هذا ما تبقى لكم...

نبيل عودة
2018 / 6 / 20


كانت المنافسة حامية الوطيس، خمسة مرشحين متنافسين لمنصب واحد داخل تنظيم لم يعد له رئيس متفق عليه. أحد قدماء التنظيم قال غاضبا "ان التنظيم أصبح أشبه بحارة كل مين ايده إله"، ذلك العضو واجه نقدا حادا، وكاد ان يفصل بتهمة الانضمام لأعداء التنظيم بتشويه صفحته البيضاء. رغم ذلك قال البعض بوضوح وآخرين بالهمس وكبت الابتسامات "ان التنظيم بدون راس أضحى تنظيما ديموقراطيا، يحق لكل عضو يرى نفسه أهلا للمنصب المقترح والمغري لرئاسة سلطة محلية، ان يجرؤ على المنافسة، بينما سابقا كان الأمر محسوما بدون تصويت، فما ان يهل رأس التنظيم، او زعيمه بلغة أهل السياسة .. بطلعته البهية، والكشرة معقودة فوق الحاجبين، يقف الجالسين ملتفتين لدخول الزعيم وحاشيته من الضاربين بسيفه، وتضج القاعة تصفيقا وهتافات وزغاريد واناشيد، مثل "ريسنا علمنا وقال عن عروبتنا ما بنحيد".
حسنا، لم يعد للحزانى والمساكين رأسا معترفا به، صاروا أحرارا، كل من يظن بنفسه انه أهل للمنصب، بسبب طوله، او بسبب كونه من أبرز الضاربين بسف الزعيم الراحل عن منصبه او لأنه من حارة الزعيم، او مسجلا لعدد المناسبات التي ابتسم له الزعيم شخصيا، او أصيب فجأة بفيروس حب الزعامة، او لأنه لا يبخل بسهرات الويسكي مع افخر انواع فواكه البحر. هذه الأسباب مجموعة تؤهل حتى الذي لا يعرف فك الحرف ان يصبح زعيما محاطا بجمهور المصفقين والحمالين على الأكتاف .. ما يمهد له الطريق ليطرح نفسه منافسا ويجند حوله من ينتظر ان يصبحوا الضاربين بسيفه إذا انتصر.
الجولة الأولى بين المتنافسين الخمسة بدأت بهدوء وانتهت بهدوء مما يشير الى تنظيم أخوي يحب كل واحد الآخر ولا يتمنى له الا الخير، اسفرت الجولة عن سقوط ثلاثة متنافسين وحصول متنافسان لعدد متشابه من الأصوات وبدأت التحضيرات لجولة ثانية بينهما.
في اليوم المحدد لإجراء التصويت واختيار الفائز من بين المتنافسين، وحسب التقاليد العربية الأصيلة التي تجذرت في مجتمعنا العربي، وقعت طوشة كبيرة، بين المعسكرين، لا يعرف أحد ما هي أسباب الطوشة، ربما خلاف بين شخصين على من هو الأنسب، عادة الحسم الديموقراطي هو الحل، لكن الطوشة لم تنته بصفعتين وشلوطين بين الاثنين. الطوشة جذبت الجميع بحماس قل نظيره، بدأت بالصفعات والشلاليط، وتطورت الى الضرب بالكراسي، وانقسمن النساء الى معسكرين كل معسكر يزغرد لرجاله ويشجعهم على دوس راس الحية، أي راس المنافس الآخر.
والحقيقة انه لولا بقاء بعض العقلاء لتحطمت القاعة ووقعت ضحايا وانشغل التنظيم ليس بإعداد نفسه للمعركة الانتخابية، بل لتنظيم الجنازات لضحايا العدوان الاستعماري -الصهيوني الغاشم، ونصب خيمات العزاء.
الحمد لله لم يصل الأمر لهذا المستوى فالروح الرفاقية انتصرت، رغم العداء الباقي في الأجواء. وهنا لا بد من ان تتدخل لجنة الصلح العشائري التي يرأسها كاتب كبير مختص في فض النزاعات العربية.
لجنة الصلح العشائري بجهازها الذي يرأسه كاتب كبير، توصلت الى تعهدات بعدم العودة لطوشة بالكراسي، ممكن الصراخ، الشتم، اصدار بيان استنكار وشجب، لكن يمنع تبادل الضربات بالأيدي او بالكراسي او بالات حادة لم تدخل للجبهة القتالية بعد، يسمح طبعا توزيع نشرات دعائية تبرز أفضلية المرشح، وان يقوم الفائز بالرئاسة باختيار منافسه نائبا له.
رغم توقيع الطرفان على وثيقة الصلح العشائري الى جانب أسماء أعضاء هيئة الصلح التي برز بينها اسم الكاتب الكبير، إلا أن المياه لم تعد لمجاريها الا شكليا.
لاحظ أعضاء التنظيم ان المتنافسين، رغم المصافحة وتبادل قبلات التصالح، طبعا ليس القبلات الجنسية، الا انهما لا يتبادلان الحديث، لكن الحق يقال، حافظا على وقف كامل لأعمال العنف، لكن العليمين بالأمر يقولون "يا ما تحت السواهي دواهي". من تحت الهدوء الظاهر كانت تجري حربا لا هوادة فيها، لكنها لم تخرج عن إطار التحضير والاستعداد تحسبا ان لا ينفجر الموقف واحدهم على غفلة من أمره.
لاحظ من تبقى من عقلاء ان الأجواء مشحونة بكهرباء ذات ضغط عالي، وهي قادرة على حرق الأخضر واليابس إذا لم يجر ضبطها واستعمالها ضد الأعداء للتنظيم فقط .. خاصة أولئك الذين سرقوا منهم النصر في الانتخابات السابقة.
وهكذا لم تحل إشكالية المنافسة بين الشخصين، بل أوجلت المعركة، كان واضحا انهما لا يتبادلان الحديث، كيف يمكن ان يصبح أحدهم رئيسا والثاني نائبا له؟
ربما تأجلت الطوشة القادمة، لكن ما بالنفوس لم ينته.
هذا اقلق قدامى التنظيم.
قبل ايم قليلة رن تلفوني، كان المتصل من العقلانيين في التنظيم، الذي اعرفه منذ نصف قرن على الأقل.
- مساء الخير ... هل تعرف من يتكلم.
- بالطبع .. صوتك يفضحك.
- هل علمت ما جرى عندنا ..؟
- سمعت عن طوشة وقتال بالكراسي.
- تعرف أنى احترم رأيك .. وإذا علم قادة تنظيمي اتي اتحدث معك لصلبوني كما صلب المسيح ..
- الحديث بيننا سيبقى سرا.
- اريد استشارتك... لعلها تنفع في حل الإشكال عندنا .. ما رأيك بما يجري؟
- بصراحة .. حالكم تذكرني تماما بحكاية زوجين وقع خلاف عميق بينهما، شتمها فشتمته، صفعها فدلقت عليه ابريق قهوة .. لكن القهوة كانت نصف حارة ولم تترك حروقا مؤلمة. قرر ان لا يتكلم معها الا إذا اقرت انه سيد البيت وتخضع لكل طلباته، ردت عليه انها هي أيضا لن تتكلم معه حتى يعتذر عن صفعته لها ويقر انها سيدة البيت والمقررة بشؤونه ..
مرت الأيام ولا تبادل للحديث بينهما .. بعد أسبوع كان الزوج على موعد للسفر بالطائرة لعمل يتعلق بالمصنع الذي يديره. موعد الطائرة هو السابعة صباحا، أي عليه ان يستيقظ في الخامسة ليصل الى المطار قبل اقلاع الطائرة. وهو بدون ان تيقظه يخاف ان لا يستيقظ بالوقت الصحيح. لكنه لن يكسر كلمته ويتحدث معها، بعد تفكير وجد الحل، كتب لها ورقة ووضعها امام مرآتها: "سأسافر غدا بالطائرة، أيقظيني في الساعة الخامسة". نام، استيقظ مذهولا، كانت الساعة السابعة والنصف، أمسكه غضب عظيم، لكنه نظر الى الخزانة بلصق السرير ووجد انها تركت له ورقة كتبت عليها "استيقظ، الساعة الآن الخامسة"!!
هذه هي حالكم يا صديقي القديم!!