساب، الفيزياء، التنجيم. وتنصُّ عشر نصوص من مدونات التوابيت على وصية موجّه للموتى: "سيشات، تفتحُ لك أبوابَ السماء.” وهل تُفتَحُ أبوابُ السماء إلى بكل ما سبق؟!
في طقس العمارة والتشييد، كانت سيشات تُحدّدُ اتجاهَ الشمال دون بوصلة، ثم تبدأ في "مدّ الحبال" على الأرض وفق التصميم الهيكلي المعماري الذي تبتكره، ثم تأمر البناةَ بالشروع في طقوس دق الأوتاد التي تحدد أركان المعبد أو الهيكل أو القصر. ويبدأ التشييد والبناء، وفق النسب الذهبية العبقرية التي ابتكرها عقل ُالمهندسة المصرية القديمة، وعلّمت علومَها للحضارات الأخرى؛ كي يتوسلوها في تصميم وبناء منشآت معمارية مُلغزة. وبعد الفيضانات السنوية التي كانت تحدث للنيل، كانت تتوسّل مهاراتها في علوم المساحة والحساب، في إعادة تقسيم الأراضي الزراعية ورسم الخطوط والحدود بين الحقول. ولم تكتف بعبقريتها الفردية الاستثنائية، بل كانت كما الرسولة القدسية، تُعدُّ كوادرَ من المهندسين المعماريية والإنشائيين والعمال، بعدما تعلّمهم أسس العمارة والرياضيات والحسابات الإنشائية.
ثوبها الأنيق مصنوع من جلود النمور والفهود. لأن النقاط السوداء المنثورة على رقاع الجلود، لها دلالة في الميثولوجيا المصرية، حيث ترمز إلى النجوم المتناثرة في سماء الليل، في إشارة إلى الخلود والسرمدية. هي المعادل الأنثوي للإله "تحوت" ربّ الحكمة عند أجدادنا، ومن اسمه اشتقّ اسم الشهر الأول في الشهور المصرية القديمة: توت. هل أبدع بشرٌ مثلما أبدع أجدادي؟!