الشاعر والواقع في قصيدة -عزف منفرد- محد لافي

رائد الحواري
2018 / 6 / 18

الشاعر والواقع في قصيدة
"عزف منفرد"
محد لافي
عندما يكتب الشاعر يكتب ضمن الواقع، ضمن واقعه هو، ولكل شاعر ظرفه/حالته الخاصة، التي يعبر عنها فيما يقدمه من شعر، لكننا نجد الشعراء في المنطقة العربية يتشابهون في الأفكار التي يقدمونها، وأحيانا في الألفاظ المستخدمة، وهذا يشير إلى أن ظروفهم وأحوالهم قريبة من بعضها إن لم تكن متشابهة ومتماثلة.
من يتابع ما يصدر من شعر يجد هناك حالة من الاغتراب تتوسع ـ على مستوى الشكل والمضمون ـ يوما بعد يوم، حتى أننا لم نعد نجد صورة/حالات/فكرة الفرح إلا عندما يهرب الشاعر إلى المرأة، فهي الملاذ الأخير الذي يجد عنده السعادة/الهدوء، "محمد لافي" شاعر يؤكد بما يكتبه من شعر على هذه المسألة، فالعنوان "عوف منفرد" يعطي دلالة إلى حالة الوحدة والاغتراب التي يمر بها الشاعر، لكنه لا يكتفي بالعنوان، بل يقدمنا أكثر من واقعه/واقعنا فيقول:
"نفسُ هذي المقاهي التي حاصرتكْ
نفسُ هذي الخيول التي عبرتكْ
نفسُ هذي المنافي التي ضيّعتكْ"
الرتابة حاضرة وبقوة فيما سبق، من خلال: "نفس هذي"، "المقاهي" التي نتردد عليها وقت الضيق لم تعدد تهدئ من نفسيتنا، بل تحاصرنا كما هو حال الواقع، والدروب التي نعبُرها أو عبرتنا مللناها، والمكان المؤقت الذي نلوذ فيه يزيد من حيرتنا وتشتتنا.
إذن مشكلة الشاعر في الروتين اليومي الذي يقوم به، في المكان المؤقت الذي يعيش فيه، في درب الثورة/الخلاص الذي لم يوصله إلى الهدف/الغاية التي ينشدها.
الشاعر يفصل لنا أكثر حالة الاغتراب/العزلة/القرف/اليأس التي يمر بها من خلال قوله:
"صاعداً، هابطاً لم أزل يا رفيقْ"
هناك فعل عبثي مستمر قريب من فعل "سيزيف" صاحب الصخرة التي يصعد بها ثم تهوي إلى أسفل، فالشاعر يشكو همه لرفيقه، وهذا الرفيق هو وحده من يمنح الشاعر شيء من السكينة، وما عاداه كل شيئا عليه، فهنا فصل الشاعر طبيعة الدرب الصعب والبثي الذي سلكه.
أما عن طبيعة المكان الذي هو فيه فيقول:
"عَبْرَ ليلِ الشوارعِ إنّ شوارعَ هذي المدينةِ
تأخذُ شكلَ التوابيتِ حيناً،
وحيناً تكونُ بقايا حريقْ"
فالمكان أصبح يشكل حالة ضغط وألم على الشاعر، لهذا اعطنا تفاصيل كثيرة عنده، ف"الشوارع توابيت، وبقايا حريق" وليس أي صفة أخرى.
يعود الشاعر إلى مخاطبة رفيقه الملاذ الأخير والوايد له:
"صاعداً، هابطاً، لم أزل يا رفيقْ"
بعد المخاطبة الأولى للرفيق، والتي أفرغ فيها ما يحمله من قهر وألم، نجده أخذ شيء من الراحة والسكينة، لهذا بدأت نفسه تهدئ وتأخذ شيء من الراحلة:
"من سيحملُنا في الرحيلِ إليكَ :
أنا..........والطريقْ؟!"
والشاعر هنا يعطينا شيء من الأمل فما زال يفكر بذلك الرفيق/الإنسان، وأيضا بالمكان وبالدرب الذي ما زال طويلا.
هذا على مستوى الفكرة التي تحملها القصيدة، أما على مستوى الخطاب، فالشاعر في البداية يستخدم المخاطبة، فهو يخبرنا عن نفسه "حاصرتك، عبرتك، ضيعتك، وهذا يعطينا نحن القراء صفة الأقرب إلى الشاعر، فنحن أهله، رفاقه، اقرباءه، لهذا خصنا في الخطاب دون سوانا، ورغم أن الخطاب يخص الشاعر، الذي يبدو يخاطب نفسه، إلا أن صيغة المخاطبة تجذب القارئ وتجعله يتوقف عند ما جاء في الخطاب.
وما يقربنا أكثر من بعضنا، فعندما استخدم "يا رفيق" خصنا أكثر بالخطاب، وجعلنا الأقرب إليه في حالة ضعفه وألمه، وهذا ما يجعلنا نتقرب أكثر من الشاعر وممات يقوله لنا أيضا.
ومن العناصر التي تجذبنا إلى القصيدة السؤال الأخير الذي طرحه علينا:
"من سيحملُنا في الرحيلِ إليكَ
أنا..........والطريقْ؟!"
لهذا نقول أن هذه القصيدة تعتبر لقاء حميم بين الشاعر وبيننا نحن المتلقين، والشاعر لا يكتفي بإثارتنا عاطفيا، بل يدفعنا لنتوقف مفكرين بما آلت إليه أحوالنا، والطريق/الدرب الذي علينا سلوكه لنتخلص من المنافي وما فيها من ألم وقهر.
القصيدة منشورة على صفحة الشاعر على الفيس بوك.