تؤمنون ببعض العلم وتكفرون ببعض

حكمت حمزة
2018 / 6 / 19

تحياتي للجميع...
من خلال متابعتي للمواقع الإلكترونية، ووسائل التواصل الاجتماعي، خصوصا بعض الفيديوهات التي انتشرت مؤخرا عن ميكانيك الكم وعلاقته بحرية الإرادة عند الانسان، قررت أن أكتب مقالا بسيطا أعلق فيه على ما اطلعت عليه.
بداية أود أن أذكر الجميع بأني إنسان لاديني. بالمقابل أود التنويه إلى أن السطور القادمة لم تكتب بغرض انتقاد ايديولوجيا معينة، أو أشخاص محددين، كل ما في الأمر أن هناك بعض الأسئلة التي تحتاج إلى إجابة. يعتبر ميكانيك الكم، النافذة التي نتمكن عبرها من رؤية تركيب الكون وفهم آليات تشكله وعمله، ونفسر عبره السلوك الذي تسلكه والمادة الطاقة بجميع أشكالها وتكويناتها، وبعد سنين طويلة من تربع ميكانيك وفيزياء الكم على عرش العلوم الكونية والأرضية، بدأ الكثير من المؤلهين عملية ربط بين العلوم الكمية والإله الخالق، و تكرر ظهور الكثير منهم لإثبات هذه الرابطة، خصوصا فيما يتعلق بالإرادة الحرة للإنسان.
أكثر ما تم تداوله في هذا الموضوع، هو التشابك الكمي، وكي لا ندخل في تفاصيل علمية دقيقة ونحرف اتجاه الموضوع سأشرح مثالا بسيطا اقتبسته من أحد الفيديوهات.
التشابك الكمي يمكن تشبيهه بعلاقة وثيقة تربط بين جسمين (إلكترونات مثلا، انطلاقا من الاستنتاجات التي تشير إلى إمكانية وجود الشيء نفسه في مكانين بآن واحد معا). كما هو معلوم بأن الالكترونات تدور حول نفسها، وإذا كان أحد الالكترونين يدور باتجاه عقارب الساعة، فمن المؤكد أن نظيره الآخر سيدور عكس عقارب الساعة( عكس نظيره السابق)، وتلعب عملية الرصد والمقاربة دورا في ما سبق، فقبل أن تراقب ذلك الالكترون، لا يمكنك الوثوق من أن الالكترون يدور باتجاه عقارب الساعة أو عكسها، لكنك عندما تقوم بعملية الرصد والمراقبة، يظهر لك ان الالكترون يدور باتجاه معين، وبشكل غريب يدور الالكترون النظير بعكس اتجاهه، وكأن هذا الالكترون تواصل مع الآخر أو أوصل له رسالة بشكل أو لآخر بأنه يقوم بفعل شيء ما، وعلى نظيره أن يفعل العكس.
هذا هو باختصار وبساطة مبدأ التشابك الكمي، وهذه التقنية أصبحت مستخدمة في العديد من الصناعات الالكترونية، بالإضافة إلى ان هناك توجها لتطوير خاصية التشابك الكمي لاستخدامها في التنقل والسفر، وكما هو معلوم فإن أجسامنا تتكون من ذرات، والتي تحوي بداخلها الالكترونات بالإضافة إلى النيترونات و البروتونات، وإذا افترصنا أن لكل الكترون نظير واحد في مكان آخر في الكون، أو ربما في كون آخر موازٍ لكوننا.
لكن بعض الإخوة المؤمنين اتخذوا منحى آخر بخصوص هذا الموضوع، وبدلا من تكريس الجهود لحل الكثير من المشاكل الاجتماعية والمعيشية، التي تعصف بغالبية مجتمعاتنا، تم توجيه هذا العلم لإثبات أن الانسان حر الإرادة، ومسؤول عن كل افعاله سواء في الماضي والحاضر، والتي بدورها تؤثر في مستقبل هذا الشخص، والكثير الكثير من التفاسير الغريبة، والتي تفوق في غرابتها ميكانيك الكم نفسه.
بالاطلاع على ما يتم تداوله على الشبكة العنكبوتية بهذا الخصوص، انبثقت أسئلة كثيرة في هذا الخصوص وهذا المجال، وسأسرد ما أستطيع سرده في السطور القادمة، وهذه الأسئلة من الأهمية بمكان، يجعلها تسبق إثبات أو نفي فكرة اعتماد الإله على ميكانيك وفيزياء الكم في خلقه أم لا. ولكن قبل أطرح أسئلتي، دعونا نفترض جزافا أن هناك خالق أو صانع لهذا الكون، لكي تكون أسئلتنا أبسط وأجوبتها أقرب لعقول من هم غير مختصين في هذه المجالات أولا، وثانيا كي لا يقول أحد بأني أبشر وأدعو للإلحاد:
أولا: هل اعتمد الله في خلق الكون بكل ما فيه من صخور ونجوم وكواكب...الخ، على ميكانيك وفيزياء الكم؟ أم أنه اعتمد عليهم فقط في موضوع حرية الإرادة لدى الانسان؟
ثانيا: هل تسري قوانين الكم هذه على الإله، أم أنه مستقل عنها؟
ثالثا: إن كانت قوانين الكم تسري على الإله نفسه، فما معنى الألوهية في هذه الحالة؟ وإذا كانت القوانين لا تسري عليه، فما طبيعة هذا الإله؟
رابعا: لنفرض جدلا أن قوانين الكم تسري على الإله، فهل هناك إله نظير له في مكان آخر؟ جميعكم تناقشون ميكانيك وفيزياء الكم على أسس حياتية، فمثلا إن استهلكت أنا كمية من الطاقة، هل هناك نظير آخر يفقد الطاقة كأحد الاحتمالات الواردة؟ بنفش القياس، الإله الذي صنع هذا الكون، هل يوجد له نظير له قام بتدمير أو إفناء كون آخر؟
خامسا: ما هو الشيء المهم الذي قمتم بإثباته إن كان فعلا أن الانسان حر الإرادة وفقا لفيزياء وميكانيكا الكم؟ هل هي محاولة لتبرئة الصانع من المصائب والويلات التي نشهدها؟ أم لتثبتوا أن الانسان الفاسد (دينيا) هو من تسبب بالعذاب لنفسه؟ فبجميع الأحول، ووفقا لكافة المعتقدات الدينية، لا يمكن تبرئة الاله بأي شكل من الأشكال، لأنه اولا واخيرا هو السبب في بدأ الحياة، هو من أوجدها، ناهيك عن مسؤوليته الكاملة، بافتراض أنه المراقب الذي يرصدنا ويجعل الالكترونات الموجودة فينا تتخذ سلوكا معينا، يودي بنا إلى اتخاذ وضع معين أو القيام بفعل ما، سنحاسب عليه لاحقا؟ ولكن الاثم الأكبر يقع على عاتقيه بغض النظر عن الطريقة التي تحاولون بها إقحام الآلهة بالعلوم.
سادسا: ماذا بعد الموت؟ هل يمكن أن يعذبني الإله لي، أما نظيري يكون متنعما بالجوائز الذي يقدمها الله لمحبيه المؤمنين به؟ أم أن ميكانيك الكم و فيزيائه، ليسا صالحين لتفسير الحياة الآخرة؟
سابعا: هل سيكون هناك نظراء كفرة للأنبياء في أماكن أخري من الكون؟ هل يمكن أن نرى نفس الأنبياء، كافرين؟ والكافرين أنبياء، إبليس مؤمن وآخر كافر؟
ثامنا: بما أنكم أيها الأخوة المؤمنون، فسرتم القضاء والقدر على شكل علمي، بفيزياء الكم، فهذا يعني بشكل أو بآخر أنكم مصدقون لهذا العلم، وبالتالي هلا أخبرتمونا عن كيفية خلق الكون؟ هل يحتاج الاله إلى كل هذا التعقيد لصنع الكون، حقول كمية وجسيمات أولية ...الخ، هل يحتاج التصميم الذكي إلى كل هذا التعقيد والخطوات؟
تاسعا: وفقا لفيزياء الكم، أخبرونا عن ماهية الروح. وفي حال استطعتم شرحها، فما هو نظير الروح الذي سيتصرف عكسها؟
عاشرا: بحسبة بسيطة وقيم عشوائية، لدينا عدد هائل من الاحتمالات التي يمكن أن تحدث وفقا لميكانيك وفيزياء الكم، يصل إلى عشرة مرفوعة للأس خمسمائة (مثلا)، فهل ذلك يعني وجود نفس هذا العدد من الأكوان؟ وهل بدوره يعني وجود العدد نفسه من الآلهة؟ أم أن إلها واحدا هو المسؤول عنها جميعا؟
أكتفي يهذا القدر من الأسئلة، وإن كان بإمكان الجميع اشتقاق عدة أسئلة أخرى من صلب ما ذكر أعلاه، ولكن لن أزيد أسئلة في الوضع الحالي، فهذه (وفق رؤيتي المتواضعة)، هي الأهم.
الغاية التي ارجوها من سطوري هذه، هي تبيان أن رمي الكلام بهذا الشكل لن يمر على عقولنا مرور الكرام، فربما تناسى بعض الأخوة أن هذه الأسئلة وأمثالها، هي التي قادتنا لتغيير فكري في عقولنا، فأنت بتطبيقك العلوم الكمية على الآلهة، لن تغلق ثغرة في فكرة إلهك، بل ستفتح بجانبها ملايين الثغرات.
أخي المؤمن، أود أن أبلغك بأن حرية الإرادة ليست وحدها من ساهمت في تحولنا عن الأديان، و بالرغم من أنها إحدى الأسباب المهمة، إلا أن العديد من الأفكار تسبقها في الأولوية والأهمية، منها طبيعة الإله، الزمان والمكان قبل الخلق، موقع الله قبل اخلق...الخ.
النقطة المهمة الأخرى التي أود ذكرها، هي تصديقكم ببعض العلم وتكذيبكم ببعض، فأنت تقبل العلوم الكمية على أنها تفسير لحرية الإرادة الممنوحة لنا من قبل آلهتكم. ولكنك ترفض الجزء المتعلق منها بنشأة المادة والطاقة، تسأل من أين جاءت الحقول الكمية التي تشكل اللبنة الأساسية في نشوء الكون، ولكنك لا تسأل أبدا عن الإله الذي يعد وجوده أشد غرابة وإثارة للاستفسارات من ميكانيك الكم نفسه، لا بل أنك ترفض نظرية التطور التي فيها من الأدلة ما يفوق أدلة العلوم الكمية بأضعاف، لأن ذلك فيه احراج كبير لفكرة إلهك. عزيزي المؤمن، أنت تسكت وتتغاضى وتشيح بوجهك عن الإله مجهول الهوية والمصدر بكل يسر وسهولة، لا بل تقر وتعترف بأن الإله خلق الكون من اللاشيء، وبالمقابل تستهزئ بالفرضيات التي تدعي أن الكون جاء من لا شيء، ذلك التناقض الغريب الذي لم أستطع فهمه إلى اليوم.
أخي المؤمن، نحن لا يوجد عندنا مشكلة شخصية مع فكرة الإله أو الصانع، المشكلة الحقيقية هي ادعاءاتكم التي تفتقر الى الأدلة التي تثبت وجود هذا الصانع، بحجة أن الصانع أو الإله هو شيء فوق العلم وفوق الخيال، ويأتي فريق منكم ليثبت أن بعض السياسات الإلهية تعتمد على العلوم، أو العكس الذي يقول بأن هذه العلوم هي المشيئة الإلهية التي وضعها الإله لتسير بهه الأحداث الطبيعية. أؤكد لكم أنه يشرفنا التحول للإيمان بأي إله عندما يتم إثبات وجوده، الموضوع ليس عنادا منا، لا يوجد عاقل يتيقن من وجود إله ويحيد عنه. المشكلة ليست كما صورها أحدهم: (لماذا خلقني الإله وهو يعرف مسبقا أني سأتعذب في الحياة الآخرة، الله بهذه الحالة ظالم، فهو غير موجود)، قطعا إن ما سبق ليس مشكلتنا، وهذا كلام إنشائي بامتياز، ينم عن شخص لا يعرف عن الالحاد واللادينية سوى أنها تيار أعمي لا يرى في كل شيء إلا عدم وجود إله.
كل ما يهمنا هو الوصول للحقائق والنماذج التي تنتج لنا أشياء مفيدة نتعامل بها في حياتنا اليومية، ونغلق بواسطتها الفجوات الفكرية الموجودة في كافة أنحاء المعمورة، أنتم لا تبحثون إثبات آلهتكم بجهودكم، فكلكم ينتظر الغرب وعلماء الغرب لإعطائكم الجديد في العلم، لتقوموا أنتم في ما بعد بعمليات تكرير وإعادة تدوير لتفاسير جديدة، تتمنون عبرها أن تعلنوا انتصاركم الفكري على البشر غير المؤمنين، فالعلم بالنسبة لكم سلاح ذو حدين، إذا أصاب إلهكم في مقتل، خرجتم علينا لتقولوا لنا بأنهم كاذبون، ويزيفون الحقائق لتضليل الناس، وبنفس الوقت، ونفس العلم والعلماء، تأخذون منهم ما ترون أنه يثبت صحة معتقداتكم، هنا تكمن المشكلة والتناقض، في إيمانكم ببعض العلم، وكفركم ببعض