زحام في بيتي ... ولا أحد

فاطمة ناعوت
2018 / 6 / 23



"سيدتي، هل تُحبين الوحدةَ والسكون؟ أم تفضّلين الوجود بين الناس والصخب؟"
سألتني الصحفيةُ الكندية هذا السؤال بالأمس، بعد حفل توقيع كتبي الذي أقيم في مدينة تورنتو الكندية.
فأجبتها:
أحبُّ أن أستمتع بالوحدة، وسط الحشود والزحام. وأن أستمتع بالزحام والحشود في وحدتي؟
وطلبتْ الصحفيةُ الشقراء توضيحًا. فأخبرتها بما يلي:

"في منزلي الصغير بالقاهرة، يعيش معي مليون إنسان يملأون يومي صخبًا وقلقًا وحبًّا ومعاركَ وضحكًا وعشقًا ومشاكساتٍ وحروبًا؟! أحيانًا لا أكادُ أجد مقعدًا شاغرًا في منزلي للجلوس، وفي أحايين أخرى لا أجد مكانًا للنوم على سريري، من فرط الزحام! فأضطرُ أن أنام في غرفة المكتب، جالسة على مقعدي ورأسي ساقط فوق أكوام الورقع على سطح المكتب.
يعيش معي في منزلي أبو حيّان التوحيدي وابن عربي وغاندي وأفلاطون وأرسطو وابن رشد وبورخيس وطه حسين وسارتر وسيمون دي بفوار وبرنارد شو وأكتافيو باث وشمس الدين التبريزي وجلال الدين الرومي وفرانك لود رايد وسيزان وشوبان وشتراوس وموتسارت وفيفالدي وينّي وكالفيني وسيلفادور دالي وماتيس وبيكاسو وهارولد بنتر ومكسيم جوركي فيتكور إيجو وفرجينيا وولف وموليير وإيميلي ديكنسون وجبران والأخطل وجورج أوريل وفوكو وديكارت ونزار قباني وأحمد عبد المعطي حجازي وعبد الصبور وزكي نجيب محمود وعبد العزيز المقالح وبدر شاكر السياب ونازك الملائكة والنفّري ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم وغيرهم. حتى ماركي دو ساد، الملعون، خصصتُ له ركنًا صغيرًا معتمًا في بيتي يليق ببذاءاته وجحوده.
الشهر الماضي قضيتُ يومي أفضُّ معركة حامية الوطيس بين مارتن لوثر كينج وهتلر. ناصرتُ الأول وقبّلت وجنته ثم شبكت وردة في عروة قميصه، وركلتُ الثاني بقدمي، فانزوى وبكي. وقبل أسبوعين كان هناك نقاش حاد بين وليم شكسبير وشقيقته جوديث شكسبير. كانت تبكي وتقول له: "أنا أكثرُ منك موهبةً، لولا أنك ولدٌ وأنا بنت في مجتمع وزمن يظلم النساء. ظلمني نوعي فلم أشتهر، وأنصفك نوعك فهزمتني." وكان ينظر لها ويبتسم ليغيظها، وهو يعلم أنها صادقة. وأمس الأول قبل، قبل ذهابي للمطار للسفر إلى كندا، فضضتُ معركة ساخنة بين ابن تيمية وابن عربي، انتهت بأن مزّق كلٌّ منهما مخطوطات الآخر. وحين أعود إلى القاهرة الأسبوع القادم حيث بيتي ووطني، لستُ أدري كيف سيكون حالُ بيتي. لأن تلك المعارك بين العقول التي تسكن في بيتي تُسفر دائمًا عن مزهريات مهشمة، ووسائد ملقية هنا وهناك، ومقاعد مقلوبة وأرائك تقفُ كالتوابيت في ساحة الوغى.
بيتي يُعوزه الهدوء. هنا يصدح تشايكوفسكي وفيردي وشوبان وموتسارت وباخ وفيروز وصباح فخري وصباح الشحرورة ومواء قطة ونباح كلب وشقشقة عصفور وتغريد بلبل يزور شرفتي كل صباح يقول لي: "صباحك سكر يا فافي"، ثم يمضي بعدما يلقط حبة القمح من يدي.
تملأ عيني ألوانُ أوجست رينوار وهنري ماتيس وكلود مونييه وإدوارد مانييه وإدجار ديجا وبيكاسو ومحمود مختار وحسن فتحي وسيزان وفان جوخ وحليم ودافنشي وجوجان.
العام الماضي قضيت عدة نهارات أصلحُ إحدى طواحين فان جوخ الهوائية بعدما تدلت ريشةٌ من طاحونة وكادت تسقط من اللوحة على الأرض. وبعدما أصلحتها فرح جوخ وابتسم في وجهي بسعادة وسمح لي، كنوع من المكافأة، بأن أنزع من إحدى لوحاته ثلاثة عيدان قمح حتى أخبز بها رغيفًا لعشائي مع أسرة البطاطس الفقراء. وبعد العشاء، استأذنتُ بيتهوفن في عزف "فور إليس" على بيانو في لوحة رينوار.
الأسبوع الماضي قبل موعد نومي، انتبهت على صخب وهرج ومرج وتكسير فازات في قاعة المعيشة! فإذا بها مشادةٌ عنيفة بين رينوار وماتيس؛ حيث غضب الأول من الثاني لأنه وضع باللوحة لونًا أسودَ، والأسود، في رأيه، ليس لونًا بل بقعة من الخواء أو مزق في اللوحة، فيما سخر الثاني وأصر على أنه لونٌ لا شك فيه بل هو سيد الألوان! ثم تجاوز ماتيس في غِيّه ورسم عنقًا طويلا جدا لرجل ثم لونه بالأخضر، حتى يغيظ رينوار. جُنَّ جنون رينوار فما كان من ماتيس إلا أن أخرج لسانه لرينوار قائلا: أيها التقليدي العجوز لا تقل إنك انطباعي تأثيري بل أنت كلاسيكي عتيقٌ مثل أسلافك. فاحمر وجه رينوار غضبًا ونتف لحيته وهو يصرخ في وجه ماتيس: "أيها الغرُّ الساذج أنت محض مصور تافه ولست ولن تكون فنانًا!”
صالحتهما معًا لأنني أحبهما معًا وفشلت في أن أناصر أحدًا على أحد فغضبا مني كلاهما وخاصماني!
في الويك إند صالحتهما بكعكة شيكولاته وأهديت كلا منهما علبة ألوان جديدة. وسوف أذهب اليوم إلى مكتبة كبرى في ميساساجا الكندية لأشتري علبة لون أسود، سوف أدسّها خلسةً في جيب ماتيس، حين أعود إلى بيتي بالقاهرة.
بيتي صغير جدًّا؛ لكنه مزدحم جدًّا. زحامٌ في بيتي ولا أحد. على أنني لست واثقة من سيبكي عليّ حين أموت. لأن أولئك الذين يشاركونني البيت، لا يعرفون الدمع؛ لأنهم جميعا صنّاع فرح”.
***