أمي … تموت مرتين!

فاطمة ناعوت
2018 / 6 / 16





أرحمُ ما في موت الأمّهات، أنهنّ لن يمُتن مرّةً أخرى. تموتُ الأمهاتُ مرةً واحدة، فقط، وينتهي الأمر. هو مُرٌّ تتجرّعه كأسًا واحدةً، ثم يزولُ الرعبُ السابقُ له، ويستمرُّ المرُّ اللاحقُ له. مَن يرتبط بأمّه كثيرًا، يعيشُ حالاً دائمة من القلق من فكرة فَقدِها. ولا يتوقفُ ذاك القلقُ إلا حين تذهبُ الأمُّ، فيتخلّصُ المرءُ من الخوف من فقدِها، لأنه بالفعل قد فَقَدَها. تلك هي الرحمةُ الوحيدة في موت الأمهات.
قبل عشر سنوات، في سبتمبر 2008، غدرتني أمّي "سهير" وغادرتني، فكتبتُ مقالا عنوانه: “صوتُ أمي لا يطيرُ مرّتين". واسيتُ فيه نفسي بأنني تخلَّصتُ للأبد من الهلع المُقلق من فكرة "فقد أمي". فقدتُها وانتهى الأمرُ ولن أفقدها مجدّدًا. منذ طفولتي وأنا أعيش ذلك القلق: “ماذا لو اختفت أمي؟". لأنها كانت السندَ الوحيد لي في هذا العالم. وسرعان ما اكتشفتُ الخدعةَ التي واسيتُ بها نفسي؛ حين أيقنتُ أن أمي تموتُ كلما احتجتُ إليها فلا أجدها حولي. كلما داهمتني مشكلةٌ، أبحثُ عن أمي لتسندني فأكتشفُ أنها لم تعد هناك، فأتجرعُ كأس فقدها من جديد. فكتبتُ مقالا حزينًا عنوانه: “أمي تموتُ كلَّ يوم"، نقضتُ فيه مقالي القديم وتساءلتُ: “هل اختفى صوت أمي للأبد؟" وسألتُ الَله يائسةً على استحياء، أن يصنعَ معجزةً ويُعيد لي أمي! كان ضربًا من جنون الخيال أتوسّلُ به القوةَ على مواصلة الحياة. في ذلك اليوم، بعد كتابة المقال، حدث أمرٌ عجيب. وقعت عدّة مصادفات عبثية، لا تحدثُ إلا في الأفلام الهندية؛ ووجدتُ في حياتي فجأةً أمًّا رائعة منحتني حنانًا لم أجرؤ على مجرد الحلم به. إنها هدايا الله المستحيلة التي يعجزُ العقلُ البشريُّ المحدود عن تصوّرها أو استيعابها. نطلبُ من الله شيئًا عصيَّ المنال ونحن ندرك في لاوعينا أنه مستحيل، فيمنحُنا اللهُ ما يفوق أحلامَنا، دون مبرر معقول. سنواتٍ طوالاً، منحتني تلك الأمُّ الروحية ما يصعُب حصرُه في مقال أو كتب. كانت السندَ والرحمةَ والفرحَ والحُبَّ والرعاية، ورقصتْ على لساني من جديد أجملُ الكلمات وأشهاها: “ماما". تلك السيدةُ هي الُمعلّمة الفاضلة "آنجيل غطاس هارون"، أمي الروحية الجميلة التي ضربها قبل شهور أشرسُ أنواع السرطان، وخطفها مني الثلاثاء الماضي 5 يونيو الحزين، يوم نكسة مصر التاريخية، ونكسة قلبي الموجعة، لأتجرع كأسَ اليُتْم من جديد. أقسى وأقصى ألوان الحرمان، يأتي بعد المنح.
في يوليو 2016، أثناء العام الصعب الذي قضيتُه خارج مصر، كانت معنوياتي منخفضة للغاية بسبب بُعدي عن أسرتي وبيتي ووطني. فقرر الأصدقاءُ المصريون المقيمون بدولة الإمارات، وعلى رأسهم الصديقُ والأخ رأفت اسكندر، سفير السلام بالأمم المتحدة، أن يخففوا عني مرارةَ الاغتراب، بأن يجلبوا لي "قطعةً من مصر". طلبوا من ماما آنجيل، أن تأتي لزيارتي في الإمارات، لكنها كانت مريضة ولم تستطع السفر. وقررت سالي عزمي، ابنتُها وصديقتي، أن تسافر إليَّ وحدها. ذهبتُ إلى مطار أبو ظبي لاستقبال سالي، وكانت المفاجأة التي رتبها السفير رأفت دون علمي. فوجئت بأن أمي الروحية قد تحاملت على نفسها ومرضها وسافرت من أجلي. هول المفاجأة جعلني أسقط على الأرض من فرط الفرح، وانخرطتُ في البكاء. تلك هي الأم العظيمة التي فقدتُها بالأمس. ويالهول الفقد.
في كتابي وشيك الصدور (الكتابة بالطباشير الملون)، كتبتُ لها إهداءً يقول: (ماما جولا، لا تتركيني)! لكنها تركتني وسافرت إلى السماء قبل أن ترى الكتاب. فهل أُغيّر الإهداءَ وأعاتبها على تركي وحيدة؟ أمْ أتركه شاهدًا عليها، وعلى لحظة مُرَّة من حياتي؟ أمي ماتت مرتين! سهير، آنچيل، سلامٌ على روحيكما الطيبتين.